مرحلة ما بعد تحرير الموصل.. الضمانات والتداعيات

الخميس 2016/10/20

في غضون أقل من أسبوع، فقد العراق اثنين من مثقفيه الكبار، يوسف العاني الفنان المسرحي البارز، ووميض عمر نظمي المفكر والباحث المعروف.

الأول شُيع حكوميا لأغراض دعائية رخيصة، خصوصا وقد شارك في حمل نعشه وتلقي العزاء بموته مسؤولون حشروا أنفسهم حشرا في استقبال جنازته وهم من عتاة الحرب على الفنون والآداب والإبداع عقب الاحتلال، وأحدهم فاخر في لقاء متلفز أنه ينفق على هاتفي ولديه (الحسن والحسين) وهما في السابعة والخامسة من العمر، مبلغ خمسة ملايين دينار شهريا، من رواتبه ومكافآته (الحلال) دون أن يرف جفنه خجلا، لأن هذا المبلغ يكفي لإعالة أكثر من عشرين عائلة شيعية فقيرة في بلدته الحلة، في حين نزل الثاني إلى قبره بصمت وسط أهله ورفاقه والبعض من مريديه وتلامذته، موصيا ألا يقرب إلى جنازته، من عليه “ريحة” احتلالية أو طائفية، رحمهما الله وصبّر أحباءهما.

وفي العراق الحالي بات الموت يمثل رحمة لمن عاش في حقبة الزمن الجميل الماضي، وعاصر سنوات القهر والخراب عقب الاحتلال، والكثير من المثقفين والفنانين والمبدعين يتمنون أن يأتي اليوم الموعود الساعة وليس غدا أو بعد غد، حتى يتخلصوا على الأقل، من سماع وعود الإصلاح التي أعلنتها حكومة حيدر العبادي منذ قرابة عامين ولم يتحقق منها غير تعيين وزير للنقل من “التكنوقراط” مهووس بالكائنات والمركبات الفضائية التي كانت تحط وتطير في مطارات الناصرية جنوب العراق قبل خمسة آلاف عام، ويريحوا رؤوسهم من صداع تصريحات النائبة حنان الفتلاوي وآخرها محاربة تركيا برمي منشورات “الفشار” أي السب والشتم، على جنودها حتى يهربوا من المواجهة.

ومن حسنات الموت أيضا في هذا الزمن الأغبر، أن الميت وهو في رقدته الأبدية سيكون في راحة لا يسمع ولا يرى بلاغات هادي العامري وأبومهدي المهندس وقيس الخزعلي في سحق أهل الموصل عقب تحريرها، ولا يفور دمه ولا يجبر على مشاهدة أكثر من أربعين قناة تلفزيونية فضائية وأرضية تبث على مدار الساعة يوميا، مشاهد اللطم والتطبير، ولا يتفطر قلبه ألما على نبأ وفاة طفل في الثالثة من عمره في أحد مستشفيات بغداد، شج رأسه الغض والده المتخلف بـ”قامة” حادة أحدثت نزيفا قاد الطفل المسكين إلى الموت.

وعلى ذكر المواكب الحسينية التي تزايد عددها في شهر محرم الحالي بشكل يثير الشبهات عن مصادر تمويلها وشراء مستلزماتها من طعام وشراب ونقل وخيم ومحطات توليد الكهرباء وخدمات أخرى، في وقت تعلن الحكومة التقشف وتحجب إعانات النازحين وتؤجل دفع رواتب الموظفين وتتسول من البنك الدولي لسد العجز المالي، فإن هذا الموسم، شهد عرض مسرحية بائسة في إعدادها وإخراجها قدمت في الكثير من الأمكنة تظهر شكلا مكورا بالسواد يوحي بأنه امرأة، ويأتي رجل قبيح الخلقة رث الهيئة ويرفسها، وتصرخ المرأة الملفوفة بسوادها وتنطلق صيحات جمهور المشاهدين باللعنة على عمر بن الخطاب، لأنه كسر برفسته ضلع فاطمة الزهراء وأجهضها، في منظر يدفع إلى التقيؤ من طريقة تقديمه المبتذلة، وبعد كل هذا يطلع زعيم حزب الدعوة نوري المالكي ويعلن أنه مع المصالحة الوطنية، ويتناسى أنه وجمعا على شاكلته، أشاعوا الفرقة وحرضوا على الفتنة الطائفية وصنفوا نصف الشعب العراقي ضمن معسكر يزيد، ووصفوا كل حراك سلمي يطلب حقوقه المشروعة بالإرهاب.

والسؤال الذي يطفح على السطح، هل من المعقول أن تتصاعد حملات الإساءة والتشهير برموز دينية تحظى بمحبة واحترام فئات واسعة من الشعب العراقي، والبلد يخوض معارك دامية مع مسلحي تنظيم داعش، في أكثر من محافظة أغلب سكانها، شئنا أم أبينا، من السنة العرب معروف عنهم أنهم يحبون عمر وصحابة رسول الله، ويقدرون زوجاته عائشة وأمهات المؤمنين، وهم يتعرضون إلى التجريح والسب وفي هذا الوقت بالذات؟

ومن المحزن أن يترافق هذا الصخب الطائفي مع تصريحات لقادة ميليشيات الحشد بالانتقام من أهل الموصل، كما جاء في تهديدات زعيم العصائب قيس الخزعلي، الذي دعا إلى سحق المدينة الصابرة وسكانها الصامدين وعددهم حسب إحصاءات الأمم المتحدة أكثر من مليون إنسان، وحجته أنهم لم يقاوموا تنظيم داعش ولم يطردوا مقاتليه المدججين بالمدافع والصواريخ والدبابات والمدرعات التي خلفتها لهم قوات المالكي عند انسحابها بلا قتال من الموصل في مؤامرة انكشفت بعض صفحاتها والبقية تأتي تباعا.

لقد أعلن العبادي المباشرة بعمليات تحرير الموصل، ولكن العبرة ليست في الإعلان وإصدار الأوامر بالتحرك صوب المدينة وإلقاء الآلاف من المنشورات عليها، تحذر سكانها بالابتعاد عن مقار التنظيم المتوحش، وإنما كان المطلوب إعطاء ضمانات ملزمة من حكومة العبادي وتعهدات من الأمم المتحدة وإعلان أميركي رسمي صريح، ما دامت واشنطن تشارك بقواتها البرية والجوية والاستخبارية في رسم الخطط العسكرية وتحديد جبهات القتال، بأن الهدف المركزي لمعركة تحرير الموصل، هو تخليصها من احتلال داعش وعدم استبدال هذا الاحتلال البغيض بغزو ميليشيات بدر والعصائب وكتائب حزب الله وسرايا الخرساني التي تشكل الوجه الآخر لتنظيم داعش، في إرهابها وجرائمها وانتهاكاتها، وتتفوق عليه في سرقاتها وخصوصا الدجاج والثلاجات والأفرشة وأواني المطابخ كما شاهدناها بالصورة والصوت في تكريت وبيجي والفلوجة والصقلاوية والخالدية.

معركة الموصل في بدايتها وقد تقصر أو تطول، حسب ظروف القتال، ولكن من الضروري طمأنة سكانها الذين كابدوا الويل والتنكيل والتقتيل على مدى 28 شهرا مريرا، بأن ميليشيات الحشد الشعبي لا مكان لها في المدينة العربية التي كانت تحمل اسم أم الربيعين في أزمنة العز العراقي، لا الآن ولا مستقبلا، وإلا فإن الآتي من الأيام سيكون أشد فجيعة من اليوم.

كاتب عراقي

8