مرزوق بن تنباك باحث سعودي يصدم المجتمع وينسف الخرافات

أفكار الباحث مرزوق بن تنباك تواجه عقولا متحجرة ألفت أن تدفن كل جديد في التراب بعد أن تناول مفهوم الوأد في الجاهلية ليكشف معناها الحقيقي.
الخميس 2020/05/14

قبل أيام فقط، كان هذا الباحث الإشكالي يثير مجدداً ملفات أريد لها أن تغلق وتطوى مع الزمن. ولكنّ مرزوق بن تنباك ونادرين من أمثاله، لا يشعرون باليأس وهم يحاولون مرة بعد مرة تفكيك طبقات من الجهل والتخلف والتراجع المعرفي أصابت بلداننا وثقافتنا وطالت جميع نواحي حياتنا.

كتب بن تنباك مستغلاً الحديث عن كورونا والخوف منه، ليذكر السعوديين بمشكلة مئات الآلاف من السكان الذين يعيشون في المملكة من دون أن تحسم أمورهم، وخاصة أولئك الذين قدموا من آسيا، أي البورميون، بالإضافة إلى غيرهم من المهاجرين. قال في مقال له إن أنصاف الحلول ليست هي الحل، وإن على الدولة السعودية والمجتمع حلّ تلك المشكلات بإقناع هؤلاء المهاجرين المتكتلين في بيئات مغلقة كي ينتشروا في بقاع عديدة، ويندمجوا مع المجتمع كما فعلت بقية الدول المتقدمة في العالم.

أفكار بن تنباك، مثل مقترحه حول المهاجرين إلى السعودية والذين لم يتم منحهم الجنسية وغيره من المقترحات الخلاقة، عادة ما تواجه عقولاً متحجرة ألفت أن تدفن كل جديد في التراب، لكن هذه المرة يعود بن تنباك بفكرة تستهدف الوأد ذاته العادة البشعة التي قيل لنا إن العرب كانوا يقومون بها في الجاهلية، قبل الإسلام. وكانت تعني التخلص من المولودات البنان بدفنهن أحياء. فماذا سيقول بن تنباك عن ذلك؟

ولد بن تنباك الشدّادي العمري الحربي في العام 1950 في المدينة المنورة، نشأ ودرس الابتدائية في مدرسة ذي الحليفة في منطقة “آبار علي”، ودرس الثانوية في المدينة المنورة، ثم التحق بجامعة الرياض كلية الآداب، وتخرج منها حاصلاً على درجة البكالوريوس، ثم عين معيداً فيها، قبل أن يسافر إلى المملكة المتحدة لينال درجة الماجستير والدكتوراه من جامعة أدنبرة.

كتابه "الوأد عند العرب بين الوهم والحقيقة" يتناول عبره بن تبناك تفسير الآيات التي أوردت قتل الأبناء، ونصوص الأحاديث والشعر، شعر النقائض بالذات، مفرداً للخيال الشعبي وأثره في قصة الوأد والموقف من إنجاب البنات مكاناً واسعاً  في أبحاثه
كتابه "الوأد عند العرب بين الوهم والحقيقة" يتناول عبره بن تبناك تفسير الآيات التي أوردت قتل الأبناء، ونصوص الأحاديث والشعر، شعر النقائض بالذات، مفرداً للخيال الشعبي وأثره في قصة الوأد والموقف من إنجاب البنات مكاناً واسعاً  في أبحاثه

لم يدر بخلد ابن المدينة المنورة أن رغبة الوصول إلى إجابات عن أسئلته ستؤدي إلى صدمةٍ ثقافية، ونسفٍ لتأصيلٍ موجود، فالقصة بدأت بسؤال يطوف حول سبب اقتصار وأد البنات على الدفن، دون غيره من الوسائل، لينتقل من بحث عن إجابة إلى كشف حقيقة وأد البنات وإثبات عدم حدوثه بتاتاً، مبدياً استغرابه من قناعة توالدت لدى كثيرين أنها حقيقة مُسلَم بها، كونها قناعات تمس كرامة المرأة وتقلل من شأنها، متحدياً في ذات الوقت من يثبت حادثة دفن البنات في التراب وهن أحياء سواء في فترة الجاهلية أو ما قبلها أو ما بعدها مخافة فقر أو سبي أو عار، ليأتي مصححا لتراث اعتمد، للأسف، في رواية الوأد على تفسيرات مرويات خاطئة، ومخيلات حكايا شعبية احتشدت بالمغالطات وأصّلت قصةً غير موجودة.

