مرزوق الغانم السياسي والتاجر الذي دافع عن العرب أمام الإيرانيين في بغداد

الأحد 2016/01/31
شاب يقود مجلس الأمة الكويتي يطالب بإسقاط الحصانة عن نفسه

بروكسل - يمكننا القول إنّ علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى الإيراني، لم يكن يتوقّع بعد كلمته الأخيرة التي هاجم فيها المملكة العربية السعودية خلال مؤتمر البرلمانات الإسلامية في العاصمة العراقية بغداد، أن يقف العربي الكويتي مرزوق علي الغانم رئيس مجلس الأمة الكويتي بصفته رئيساً لوفد الكويت للمؤتمر الأخير، لينبّه لاريجاني إلى أنّ غياب السعودية عن أروقة المؤتمر بوفدِها لا يُعطيه الحق في التهجم عليها والتدخل في الشؤون الداخلية الخاصة بها، معلناً أنّه بصفته الشخصية ووفد الكويت يمثلون الرياض في ذاك الاجتماع.

الأسرة السياسية

من تتبُّع السيرة الذاتية والمهنية والسياسية لمرزوق الغانم، نراه يؤمن بتقديم الـ”نحن” على “الأنا” الذاتية. هذا واضح وجليّ في كثير من المواقف التي يطالب فيها بالتعاون بين الجميع. التعاون الذي ينطلق من أرضية ثقافية تتخذ من العلم والعدالة والتنمية والديمقراطية والشفافية والحكم الرشيد أسلحة تحارب بها لإرساء حقوق الإنسان.

ولد مرزوق علي محمد ثنيان علي الغانم في الثالث من نوفمبر لعام 1968 في العاصمة الكويت. وأكمل فيها مراحل تعليمه الأولى في كنف والده رجل الأعمال علي الغانم، وأمه السيدة فايزة عبدالمحسن الخرافي، وهي أول أكاديمية تولت إدارة جامعة الكويت وشقيقة رئيس مجلس الأمة الكويتي سابقا جاسم الخرافي.

في هذه البيئة كان الغانم على اتصال دائم مع الهمّ العام بشقيه السياسي والاقتصادي. وما إن بدأت مداركه تسعى لتحقيق أهداف المستقبل، حتى انتقل إلى جامعة سياتل في الولايات المتحدة الأميركية ليتخرّج في كلية الهندسة الميكانيكية، حاصلاً على درجة البكالوريوس بامتياز مع مرتبة الشرف. ليدخل بعدها ميدان العمل مثبتا نجاحاته كشاب طموح تعلّم تقنيات علمية حديثة.

عاد الغانم بعدها إلى الكويت رئيسا لمجلس إدارة شركة “بوبيان للبتروكيماويات”، فضلاً عن وجوده في مجالس إدارة “الشركة المصرية الكويتية القابضة” وشركة “مواد البناء” وشركة “غلوبال تليكوم”.

مقاومة الغزو

عالم التجارة والأعمال لم يرض طموح الشاب الذي تشي سيرته بأنه قطع دراسته بالولايات المتحدة الأميركية خلال غزو النظام العراقي السابق للكويت، فتسلل إلى العاصمة الكويتية منضما إلى المقاومة طيلة الشهور السبعة التي سبقت التحرير.

الغانم وعلى الرغم من صغر سنه إلا أنه يحتفظ بسجل مهني غني فقد عمل قبل توجهه للحقل السياسي، رئيسا لمجلس إدارة شركة "بوبيان للبتروكيماويات"، فضلا عن وجوده في مجالس إدارة "الشركة المصرية الكويتية القابضة" وشركة "مواد البناء" وشركة "غلوبال تليكوم"

هذا كله مع تاريخ عائلة الغانم السياسي، كون عمّه عبداللطيف الغانم كان رئيساً للجنة كتابة الدستور في أول برلمان كويتي عام 1963 ويعتبر واحدا من الرجالات الذين أرسوا بناء صحيحا للمسار الديمقراطي الذي تنعم به دولة الكويت اليوم، كل تلك العوامل دفعت بالمهندس الشاب نحو العمل السياسي العام. فكان ميدان الرياضة خطوته الأولى ليتولى رئاسة مجلس إدارة نادي الكويت الرياضي خلال الفترة بين عامي 2002 و2006 العام الذي خطا فيه مرزوق الغانم أولى خطواته تحت القبة البرلمانية.

