مرحبا بالضجر

وجه الاحتفاء بالمدرسين المملين هو أنهم يضطلعون بمهمة أساسية في إعداد النشء لما ينتظرهم من ضجر مميت في اجتماعات مجالس الإدارة، مثلا.
الثلاثاء 2018/07/24
المدارس اليوم مليئة بالألوان والبهرج وألعاب الكمبيوتر

هذه تحية فاضحة وتكريم صارخ للرجال وللنساء من معلمين ومدرسين وأساتذة مضجرين.

في عصرنا هذا اختفى الضجر من المدارس وصار كل شيء في المدرسة وفي حصص الدروس مثيرا، بل إن أساليب التعليم ومناهج التربية تؤكد في كل مناسبة أن التلميذ يجب أن يكون مستثارا ومبتهجا طيلة فترة وجوده في المدرسة، وتراجع الاهتمام بالتحصيل العلمي إلى الدرجة الثانية، وحل محله طلب السعادة والبهجة وصارت المدارس كأنها ديزني لاند.

اختفى أيضا جيل المدرسين المضجرين رغم أن دورهم كبير في العملية التعليمية. وأنا أزجي هذه التحيات للذين ملؤوا أيامنا نكدا وضجرا، وأنا أفعل ذلك وفي ذهني أستاذ واحد هو الأكثر مللا في الكون.

لا أذكر له اسما بل يرد في الذهن بصفته الأكاديمية، اسمه “أبوالفيزياء”. هذا اللقب لا يعني أن أستاذنا أوجد علم الفيزياء، ففي العراق يقال لمدرس التاريخ، مثلا، أبوالتاريخ وليس المقصود بهذا هيرودوتس، ولا المقصود بأبي الفيزياء إسحاق نيوتن. مدارس العراق مليئة بـ”الآباء” من أبي الجغرافية إلى أبي الرياضيات وما بينهما.

أبوالفيزياء هذا كان مملا إلى حد لا يمكن وصفه. وهناك إشاعة بين التلاميذ أن أحد الطلاب اضطر إلى أن يعض رجله ويأكلها من كثرة الملل.

 أذكر هنا أن لي صديقا ذهب للقاء مديرة المدرسة حيث يدرس أبناءه مستفسرا عن تقدمهم العلمي، فأجابته المديرة “إنهم سعداء” وهذا يكفي. لكنه في الواقع لا يكفي لأن الأولاد يروحون إلى المدارس من أجل التعليم والتحصيل العلمي وسعادتهم أم عدمها ليسا في ميزان التقدم العلمي. كان صاحبي غاضبا حين قابلته خارجا من عند المديرة وهو يرسل المديرة والمدرسة والمنطقة التعليمية إلى الجحيم، ولا ألومه.

وجه الاحتفاء بالمدرسين المملين هو أنهم يضطلعون بمهمة أساسية في إعداد النشء لما ينتظرهم من ضجر مميت في اجتماعات مجالس الإدارة، مثلا.

 فالذي أرمي إليه هو أن الحياة ليست ديزني لاند، والملل ليس عرضا استثنائيا، وينبغي تدريب الطالب على تحمل الملل ولو بقرض أظافره.

أنا شخصيا أدين بقدرتي على حضور الاجتماعات والإصغاء إلى ما يقال إلى التدريب الذي تلقيته على يد أبي الفيزياء ذاك.

المدارس اليوم مليئة بالألوان والبهرج وألعاب الكمبيوتر، كل هذا من أجل أن لا يحس التلميذ بالملل.

خلاصة ما تحدثت به هو أنني أوصي برعاية كل ما هو ممل ومكافأة المضجرين من المدرسين والرفع من شأنهم.

24