يقول بن تنباك “كنت أبحث عن أسباب الوأد عند العرب، ولماذا وأدوا بناتهم، ولماذا اختاروا الدفن لهن وهن أحياء، ولماذا لم يقتلوهن بطريقة غير الدفن؟” مبيناً حاله، بادئ ذي بدء، بعدم شكه في صحة رواية الوأد وحقيقتها، معتمداً على ما دار في التراث العربي من روايات تُرددها المصادر التي جعلت حدوثها شبه مسلّمة لا تقبل الجدل، ليكتشف كلّما أوغل في البحث ظهور كثير من الملاحظات حول أسانيد الروايات ومضامينها، سواء عبر حداثة روايتها وقربها من الإسلام، أو عبر اعتماد جلّ الرواة على قصة أقرب ما تكون الى الوضع والانتحال، مدققاً في جُلّ الروايات التي وردت في التراث العربي ومفتشاً عن أيّ أثرٍ يسندها للجاهلية من شعر ونثر وخبر.

اتضح له أن خرافة الوأد ما هي إلا التقاطات مفسرين، وزاد بالقول “قد كنا نحتمل هذه الرواية وغيرها لو أن الأمر اقتصر على المعنى الأدبي وما يصاحبه من ضروب الخيال، لكن أمر الوأد لُبِّس بالدين والاعتقاد واُصِّل على أنه حق لا يقبل الجدل، فصار الحديث عنه دينياً، كونه رُبط بدلالة القرآن والإشارة إليه، إضافة الى استناد لأبيات من الشعر، وروايات من الفخر، وحكايات من الماضي، لتصبح مسلمة لا تحتاج إلى دليل، ولا تقبل فيها حجة، وإن قويت، ولا مناقشة، حتى وإن جاءت بالبراهين والأدلة التي تنقضها فهذا لا يمنع من أن يجتهد من يستطيع الاجتهاد.

خرافات

تناول بن تنباك عبر كتابه “الوأد عند العرب بين الوهم والحقيقة” بالتمحيص والدقة تفسير الآيات التي أوردت قتل الأولاد، ونصوص الأحاديث والشعر، شعر النقائض بالذات، ليكون للخيال الشعبي وأثره في قصة الوأد والموقف من إنجاب البنات نصيب من الطرح.

وجد بن تنباك أن آيات قرآنية عُمّيت على مفسرين ومُذكرين ووعاظ كانت مكمن احتجاج بأيديهم، حتى جعلوا تفسير كل آية جاءت في القرآن تُذكُر قتل الأولاد معنِيّ بها وأد البنات، مع أن لفظة الولد تشمل الذكر والأنثى، وأوضح أن “سياق القرآن في آيات تحريم قتل الأولاد يدل على أن المراد هو تحريم هذه الأشياء عموماً، لأن مثلها مما يقع، أو مما هو محتمل وقوعه، أو قد وقع فيه الناس زمن التنزيل أو قبله، ولذا جاء النهي عن عدد من الممنوعات المحرمات في أصل التشريع، وهي كثيرة” وأضاف أن “عدد المحرمات ومنها قتل الولد تعم بنين وبنات، فلم يخصص فيما حرم من القتل بأنه يعني الأنثى خاصة ويستثنى الذكر”، متسائلا؛ أين التخصيص، وأين الاستثناء للذكر من الأولاد، وعلى أي شيء اعتمد المفسرون في تخصيص ما هو عام مطلق في النص كله”، ومُذكراً بمكتبات في العصر الحديث ملئت بكتب التفسير، واجتهاد مفسرين محدثين في بعض الآراء والمعاني والتفكر في ما أحدثته الحياة الصناعية والعلمية الحديثة من أشياء كانت بعيدة عن أذهان المفسرين الأقدمين. ولكن مما يؤسف له في قضية قتل الأولاد التي أشارت إليها نصوص كثيرة من القرآن لم يستطع أحد منهم الخروج عن فهم الأقدمين، وحملوا ذلك كله على الوأد وأحالوه إليه. لقد أخذ بعض المفسرين رواية الوأد اعتمادا على أبيات قالها شاعر يفخر بنسبه وحسبه دون تحقّق من صحتها، ثم صنعوا القصص حول الوأد وطريقته وأسبابه، وأكثروا من الروايات وقصص المواعظ مقارنين ذلك بحال الإسلام الذي حرّم الوأد، وأكرم البنات والأبناء في حال الجاهلية التي صنع منها ذلك الصنيع وهو أمر لا يختلف حوله، وليس بالضرورة أن يحرّم القرآن شيئا كان ممارسا من قبل.

