مرحلة المراهقة.. المسافة المضطربة عاطفيا بين الآباء والأبناء

تعبر أغلب الأمهات المستجدات عن معاناتهن اليومية في العناية بالطفل حديث الولادة، فالوقت والجهد غير العادي اللذان تبذلهما الأم في تقديم الطعام والعناية بنظافة ابنها وتوفير الرعاية الصحية له يستمران لفترة طويلة قد تمتد حتى يبلغ العامين من عمره، حينها يمكنها أن تتنفس الصعداء وتأخذ قسطا من الراحة، حيث تستعيد حياتها اليومية إيقاعها الطبيعي، وتأخذ الأم كفايتها من ساعات النوم والاستجمام، وتعود إلى عملها وقد تمارس بعض هواياتها، لكن المعاناة سرعان ما تعود بصورة مختلفة، حالما يبلغ الطفل سن ما قبل المدرسة ويبدأ بتلمس طريقه في محيط اجتماعي أوسع بقليل من بيئة المنزل.
الأربعاء 2016/04/06
لغة \"الحديث إلى اليد\"

تأتي السنوات الأولى من المدرسة بكل ما تمثله من تحديات تتعلق بالتكيف مع بيئة المدرسة والعلاقات الاجتماعية الأولى بالمعلمين ودائرة الأصدقاء واستطلاع مكونات العالم الخارجي، والأهم من ذلك التحديات الأكاديمية وطرق التعلم ومحاولة اكتساب المهارات الجديدة وغيرها الكثير مما تنشط به البيئة المدرسية الأولية.

وحين يبلغ الطفل مرحلة المراهقة، تتحول هذه التحديات إلى خوف وقلق كبيرين قد يعاني فيهما الأهل من صعوبة الإبقاء على اتصال مع أبنائهم ومحاولة السيطرة على انفعالاتهم وجموحهم المتوقع، بسبب حساسية المرحلة العمرية والتغييرات الفسيولوجية التي تفرض على سلوكهم تبدلا ملحوظا، في الوقت الذي يقع على عاتق الأبوين تحقيق التوازن الممكن بين تمتين العلاقة بين المراهق وأسرته ودعمه المستمر لتكوين شخصية مستقلة وبناء ثقته بنفسه وتعزيز وعيه الاجتماعي. لكن، أيّ من هذه المراحل العمرية تعدّ الأكثر تحديا من وجهة نظر الآباء والمربين؟

بالطبع، إن الإجابة على هذا السؤال تتعلق بشكل رئيسي بثلاثة عناصر مهمة في عملية التربية وهي، الأبوين والطفل ثم البيئة الاجتماعية والتربوية التي ينشأ فيها هذا الطفل، إضافة إلى العوامل الأخرى التي تسهم في تشكيل شخصية الطفل ومنها المكان والحالة الاقتصادية للأسرة وشبكة العلاقات العائلية والاجتماعية المحيطة به.

وفي استطلاع للرأي شاركت فيه أكثر من 2000 أم وأشرفت عليه الباحثتان، سونيا لوثر ولوسيا سيسولا من جامعة ولاية أريزونا الأميركية، تبين بأن الأمهات اللاتي لديهن أبناء مراهقون خاصة في المرحلة العمرية ما بين 12 و14 عاما يعانين من التحديات بصورة مضاعفة مقارنة بأمهات الأطفال الرضع وصغار السن وحتى الأطفال في مرحلة الدراسة الابتدائية، فضلا عن الأبناء الراشدين.

وعبرت أمهات المراهقين عن شعورهن بالإحباط المستمر بسبب الصعوبات التي يواجهنها في خلق حوار مع أبنائهن وبناتهن، مع وجود الحاجز النفسي الذي يضعه المراهق في العادة بوجه السلطة الأبوية ورفضه الانصياع إلى التعليمات وقواعد البيئة المنزلية.
الأمهات اللاتي لديهن أبناء مراهقون يعانين من التحديات بصورة مضاعفة مقارنة بأمهات الرضع

ووجدت نتائج الاستطلاع بأن أنماط الحزن والاكتئاب تصل ذروتها في العادة عند بلوغ الأبناء مرحلة الدراسة المتوسطة إذ يعاني الأطفال من مشاكل في التكيف ويتصرفون أحيانا بطرق غير مهذبة وجارحة للآخرين.

