مرحبا بينونة

الاثنين 2013/11/18

يا لزحمة الفضائيات. ما أكثر القنوات التي تبث في عالمنا العربي. إنه حقا سباق كبير. الكل يريد الاستحواذ على حصة من كعكة المشاهدين.

لكن أغلب هذه القنوات فاتها شيء: ما هو المميز الذي يمكن تقديمه للمشاهد؟

كيف ما تقلب القنوات، ستراها تعيد تقديم نفس المسلسلات ونسخ متقاربة من البرامج الترفيهية. نحن نعلك مسلسلات رمضان طوال العام على هذه القناة أو تلك. لو كانت مسلسلات رمضان مقررا في الثانوية العامة، لحصل التلاميذ على علامات كاملة فيه.

أما الفضائيات الإخبارية فهي على أحسن حال إعادة لنفسها أولا كل ساعة أو نصف ساعة، وإعادة بصرية (ربما بتعليقات مختلفة) لمادة تأتينا من وكالات الأنباء العالمية، بل وحصرا من تغذية الفيديو لوكالة رويترز ولوكالة الاسوشييتد بريس.

بين نشرة الأخبار والنشرة التي تليها، تطل علينا البرامج الحوارية التي استهلكت الوجوه. معلقونا المكررون، يفتون في كل شيء، من الجغرافيا السياسية إلى تداعيات انخفاض سعر الين الياباني.

أعاذنا الله وأعاذكم من أذى ما يسمى بالقنوات الدينية. لقد استطاعت خلال 20 عاما من البث الفضائي أن تقلب صورة الدين. ما وجدت في الدين إلا الغرائز الطائفية والعرقية لكي تستفزها. ما وجدت في الدين إلا التحريض والنقمة. دين الرحمة انقلب على يد عمائم الفضائيات إلى إفتاء بالقتل وتحريض على الأوطان أو شعائر لطم أو زرع للفتن.

هذه التقنية الراقية، تقنية البث الفضائي، تحولت إلى أداة إسفاف أو تحريض أو خراب. هل ثمة من يشك اليوم في أن ما نشهده في المنطقة هو نتاج بالدرجة الأولى لعصر الفضائيات؟

ثمة القليل القليل من البرامج التي تعنى بالثقافة والتراث والشأن المحلي الذي يهمنا كل ساعة وكل يوم. والكثير من القنوات «الثقافية» هي في أساسها قنوات استنساخ لبرامج معادة من قنوات بعيدة جغرافيا حتى وإن كانت ناطقة بالعربية.

ما هي ثقافتي؟

أنا إماراتي، مسكون بحب الإمارات وأهلها وأرضها ونخلها وبحرها، ولي مع كل منهم قصة عشق لا تنتهي. أحب الشعر النبطي. أحب الصقارة. وأحب الحداق (صيد الأسماك) وأيّد النخل، وأخرف الرطب، وأحب أن أرى الجمال تركض في مضامير السباقات. وأجمل متعة لدي أن أرى روعة الصحراء وهدوءها على شاشة التلفزيون.

أحب الشعر النبطي. نعم. أحبه لأنه التسجيل النابض بالحياة لتاريخ أجدادي وسجل لحياتنا اليوم. أحبه لأنه يذكرني بالأساسيات في علاقتي بوطني وبولائي الذي تتنازع عليه تيارات التغريب والتخريب. أحبه لأنه يذكرني بتلاحم قبلي صار دولة لها شأنها بالعالم. أحبه لأنه يصيغ بجميل العبارة ما قد أعجز عن الاتيان به قولا.

شاعري الإماراتي يقف ويقول ما في قلبي. يرد على المتخرصين. يرفع الراية عاليا. يقول للعالم: أنا إماراتي، فاسمعوا.

أحب الصقر والصقارة. ما أسهل أن تقتني بندقية وتصيد. وما أصعب أن تدرب صقرا. إنه أداة لتعلم الصبر، كما هو تذكير بأننا نعيش في ركن من العالم يحتاج كل يوم إلى أن يحفظ توازناته البيئية وإلا اختفت مخلوقات الله من حولنا بالصيد الجائر أو بعدم العناية.

أنا ابن الصحراء. وكما الصقر رفيقي، فإن الجمل هو مالي الذي رافقني رحلة البقاء منذ فجر التاريخ. سيارات الدفع الرباعي جميلة، ولكن سرعان ما يتقادم موديلها. أما «البوش» فهي عابرة للزمن والموديلات.

البحر الذي اقتحمه أجدادي دون وجل أو خوف، غاصوا في أعماقه بحثاً عن اللؤلؤ، وجابوا أركانه لصيد الأسماك، ونهلوا من خيراته، فبادلهم حباً بحب وفتح لهم من خزائنه، وأعطاهم كما أعطوه، وأخذ منهم كما أخذوا منه.

أما النخلة فهي أمنا الرؤوم التي لا يقدرها حق قدرها إلا من عاش على هذه الأرض العزيزة، وعلم بحق أن النخل والإبل وعزيمة الرجال هي أركان الحياة وبقائها أيام شظف العيش وقسوة الزمن.

ثقافتي الإماراتية هي ثقافة البدو الذين عاشوا على هذه الأرض الطيبة منذ آلاف السنين، وهي الثقافة التي انتشرت وشيدت حواضر الفتح الإسلامي، ثقافة تستحق أن نحتفي بها كل يوم. من نخلتها إلى سدوها إلى رقصاتها. هذه الثقافة هي أنا. وأنا أحب أن أكون حاضرا على شاشة فضائية تعنى بالشعر والتراث والثقافة وأوجه الحياة المختلفة في هذا الركن الزاهر من الأرض. أحب أن أرى منجزات بلدي البشرية بوجهها الإنساني القريب من أهل الأرض وليس فقط كما يحلو للآخرين تقديمه من عمران وتكنولوجيا.

ثقافتي إماراتية وهي ثقافة الولاء. والولاء قضية لا فصال فيها، لا من قبل ولا اليوم. الولاء هنا على الأرض، وليس هناك حيث لا أدري ماذا يخطط لشعوبنا وماذا تحاك من مؤامرات، مرة باسم العولمة ومرة باسم الإسلام السياسي.

البدوي دون ولائه للعشير إنما هو تائه في الصحراء.

فضائية بينونة التي انطلقت اليوم هي خطوة على طريق تعزيز تلك القيم التي تراكمت لمئات السنين وقادت إلى تأسيس دولة الإمارات. إنها تذكير بقيمة المحلي الذي يشكل حياتنا كل يوم.

أهلا ببينونة.

18