مرحلتنا التي نحسد عليها

العنف لم يتراجع بنهاية الحروب الأوروبية بل اتخذ أشكالا أخرى، لا نزال نشهدها في العراق وسوريا واليمن وليبيا ونيجيريا وأفغانستان.
الخميس 2018/09/06
البشرية ليست أفضل حالا من ذي قبل

ينطلق بعض الخبراء الغربيين في الغالب من معطيات تخص مجتمعاتهم، ثم يسقطونها على العالم أجمع ليخرجوا باستنتاجات تجد من يؤيدها ويدعي أنها موضوعية، وهم في ذلك أشبه بالمتعاطين مع استطلاعات الرأي التي يمكن أن يتأول نِسبها من يشاء كما يشاء، ويقوّلها ما لم يذهب إليه معظم من ساهم فيها برأي.

هذه مثلا مجموعة من الخبراء في علوم الاقتصاد والتنمية والإحصاء والتكنولوجيا الحديثة أمثال الألماني ماكس روزر، والسويدي هانس روسلينغ، والأميركي ستيفن بينكر، والكولمبي إستيبان أورتيز أوسبينا تشكلت في حركة تعرف بالمتفائلين الجدد، تروج لفكرة مفادها أن الإنسانية تعيش اليوم عصرا لم تشهده إطلاقا منذ غابر الأزمنة.

 كلهم يعتمدون على إحصائيات عن تراجع الفقر والعنف ونسب وفيات الأطفال وزوال الأوبئة وانتشار التعليم وتحرر المرأة وزيادة متوسط الأعمار، وحتى توقف التدمير الغابي وانحسار ثقب الأوزون، ليبينوا أن البشرية أفضل حالا من ذي قبل، وأن المرحلة التي نعيشها حاليا هي أجمل فترات الإنسانية على الإطلاق.

ورغم رواج مؤلفات أعضائها، قوبلت مواقف تلك الحركة في الغرب نفسه بانتقادات شديدة ليس أقلها اعتبار “تفاؤلها” ذاك مجرد تبريرٍ أيديولوجي لنخب المعمورة، وخطابٍ يشرع منظومة يمليها سادة العالم، بل إن ثمة من وصمهم بالمثقفين العضويين لوادي السيليكون الذي تسعى الشركات العملاقة عبره إلى السيطرة على العالم.

فالفقر لم يختف لمجرد أن نسب النمو ازدادت في هذا البلد أو ذاك، لأن الواقع يثبت أن خمس النمو في العالم منذ عام 1980 يقع بين أيدي قلة قليلة لا تتجاوز واحدا في المئة من السكان. وإنما هم يقللون من انفجار التفاوت مرة باسم مبدأ الإيطالي فيلفريدو باريتو (ما دام الفقر يتراجع، فالفوارق لا أهمية لها) ومرة باسم مبدأ البريطاني أنغوس ديتون (ظهور التفاوت دليل على ثراء المجتمع) فيُنطقون الإحصائيات بغير ما تحمل في الواقع.

كما أن العنف لم يتراجع بنهاية الحروب الأوروبية بل اتخذ أشكالا أخرى، لا نزال نشهدها في العراق وسوريا واليمن وليبيا ونيجيريا وأفغانستان؛ ثم إن الحروب هي ظواهر لا يمكن توقع زوالها نظرا لخضوعها لعوامل غير قارة فضلا عن الاستقطاب. وقس على ذلك أمثلة كثيرة عن تحرر المرأة والمساواة والطفولة تضيق بها هذه الورقة.

يقول مؤرخ الأفكار الفرنسي فرانسوا كوسّي: “نتساءل أين يعيش هؤلاء القوم. هم يبيعون كتبا في صيغ ماركتينغ من نوع ‘لم يكن الماضي أفضل’ وكأنهم يحطمون فكرا أحاديا، والحال أنهم يسقطون على العالم بحبوحة عيش طبقتهم”.

15