المناخ الديمقراطي

لا شك أن دولة الكويت تعيش، منذ تأسيسها، مناخاً ديمقراطيا بدا واضحاً وجليا في أروقة المجالس النيابية التي نجحت مرارا في قلب معادلات تشكيل الحكومات المتعاقبة، وربما تعتبر الفترة بين عامي 2006 و2012 هي الأكثر تقلبا بالشأن البرلماني.

كان القدر يسير بمرزوق الغانم عضواً مرشحاً عن الدائرة الثانية عن العاصمة ثم عضوا أصيلاً في المجلس. ليخوض عن طريق “كتلة العمل الوطني” انتخابات السابع والعشرين من يوليو لعام 2013 لينجح بعدها باعتلاء منصب رئاسة البرلمان.

أصغر رئيس مجلس أمة في تاريخ الكويت، والقادم من أحد أثرى العائلات في البلاد حسب تقييم مجلة “أرابيان بيزنس″، والمازج بين عقلية التاجر والسياسي معا، عمل على أن يكون نقطة الارتكاز لخلق التوازنات داخل المجلس المضطرب، في علاقته الدائمة مع الحكومة. منطلقاً في ذلك من فهم عميق للمرحلة الحالية الحرجة التي تمرّ بها منطقة الشرق الأوسط عموماً، والتي تتطلب قيادة شابة مؤهلة تحمل لواء الاعتدال والتوازن في طرح الآراء داخلياً وخارجيا كما فعلَ الغانم مؤخرا في بغداد.

مرزوق الغانم يستند إلى بيئة غنية ولد فيها فوالده رجل الأعمال علي الغانم، و أمه السيدة فايزة عبد المحسن الخرافي. أول أكاديمية تولت إدارة جامعة الكويت

الخليج وطن كبير

الخلطة بين التوازن والدبلوماسية، لم تمنعه من إيقاف الإيراني عند حدّه حين تمادى في غياب ممثل السعودية، الشقيقة الكبرى. ذلك الوضوح مع الدبلوماسية الإيرانية لم يكن وليد اللحظة أبداً. ففي العام 2014 جمع لقاء استمر ساعة كاملة الغانم مع الرئيس الإيراني حسن روحاني ورئيس مجلس الشورى علي لاريجاني. وما تسرّب عن هذا اللقاء أنّ مرزوق الغانم سأل روحاني عن رد الفعل الإيراني تجاه الكويت في حال قامت الولايات المتحدة الأميركية بتوجيه ضربة عسكرية لطهران. وبالرغم من الرد الإيراني الذي نفى أيّ نية عسكرية ضد الكويت، طرحَ الغانم الملفات الأخرى ذات الصلة والمتعلقة بمملكة البحرين والجزر الإماراتية الثلاث المحتلة.

يمكن تلمّس العقلية التي يفكر بها مرزوق الغانم التي تقوم فلسفته في ممارسة الديمقراطية النيابية على التفكير بمستقبل الوطن قبل طرح خيارات الانتخابات القادمة. هذه النظرية يسحبها الغانم عربيا لتكون المصلحة العليا للقضايا المشتركة هدفا استراتيجيا تمهّد لها أهداف تكتيكية وطنية لا بدّ من تحقيقها قبل التفكير بما يجب أن يكون لمنطقة الخليج التي تقوم على ثلاثة أعمدة أولها مجلس التعاون لدول الخليج العربي والعراق ثانيا وإيران ثالثا.

انتهاك السيادة
بكلمات بسيطة ومباشرة، استطاع مرزوق الغانم أن يعطي درسا للمسؤول الإيراني في ضرورة تعزيز الخطاب الذي يوحّد ويساعد على اللُحمة وليس الخطاب الذي يُفرّق، في ظل الحرب على الإرهاب التي يجب أن يتعاون فيها الجميع. درس آخر لأولئك الذين صمتوا ويصمتون على انتهاك إيران للسيادة العربية، في كثير من الميادين لم تكن السياسة أوّلها.

