مرح البقاعي شاعرة سورية تخط مزاميرها بالرغبات

"لا أحد".. قصائد أنثى محفوفة بالسفر مسكونة بدهشة الاقتراب.
السبت 2021/04/24
امرأة تعيد تشكيل أسطورة العالم (لوحة للفنان سعد يكن)

“بخفة العائد من غيبوبته تلج خصوبة الفجر في جرة من حليب الذاكرة” هكذا تصوغ الشاعرة السورية قصائد مختاراتها الشعرية الصادرة مؤخرا بعنوان “لا أحد”، فاتحة ذاتها على تعدد واحتمالات كثيرة من التقمص والرؤى، ومنتهجة ذات التعدد في علاقتها بالآخر الرجل وغيره.

قدمت الشاعرة السورية مرح البقاعي أخيرا كتاب مختارات شعرية بعنوان “لا أحد” يضم بين طياته أربعة كتب هي على التوالي  “زهرة شانه ده ر”، “مسودات الرغبة”، “جولييت تنهض من قبرها”، “ماء ولغة” كتبت بين عامي 1989 و2010.

ووفق ما جاء في مقدمة الكتاب، الصادر عن دار الأندلس للنشر، تسعى الشاعرة إلى توكيد حريتها الفردية في الصميم من خلال العلاقة الحسية مع الحرية، ونضيف أنها في مسعاها ذاك لم تتخل أبدا عن الرجل كرمز متحرك تطوعه أينما تحط رغبتها وتشاء فكرتها.

الرجل الرمزي

 "لا أحد" يضم بين طياته أربعة كتب
 "لا أحد" يضم بين طياته أربعة كتب

في كتابها الأول “زهرة شانه ده ر” على غرار القصائد اللاحقة من المختارات نجد أن تعامل الشاعرة مع الوطن يتجسد في تعاملها مع الرجل، الرجل بكل ما يحمله من رمزية في النصوص، الرجل الذي تبقى الشاعرة معلقة في غيمته، وكأنه أصل خصوبة العالم، إنه الوطن والملاذ والرفيق والحبيب، صور كثيرة للرجل تفتحها الشاعرة من خلال الجسد وما يبدو للوهلة الأولى شهوة واحتراقا على الشراشف ليس سوى حلم بالولادة.

تقول الشاعرة “حين تذهب المدينة إلى سريرها/ تستيقظ أعضائي تحت ضربات أصابعك/ المشدودة إلى وتر الحافات”، إنها تقود إذن رحلة إلى الحافات المحيطة بها، لتكتشف ما يوجد أسفلها، أو بعدا، أو هي تريد المضي أبعد مما تحكمها به الحافة من حدود.

تتابع الشاعرة في نصوص الكتاب الأول طريقها الحلمي إلى الرجل تقول “سأواصل عد النجوم/ المنشورة فوق العشب/ المائل على الدرب/ إلى بيتك/ الذي من حريق/ وحطب”.

الحريق شهوة وفناء ربما كما يبدو للكثيرين، لكنه في هذه الحالة يشي بانبعاث ما، وبتحول بطلاه الشاعرة ورجلها الرمزي المتشظي كما تصوره لنا في أكثر من سطر شعري.

وتخاطب الشاعرة رجلها هذا قائلة “بلغة الضوء/ أحاكي انتشارك الرهيف/ في منمنمات الوقت”، وهذا ما يؤكد انتشار الرجل على ذوات أخرى وحتى على موجودات تتخيلها أو تتذكرها أو تصبو إليها الشاعرة، حتى أنها تخاطبه “لحبة الكستناء ملمس جلدك الأسمر العاصي” وأحيانا يصبح هذا الرجل “لوثة من الهذيان”.

ولكن الشاعرة لا تكتفي برجلها هذا الذي تمشي إليه وإنما نجد ذاتها واقفة ويمر من أمامها الكثير من الناس، أناس مختلفون، محكومون بالإعدام وبائعات هوى وعرافات ومجانين، هل هؤلاء هم شعبها، تقول /”أنا/ بلا شعب/ كنت أداوي علتي/ في ثقب العتمة”، إذن إنها الذات المعلقة والمفردة في وحدتها، هي كثيرون ولكنها لا أحد، فيما تستحضر الكثيرين حتى من شخصيات الروايات مثل “آنا كارنينا” بطلة الرواية الأكثر شهرة لتولستوي، والتي تراها الشاعرة بثوب أسود شاسع.

من خلال الدهشة تحاول الشاعرة إعادة تمثل لا الواقع والرجل المتعدد والوطن والآخرين فحسب بل ذاتها أيضا

ونجد الشاعرة تستلهم من مزامير داود التي كان يبتهل بها إلى الله وتكتب تحت عنوان “مزمور 4” قائلة “شدني أكثر/ ليسيل كل خمري/ على فخذيك”، ورغم شهوانية الصورة فإنها تحيل إلى طلب للأمان من الضياع، وإلى محاولة لخلق حياة رغم الواقع المزري، فقد جاء في مزمور داود الرابع قوله “يا بني البشر، حتى متى يكون مجدي عارا؟ حتى متى تحبون الباطل وتبتغون الكذب؟”، من هنا يمكننا فهم الصورة بشكل أكثر اتساعا وقراءتها من خلال مرجعياتها.

الاعتماد على الموروث الديني تكرر في أكثر من مرة في نصوص الشاعرة فنجدها مثلا تستلهم من المعجم القرآني تقول “المدقعات حزنا/ الشاهقات سقطا/ الغائبات قسرا”، وهذا التناص تؤكده رغبة الشاعرة في بناء أسطورة إنسانية خاصة، تعيد لتفكك ملامح الوجود عبر الشهوة والجسد ومن ثم الدهشة والعودة إلى الطين، المادة الأولى التي تشكل منها الإنسان وفق المرويات الدينية.

