مرزوكة في المغرب تنتظر من يحرك رمالها

السياح المحليون يكتشفون الكثبان الذهبية وحياة الرحل.
الأحد 2021/03/28
الصحراء بعيدة عن كورونا

أثّرت جائحة كورونا على السياحة في المغرب رغم تنوعها وثرائها، فقلّ عدد القادمين الأجانب، وبات أهل القطاع يعمدون لتشجيع السياح المحليين الذين عجزوا عن السفر، ليكتشفوا حياة الصحراء في مرزوكة المختلفة والتي يكمن سرّ جمالها في بساطتها.

مرزوكة (المغرب) - “رمال بلا سياح”، ذلك هو العنوان الذي يمكن أن نطلقه على منطقة مرزوكة التي كانت، إلى وقت قريب، تعج بالسياح الراغبين في الاستفادة من رمالها كموقع للاستجمام، ووسيلة للراحة، وعلاج للأمراض، ولاكتشاف سلسلة طبيعية “متغيرة” تحيل على التحول الكبير بين المدينة وكثبان الرمال التي تنادي على زوارها.

ولعل الزائر لمنطقة مرزوكة، المتواجدة في إقليم الرشيدية، يلحظ أن السياح الأجانب والمحليين الزائرين لها في هذه الظرفية يعدون على أصابع اليد في منطقة لم تكن لتشهد هذا الوضع سوى في فترات الأزمات التي تعم الجميع.

“الحسرة” هي الكلمة التي تحدث بها حسن الأنصاري، صاحب التجربة الطويلة في السياحة الرملية بمرزوكة، والسبب، كما يقول، هو أن الرمال التي كانت تدر مالا و”ذهبا بالنسبة لمن يعتنون بالسياح الزائرين لها”، لم تعد تجود بـ”حبات الحياة”.

واعتبر أن الرمال هي المحدد لملامح السياحة في مرزوكة، لأن كل من يحل بها يسأل، أولا وأخيرا، عن كيفية “الغطس” في رمال قد توصف بأنها فريدة ومختلفة.

إنها رمال منتشرة في الجنوب الشرقي من المملكة، لها خاصية تمكين الزوار من التعرف على سياحة أخرى قرب بلد عربي جار للمملكة المغربية.

حسن الأنصاري لم يخف تشاؤمه إزاء الوضع الحالي، لكنه أبدى نوعا من التفاؤل حين الحديث عن السياحة الداخلية كحل يلجأ إليه من أجل التغلب على الصعاب المؤقتة التي تحول دون القيام بزيارات مكثفة من السياح إلى الرمال التي تشتهر بها مرزوكة والتي يمكن أن تشكل “علامة تجارية” و”تسويقية” لها، لاسيما بفعل قربها من واحات الرشيدية، وزيارتها تمكن أيضا من السفر إلى مناطق قريبة بها واحات شهيرة، مثل “فركلة” و”أوفوس”.

الرمال والصحراء متعة وإثارة
الرمال والصحراء متعة وإثارة

وفي مثل هذه الفترة من السنة يستعد العاملون لاستقبال السياح الأجانب في فصلي الربيع والصيف، لكون الرمال الذهبية تنادي على من يحبها ويرغب في التواصل معها من خلال أنشطة متنوعة.

ومرد ذلك يرجع لكون مرزوكة من بين الوجهات السياحية للمغرب المستضيفة للأنشطة الثقافية والترفيهية على المستويين الوطني والدولي.

ولعل رالي عائشة للغزالات، الذي تم إلغاء دورته للسنة الماضية بسبب انتشار فايروس كورونا، خير مثال على الإقبال الدولي على رمال تستوعب مختلف الفعاليات السياحية.

رمال مرزوكة شاهدة أيضا على تنظيم العديد من الأنشطة الترفيهية التي يقصدها السياح القادمون إليها من أجل ركوب الدراجات رباعية العجلات والسيارات رباعية الدفع والتجول في الصحراء.

حميد يمتلك عددا من الجمال التي خبرت كثبان مرزوكة، يؤكد أن العمل الحالي يقتصر في مجمله على السياح المحليين.

ويدعو حميد الذي يرتدي لباسا تقليديا صحراويا يحاول من خلاله استمالة السياح المغاربة وإقناعهم بالمظهر الجذاب أن لباسه جزء من المكان ومتلازم معه، محفزا كل من يلتقي به إلى القيام بجولة سياحية بركوب الجمال التي اصطفت في انتظار من يركبها.