الموؤودة التي أشار إليها القرآن

أفكار بن تنباك الجريئة، مثل مقترحه حول المهاجرين إلى السعودية، عادة ما تواجه عقولاً متحجرة ألفت أن تدفن كل جديد في التراب
أفكار بن تنباك الجريئة، مثل مقترحه حول المهاجرين إلى السعودية، عادة ما تواجه عقولاً متحجرة ألفت أن تدفن كل جديد في التراب

مع أن الحديث النبوي يعدّ المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية، إلا أن بن تنباك يؤكد على سطوة اختلافٍ شديدٍ في متونه فيما يتعلق بجزئية الوأد، واضطرابٍ غيّر من معاني الحديث، وجعل الجدل حوله كثيرا، سواء من تصرّف في لفظه إما لسوء حفظ أو نسيان، فيُروى بعدة ألفاظ متعددة مختلفة، أو على أحاديث رويت بمعناها لا بنصها، وهو حال جائز عند أهل الحديث، وما زاده بعض الرواة في متن الحديث والتي هي نتيجة لما شاع من أقوال الوأد بعد أن كرّر المفسرون معنى الآية “وإذا الموؤودة سئلت” فحمَلوها معنى قتل البنت بدل النفس مما يعطي استنتاجا أن أيّ حديث عن وأد البنات أو شعر أو تفسير للموؤودة بأنها البنت قد سبق رواية الحديث وتدوينه، ووقرَ في أذهان الناس المعنى الذي ذهب إليه المفسرون، ويشير بن تنباك إلى أن الوأد لم يرد في الصحاح إلا في حديث واحد فقط شابته الزيادة والاختلاف من سند إلى آخر.

لم يترك بن تنباك الشعر بمعزل عن بحثه لاسيما والشعر ديوان العرب ومصدر تاريخ وأحداث وموثق لها، إلا أنه، والحديث لبن تنباك، لم يرد في شعر العرب آنذاك هجاءٌ في الوأد، أو ثناءٌ في مُنكِرٍ له، وخلوّ كتب المؤرخين من ذكر هذه العادة، وخلوّ دواوين الشعراء من الإشارة إليها، بل خلت كل آثار الجاهلية مما يشير من قريب أو من بعيد على حدوثها، أيكون الوأد، وهو عمل لا يمكن تجاهله في العرب، ثم لا يكون له ذكر في ديوانهم ولا في تاريخهم ولا في موروثهم وعاداتهم وتقاليدهم في الحياة؟ حتى جاء شاعر ملهم يخترع الأحداث يفخر بأبيه وجده، فأصبح مصدر هذه القضية التي ملأت كتب الأدب العربي الإسلامي، وكتب أهل الأخبار والمفسرين والوعاظ والمفكرين، ليجد في ثنايا البحث أن الفرزدق الوحيد دون الشعراء من ذكرت أبياته ذلك مبديا، وهو المهتم بشعر العصر الأموي، استغرابه من سكوت جرير عنها، وهو الذي عُرف بقلبه وتغييره للمعنى تجاه أيّ بيت يقوله الفرزدق في الفخر، مما أعطاه استنتاجاً أن أبيات الفرزدق في الفخر بأبيه وجده منقذ الموؤودات ماهي إلا انتحال ”ولا يمكن أن نجد احتمالاً غير هذا إلا إذا بَعُد بنا الشك، وأخذنا بمد قضية الانتحال، وجعلنا الأبيات المنسوبة للفرزدق من انتحال أهل التفسير وصناعتهم، أرادوا أن يفسروا بها الآية الكريمة، ونسبوا إلى الفرزدق شعرا بعد وفاته ووفاة جرير”.