حديث الغانم هنا كان يستند إلى أساسين؛ الأول فيهما يقوم على تاريخ طويل تتقاطع فيه المشتركات بين الأشقاء الذين أعلنوها مرارا أن “خليجنا واحد”. والثاني شخصي. فالغانم رفع شعارا خلال حملته الانتخابية للبرلمان الكويتي “إياك واليأس من وطنك”، الوطن الكويتي بخصوصيته، والخليجي بعموميته الذي تتركز فيه صراعات السياسة والاقتصاد في العالم.

العلاقات المربكة

العلاقة الخليجية مع إيران لا يمكن قراءتها فقط ضمن خط مستقيم يقوم على علاقة العواصم الخليجية الرسمية مع طهران فحسب. بل هي تمر عبر ممرات عديدة تحكمها مؤخرا ملفات تتمثل في اليمن والعراق وسوريا، بكل ما يحمله الملف السوري من تعقيدات. علاقات تنطلق من نقطة ارتكاز ثابتة عند الغانم، حسب تصريحاته الإعلامية، بأن الانتماء القُطري في دول الخليج، يوازي تماما الانتماء إلى مظلة دول مجلس التعاون الخليجي الذي يسير بخطى ثابتة نحو الاتحاد في مرحلة قادمة. تلك المظلة التي يؤمن الغانم بالانتماء إليها سلوكا وفعلا، جسّده في المؤتمر الأخير وفي سيرة تمتد لأكثر من عشرين عاماً في العمل العام.

إن المتابع للسياسة الإيرانية والناطقين بها على كل المستويات، يلاحظ فوراً تلك اللغة حمّالة الأوجُه المستعارة التي تخالف الواقع على الأرض في كل مكان تتواجد فيه بلاد فارس التي تؤمن بحدود غير الحدود الجغرافية التي تنحصر بها إيران التي نعرف، وتلك التي تتخذ من طهران عاصمة لها، سياسة تقوم على مبدأ تصدير الثورة وفرض النفوذ على مسارات عديدة حتى لو اضطر الأمر إلى استخدام القوة كما يحدث في سوريا والعراق أو التهديد باستخدامها كما يحدث دائماً في مياه الخليج العربي.

البحث عن الرجل القوي

موقف رئيس مجلس الأمة الكويتي لا يمكن إخراجه من القناعة الخليجية التي بدأت تستشعر بضرورة التكتل في ظل التوافق الإيراني الأميركي والإيراني الأوربي عقِب رفع العقوبات عن طهران وفي ظل انهيار أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها منذ بدء استخراج النفط من أرض الخليج.

الانتماء القُطري في دول الخليج، يوازي تماما، في نظره، الإنتماء إلى مظلة دول مجلس التعاون الخليجي. تلك المظلة التي عمل الغانم من أجلها طيلة أكثر من عشرين عاما.

مرزوق الغانم المستند إلى شرعية انتخابه رئيساً لمجلس الأمة، يتحرك بحرية مطلقة يُدرك أبعادها وقيمتها. هذا يمكن ملاحظته في مسيرة الرجل خلال وقوفِه خلف استجوابات لمسؤولين كبار في دولة الكويت. الرجل الذي رفع تارة شعار “لنعيدها كما كانت” و طوراً آخر رفع شعار “لا تيأس من وطنك”.

فاجأ جميع أعضاء المجلس في مايو من عام 2014 بالطلب منهم إسقاط الحصانة عنه، بصفته رئيس المجلس كي يقف أمام القضاء في قضايا عديدة تقدّم بها نوّاب آخرون ضدّه عن مواقف دارَت تحت قبة المجلس، هذا الفعل يأتي في سياق إيمان الغانم بضرورة الفعل الديمقراطي وتمكينه.

الغانم نجم مواقع التواصل

ما إن تسرّبت الكلمة التي ألقاها الغانم في بغداد، حتى ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بالحدث الذي صار خبرا. قارنَهُ بعض المغردين بالنائب “عبدالحميد دشتي” الذي انسحبَ من إحدى جلسات مجلس الأمة الكويتي، عندما تعلق الطرح بالمصلحة الإيرانية. اللافت هنا أن الغانم استحق شكرا حقيقيا وافتراضيا عبر وسم أطلقه مستخدمو الشبكة العنكبوتية #شكرا_مرزوق_الغانم، فما مِن عربيّ يرضى أن تُهان السعودية، بما تمثّله من بعد عربي وإسلامي، عندما يتعلق الأمر بكيان الأمة والهوية.

كاتب من سوريا

9