مرجعية النجف وهي تمهد لخراب عراقي قادم

الاثنين 2013/11/11

في نهاية ولايته الثانية- وبعد ثماني سنوات متلاحقة في الحكم- وجدت المرجعية الدينية في النجف أنه صار من المناسب أن تعلن رأيها صراحة في أداء رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.

المرجعية نفسها، ممثلة في السيد علي السيستاني لم تتكلم، بل نُقل عنها، ذلك لأنها كانت ولا تزال وستبقى مرجعية صامتة، تؤدي الدور المطلوب منها عن طريق صمتها المريب والملغوم باحتمالات عديدة، ليس من بينها نصرة المظلومين وتعرية الفساد والفاسدين وبالأخص إذا كانوا من أتباع المذهب.

في الشهر الأول من الاحتلال كانت سلطته في العراق قد وجهت الشكر علناً للسيد السيستاني، لموقفه الحكيم من وجهة نظر تلك السلطة حين حث العراقيين على التعاون مع المحتل. أما حين أطبقت القوات الأميركية على النجف للقضاء على جيش المهدي فقد نقل السيد على عجل إلى لندن بدعوى العلاج.

حين عاد المرجع الأعلى من رحلته العلاجية كانت النجف أرضاً خراباً ولم يقل كلمة. ظل صامتاً كعادته، ولم يُنقل عنه شيء يومها. لم يكن ذلك الموقف غريباً فقد كانت القوات الأميركية قد شنت قبلها حرب إبادة على السكان المدنيين في الفلوجة من غير أن يكترث السيد.

كل هذا الموت الذي أطبق على العراقيين لم يكن يستحق نظرة إشفاق واحدة من عيني السيد الذي كان سياسيو العراق يتناوبون على زيارته في محاولة ملفقة منهم لإقناع الشعب العراقي بأنهم يحظون بتأييده، حتى وصل الأمر ذات مرة بأحد وزراء الكهرباء أن ذهب إلى النجف لتحظى مشاريعه بمباركة المرجعية. كان ذلك الوزير قد هرب بأموال العقود الوهمية بعد لقائه المزعوم بالسيستاني.

الرجل الذي يقال إن له التأثير الأكبر على شيعة العراق رفض ذات مرة أن ينال الجنسية العراقية معبرا عن اعتزازه بالجنسية الإيرانية. وهو موقف شخصي لا يمكن أن يُلام عليه. بل بالعكس تماماً. يمكننا النظر إلى ذلك الموقف بتقدير لما ينطوي عليه من شعور وطني يفتقر إليه الكثير من سياسيي العراق وزعماء الميليشيات الذين يقدمون الولاء لإيران على مصلحة وطنهم وكرامة شعبهم.

وإذا ما عدنا إلى موقف المرجعية الجديد من نوري المالكي فإنه يأتي في سياق تبرئة الذمة من ماض، كان من الممكن أن يكون الشعب العراقي أفضل حالاً فيه لو أن المرجعية نفسها قالت رأيها الذي أكدت فيه أن الرجل كان فاشلاً في إدارة الدولة، وكانت سياسته الطائفية هي السبب الذي جر العراق إلى مستنقع القتل الأهلي منذ السنة الأولى لتوليه الحكم.

أما الآن، وبعد أن أهدر الرجل سنوات ثماني من زمن الشعب العراقي، قضاها في اللعب بين الحبال والمناورات والمكائد والدسائس، في الوقت الذي كانت أرواح العراقيين تُزهق وثرواتهم تُنهب ويأكل الفقر والفاقة والحرمان والبطالة والخوف والتشرد الجزء الأعظم منهم، فإن موقف المرجعية لا معنى له سوى أنه يشكل تمهيداً لسباق انتخابي جديد، لن يكون فيه المالكي المختار الذي جاء لينتقم من أهل السنة الذين هم من وجهة نظر فئة من الطائفيين قتلة الإمام الحسين.

وإذا ما كان علينا أن ننظر بطريقة جادة إلى ذلك السباق الانتخابي الذي صار البعض يظنون أن المرجعية الدينية ترعاه من طرف خفي، فإن حظوظ المالكي في الفوز فيه تكاد تكون معدومة. لقد فشل الرجل حتى في إدارة صراعاته مع الآخرين. أما الدولة الفاشلة التي يقودها فقد زادها وجوده في السلطة فشلاً.

لم تخطئ المرجعية في توقيت إعلان موقفها من المالكي.

إنها تستجيب لدورها التاريخي المناوئ لأي احتمال ممكن لنهوض العراق من كبوته وخروجه من عتمة النفق الذي هو فيه. فالمالكي كان رجل المرجعية الذي أدى دوره بإتقان وصار عليه أن يغادر المشهد ليتلوه من يكمل مسيرته في الفشل. وكما أرى فإن تضخيم دور المرجعية في الحياة السياسية في العراق، إنما يُراد من خلاله إضفاء هالة روحانية على واقع مادي، يتقاسم اللصوص وقطاع الطرق والأميون الأدوار فيه.

ليست المرجعية سوى مطيّة يمتطيها السياسيون للوصول إلى الحكم من خلال اللعب بعقول شعب أغرته الخرافة الدينية في بحر من البؤس. هذا ما يقوله التاريخ وما أكدته الوقائع خلال السنوات العشر العجاف الذي مر بها العراق.


كاتب عراقي

8