كتب بن تنباك مستغلاً الحديث عن كورونا والخوف منه، ليذكر السعوديين بمشكلة مئات الآلاف من السكان الذين يعيشون في المملكة من دون أن تحسم أمورهم

والحكاوي قبلة الباحثين عن سير البطولة والترفيه، والتي من شأنها أن تحرّض الحكواتي على زيادة الخيال الذي لم يكن الوأد في سلامة منه بعد أن أدخله المخيال الشعبي ضمن مواضيعه وإدخال الخرافة فيه أيضا، ونمو القصة مع مرور الزمن وترحلها من شخص إلى آخر أحدث فيها من الزيادة بغرض التشويق الكثير ليؤكد بن تنباك كونها أحد الأسباب التي رسخت الوأد في أذهان الناس، غير مستبعدين كذلك دور الشعوبيين في النشر بين الناس وميلهم الى تصديق كل ما يقال عن العرب في الجاهلية ومن ثم تأصيله “ولعل روايتهم للوأد وتصويرهم له إحدى الأغراض الشعوبية”، معتمدين على وهم وجدوا الفخر دليلا عليه.

لم يتوقف بن تنباك دون إزاحة الالتباس الذي حل بدلالة كلمة الموؤودة، وتأكيد شموليتها للذكر والأنثى عند العرب، وبالتالي لم تخالف نصوص القرآن هذه الدلالة، كونه نزل بلغة العرب، ولا نصوص حديث نبوي أو شعري من بعده، وإنما مؤنث الكلمة صرف أذهان المفسرين فاجتهدوا بدلالة المعنى المباشر للموؤودة وجعلوها البنت التي تدفن حية، فتابع بعضهم بعضا ونقل بعضهم عن بعض، ولم يتدبروا النصوص التي أشارت إلى قتل الولد، وعللت ذلك القتل تعليلا لا يساعد على الاجتهاد الذي وجد عند المفسرين “عندما نظروا الى آية ‘وإذا الموؤودة سئلت’ منفصلة عن معنى القتل، الذي جاء في عدد من الآيات القرآنية“، إلا أن هناك توافقاً بين المؤلف والمفسرين مع جزئية الدفن في التراب، كما أن مكمن اختلافه عنهم حيالها أن النفس المدفونة – الموؤودة هي نتاج سفاح وعلاقة آثمة نتج عنها مولود كان يواري التراب ويدفن فيه درءًا للعار والفضيحة، ليعود السؤال حول اقتصار الدفن دون غيره من الوسائل ماثلا لتأتي الإجابة أن “الدفن هو الطريقة الوحيدة التي لا تكشف هذا السوء، فقلة عدد سكان تلك المجتمعات ذاك الزمان، علاوة على ما اشتهروا به من قيافة قد تكون طريقاً لمعرفة نسب الطفل، فكان الدس في التراب هو المتاح دون وسيلة خلاص أخرى، ويورد قرائن من عادات مشهورة في مجتمعنا إلى الآن جعل منها استشهادات ومحاولة لربط كل ما من شأنه يدعم كلامه ومثال ذلك “يدسه في التراب” والذي جاء كمعنى مجازي حول إخفاء ذكر المرأة وعدم البوح باسمها مثلا كمن يدس وجهه في التراب ومثل مرغ وجهه في التراب دلالة الذل والخنوع والاهانة.

لا تقفلوا الأسواق للصلاة

العلمانية يراها بن تنباك تحافظ على كرامة الإنسان وعلى شعائره وحقه في الوجود. وجهة نظر جلبت عليه انتقادات عديدة من الأوساط السعودية المتشددة
العلمانية يراها بن تنباك تحافظ على كرامة الإنسان وعلى شعائره وحقه في الوجود. وجهة نظر جلبت عليه انتقادات عديدة من الأوساط السعودية المتشددة

لم يكن طرح حقيقة الوأد عند العرب حصيلة بن تنباك ابن المدينة المنورة والبروفيسور في جامعة الملك سعود في كلية الآداب وحسب، فقد ألف عدداً كبيراً من الأعمال مثل “رسائل إلى الوطن” و”الجوار عند العرب” و”في سبيل لغة القرآن” و”الثقافة لغة العولمة” و”إشكالية الأدب الإسلامي” وغيرها. ونال العديد من الجوائز ومنها جائزة مكتبة التربية العربي لدول الخليج، وتولى العديد من المهام منها رائد اللجنة الاجتماعية ووكيل كلية الآداب ورئيس لجنة الثقافة لمعرض الرياض الدولي.

وقد سبق لبن تنباك أن نشر آراء أثارت الجدل والانتقاد، وكان لها نصيبٌ من التأييد والاعتراض، فهو الذي أبدى تحفظه، ذات يوم، على إقفال الأسواق وقت الصلاة، علاوة على وصفه للعلمانية بأنها تحافظ على كرامة الإنسان وعلى شعائره وحقه في الوجود، والعديد من القضايا التي أضحت محل نقاش حاد بين السعوديين.

12