رحلة تقمص

جاءت قصائد الكتاب الثاني بعنوان “مسودات الرغبة” والمؤرخ بسنة 2002، وفيها تواصل الشاعرة رسم ملامح رجلها، الذي يتحول من الوهج والاحتراق والرغبة والجموح والحالة الحلمية إلى رجل مختلف كئيب ومحبوس مثل قطة في خزانة طعام فارغة.

على الطريق تخوض البقاعي رحلتها بين ماء ورغبات وسفر وجزيرة، لا يقودها غير الدهشة ومحاولة التذكر واستعادة الملامح البعيدة للأماكن والناس، فنجد بيروت “مشموسة بألفتها الصباحية الطرية/ بماء الفاكهة المبكرة واشتقاقات السياسة”، و”في حدائق اللوكسومبورغ اجتمع الطبل والجن والأثداء”، رحلة عبر المدن تحاول اختصار ما حاق بوطنها سوريا والمنطقة ككل مستعيدة التفاوض الفلسطيني وملمحة إلى أحداث سياسية عرفها العرب أواخر القرن الماضي.

من خلال الدهشة تحاول الشاعرة إعادة تمثل لا الواقع والرجل المتعدد والوطن والآخرين فحسب، بل ذاتها أيضا، تعود إلى البدايات، وتحاول “استعادة ما القبل من طوفان القبائل”، تعود من حيث لم تبدأ لتحاول عبر دهشتها “استعادة مبتدأ الطين في مادة الحكاية”، إنها سيرة ذات بين المدن والمشاعر والرغبات والقلق، ولكنها ذات أنثوية متعددة، لا تقف عند حدود الجسد والرؤيا الفردية، وإنما تبحث عبر أكثر من طريق عما يمكننا أن نأوله على أنه السلام.

تتلاعب البقاعي بذاتها فهي مرة مفردة، معزولة، ومرة تقحمها في الآخرين كجزء منهم لتكون صوتهم، تقول مثلا “نحن الذين لا ينتظرنا أحد نافرون عن الحب والمال والساحات العامة”، الشاعرة هنا تتحدث بضمير المتكلم الجمع، لتعود إلى انتمائها إلى المهمشين فاقدي الحب، لكنها سرعان ما ستعود إلى ذاتها المفردة والتي تقودها في رحلة تقمص طويلة.

رحلة غير خطية

Thumbnail

تكتب البقاعي بجرأة ممزقة الحجب التي كرستها الذكورية والمنظومات العقدية على المرأة، لكنها وهي تكتب لا تسعى إلى نبوّ أو إلى الإعلاء من رؤاها، بقدر ما تهتم بكشف الخفايا والغوص في المسكوت عنه، تقول الشاعرة “لا أريد لبنفسجي شرفة/ لا أريد لشهوتي عباءة”، إن الكتابة إذن عملية مكاشفة لكنها لا تستدعي الابتعاد عن أرض الحكاية والبشر وطبقاتها السفلى، وإنما حفرها بمعول الشهوة الذي لا يهمه أن يكون متهما دائما بالدونية فيما في قلبه تكمن الحقيقة، حقيقة البشر.

تكتب الشاعرة بأسلوب مسرحي فتوزع بعض قصائدها على مشاهد، مشهد 1، مشهد 2 مشهد 3،  ونجدها حتى تستحضر مسرحيين عربا كبارا أمثال سعدالله ونوس وتلمح إلى مسرحيته الشهيرة “الفيل يا ملك الزمان”، وهي التي نقد فيها بطش الملوك والساسة بشعوبهم.

وجاء الكتاب الثالث بعنوان “جولييت تنهض من قبرها” وهو مؤرخ في عام 1991، ويحمل قوة أخرى تنتقل خلالها الشاعرة من الرجل المبعثر إلى الطفل والرحم، وإلى قوة أخرى تقودها بين متاهات العالم العاصفة، تقول الشاعرة “حين تتقدم العاصفة ردد آية الريح / لا لهوامش مهادنة”، حيث لا تهادن الذات الشاعرة ما يحصل من عواصف ولا تروم الانكسار أمامها أو الانحناء، وإنما تجد أنه لا مجال للهدنة، أما الرجل الذي تغيرت صورته فهي التي تصطفيه بعد أن كانت تبحث عنه، حتى أنها تقر بأنها “مسكونة بالرجال المنهزمين” فيما هي تسقط في بئر الخرافة وترتفع غصة من رحمها.

وجاء الكتاب الرابع بعنوان “ماء ولغة” وهو مؤرخ في سنة 1989، ويبدأ بقصيدة “لا أحد” التي حمل الكتاب عنوانها، وفيها نجد الشاعرة في أيلول، إنه الخريف إذن، “عصفور الحزن الأزرق”، الذي لا يشبه عصفور بوكوفسكي الأزرق، أيلول خيام تقاسم الشاعرة الصحراء والريح.

النقلات الشعرية التي تقودها الصور التي تقوم على عدة أساليب أبرزها الإضافة، علاوة على الاستعارة طبعا، هي نقلات غير كرونولوجية، حيث اختارت الشاعرة ألا ترتب نصوصها زمنيا، وإنما وفق الحالات الشعرية، وهي تخوض رحلة غير خطية بين ذاتها والآخرين والوطن والبلدان الأخرى متوسلة بقصيدة نثر لا تقوم على المفارقة بقدر ما تسعى إلى بسط صورها كما هي في كثافة رؤيتها وسلاسة مخيالها.

13