كما أشرن إلى معاناتهن من الضغوط النفسية، الشعور بالوحدة وعدم الرضا عن النفس، إضافة إلى الشعور بالذنب بسبب اعتقادهن بأن سلوك الأبناء غير السوي وغير المقبول في هذه المرحلة العمرية، إنما تأتّى من تقصيرهن في تقديم الرعاية اللازمة لهم.

وتؤكد الباحثة إلين كيندي؛ وهي طبيبة نفسية أميركية في ولاية نيوجرسي الأميركية ومتخصصة في التنشئة الاجتماعية والعاطفية للطفل ولها مؤلفات عدة في هذا الجانب، ترى بأنه ليس كل المراهقين يعانون هذه التحديات في هذه المرحلة العمرية، بل إنهم يتخطونها بمشكلاتها بسلاسة ويسر، لكنها في المقابل قابلت العديد من الأمهات الآتي تلبستهن الحيرة وهن يطرحن عليها هذا السؤال “ترى، ماذا حدث لطفلي الصغير الوديع؟”.

في سنوات المراهقة المبكرة، يصبح الأطفال أكثر تركيزا على تحقيق هوية شخصية مستقلة خارج نطاق الأسرة، كما أنهم يقعون تحت تأثير تغيير كبير في هرمونات النموّ بما تفرضه عليهم المرحلة العمرية الحساسة، إضافة إلى أن المرحلة الدراسية في هذه السن تتطلب جهودا أكاديمية وتحديات أكبر لتحقيق التقدم الدراسي.

كما أنهم عرضة دائما للانتقاد سواء من قبل البالغين أو حتى رفاقهم في المدرسة ولهذا تحديدا نرى سلوكهم يتأرجح بين رد فعل متعجرف ومتهكم مع شعور داخلي بعدم الأمان، ما يجعلهم يتجنبون البقاء في المنزل والخضوع للسلطة الأبوية ويتحمسون للانضمام إلى حلقة الأصدقاء، حيث التصرف بحرية من دون الخوف من الانتقاد أو الانتقاص من سلوكهم، بحسب ما يعتقدون، وبالطبع فإن الطفل الحزين أو المضطرب عاطفيا ينقل هذا الشعور إلى أبويه.

المراهق يضع حاجزا نفسيا في وجه السلطة الأبوية ويرفض الانصياع إلى التعليمات وقواعد البيئة المنزلية

وأوضحت كيندي أن صعوبة هذه المرحلة تكمن في المسافة التي تكبر بين الطفل والأهل، فيبدو الأمر مربكا ومؤلما لنا عندما يحاول طفلنا الحبيب رفض كل ما نقوله ونفعله ولا يفهم مقاصدنا بصورة صحيحة، فيمنحنا وجهه المتجهم طوال الوقت بينما يحتفظ بابتسامته ونظراته الحنونة للآخرين، حينها فقط سنشعر وكأننا نتلمس طريقنا بصعوبة في ظلام حالك في محاولة لاستكشاف كنه أمومتنا وأبوتنا مرة أخرى، لتخطي هذه المرحلة العصيبة في حياة أبنائنا بسلام وبأقل الخسائر الممكنة.

وترى كيندي بأن الأبوين يمكنهما تخطي هذا التحدي، وأهم خطوة في هذا الإطار أن يسعى الأهل إلى تطوير ذواتهم بالطريقة ذاتها التي يتبناها المراهق ولكن في اتجاه يسعى إلى التخفيف من الدور الاجتماعي السلطوي، وذلك بخلق علاقة صداقة متبادلة مع الطفل ومحاولة كسب ثقته من جديد بشكل انسيابي، كما تعدّ هذه المرحلة في حياة المراهق فرصة مشابهة للأهل لإنشاء علاقة مستقلة بعيدا عن الإشراف المستمر والقلق المتواصل الذي يبدونه في الغالب تجاه طفلهم، كما يتحتم عليهم في المقابل أن يتفهموا رغبته في تحقيق الاستقلالية من دون أن يقطعوا تماما الخيط الفاصل بين حريته وعلاقة الودّ والاحترام المتبادلة بين الطرفين.

في الوقت الذي يلجأ فيه الأبوان إلى بعض الأقرباء والأصدقاء الذين يواجهون تحديات مشابهة في تربية أبنائهم، وهذا الأمر مفيد حتما حيث أن تبادل الآراء والخبرات والنصائح من شأنه أن يثري التجربة ويقدم حلولا جديدة.

21