وقال حميد، إن الوضع صعب ورمال مرزوكة لم تعد تستقبل سياحا أجانب بنفس الوتيرة السابقة، “إننا نعيش من خلال زيارة الرمال وتنظيم جولات بالجمال وزيارة بعض الرحل، مع محاولة اقتباس طريقة العيش في الخيام، والاستماع إلى الموسيقى بوجود موقد للنار في المساء”.

هذه الطريقة رغم أنها لا تعني أن الأزمة قد تنتهي في القريب العاجل، إلا أنها وسيلة لجذب سياح محليين، مثل حمزة كحية القادم من مدينة الدار البيضاء رفقة بعض الأصدقاء الذين أكدوا أنهم حلوا من أجل اكتشاف المنطقة وركوب السيارات الرباعية التي توصلهم إلى الكثبان الرملية، داعيا الجميع للقدوم إلى مرزوكة لخوض هذه التجربة في منطقة جميلة وساحرة.

“الجمال متوفرة وعلى أهبة الاستعداد للقيام برحلات رملية، وهي المستوعبة لكل الرحلات ولكل مشاكلها والحاجيات الخاصة للسياح الذين يرغبون في اكتشاف المنطقة”، يخلص حميد الذي تحذوه آمال كبيرة لتكون الرمال وجهة صيفية للسياح المغاربة الذين لم يتمكنوا من السفر إلى الخارج.هذه الدعوة نابعة من اعتبار المنطقة زاخرة بالعطاء الذي لا ينضب، وهو ما ينطبق على محمد بكي الذي جاء صغيرا إلى مرزوكة في رحلة مع بعض أقرانه ليستقر به المقام بها، بعدما سحرته رمالها وطقسها والعيش بجوار سكانها الطيبين.

رمال مرزوكة لم تعد تستقبل سياحا أجانب بنفس الوتيرة السابقة وهي اليوم تركز على المغاربة لاكتشاف بلادهم

يقول بكي، “في البداية استهوتني الطبيعة الخلابة وكرم ضيافة أهل المنطقة الذين آواني بعضهم لأني لم أكن أتوفر على موارد مالية واعتنقت حب هذه المنطقة وأصبحت الرمال جزءا من حياتي الخاصة”.

وشدد على أنه انسجم مع المجال بسرعة، قائلا، “لم يكن لي مورد رزق، وهدفي البحث عن العمل”، مشيرا إلى أن حبه لرمالها أوحى له بالبقاء بها وامتهان السياحة كمجال للكسب.

ما يثير استغراب بكي أن السياح الأجانب، الذين يحلون بمرزوكة، يسألون في البداية عن الرمال التي يرون أنها مختلفة عن تلك التي تتواجد في مناطق أخرى.

ويرى أن السر في ذلك يكمن في أن الولوج إلى المناطق الرملية “لا يتم من خلال السفر البعيد، وإنما بمحاذاة المناطق السكنية والفنادق، وكأنك تلج عالما آخر بخطوات قليلة، تنقلك من عالم وبيئة إلى أخرى متنوعة ومختلفة عنها من حيث الروح والمعنى”.

وما يضفي عليها استثناء طبيعيا هو أن وسائل النقل الخاصة تصلها، حيث تحتضن أمكنة للرحل، لهذا وجد بعض الفاعلين السياحيين أن الترحال يدر دخلا جيدا بجعل ثقافته عامل استقطاب سياحي، فأثثوا أماكن فوق رمال مرزوكة لتكون شاهدة على نوعية الحياة التي سلكها الرحل وملاذا للسياحة الثقافية والحضارية.

الحمامات الرملية في مرزوكة لا تزال شاهدة على هذه الروح الثقافية والحضارية، لكن تراجعت وتيرة الإقبال عليها في الصيف الماضي.

وتأتي حسرة الفاعلين السياحيين من كون رمال مرزوكة تجاوزت شهرتها الآفاق، بفعل التداول القوي لدورها في شفاء العديد من الأمراض الجلدية، وانتشار حكايات سياح زاروها واعتبروا أن الحمام الرملي الذي استفادوا منه كان العامل الأساسي في شفائهم.

ورغم أن الأمر يدعو إلى القلق فإن الفاعلين السياحيين يرحبون بكل من أطل عليهم قادما من المدن المغربية، أملا في تعويض مادي للخسائر التي تكبدها هذا النوع من النشاط السياحي.

الغطس في الرمال سياحة ودواء
الغطس في الرمال سياحة ودواء

 

16