مرشدون روحيون مسلمون في السجون الألمانية

تجربة نوعية وذات جدوى كبيرة، هي تلك التي أوجدتها السلطات الألمانية داخل السجون، وهي “المرشدون الروحيون” الذين يتولّون السجناء المسلمين بالرعاية والنصح والتوجيه نحو القيم الأخلاقية، حماية لهم وللمجتمع من خطر الوقوع في التطرف، بسبب ردات فعل مغلوطة إزاء ظواهر التفرقة وغيرها.
الاثنين 2016/11/14
السلطات الألمانية تتنبه إلى المشكلات التي يتعرض لها المسلمون داخل أراضيها وسجونها

برلين – السجن مصير المقبوض عليهم من المتورطين في عمليات إرهابية أو حتى غيرها من الجرائم الجنائية، لكنه قد يمثّل وفي الآن نفسه، مفرخة للتطرف وصناعة الإرهاب بسبب عدوى التأثيرات التي تطال السجين بواسطة “نزلاء خطيرين” يقبعون معه في السجن نفسه، دون أن ننسى الاستعداد النفسي للانزلاق نحو التطرف، وذلك بسبب الإحساس بالذنب أو معاناة السجين من التفرقة العنصرية وما يتعلق بذلك من ردّات فعل قد تؤدّي إلى التطرف، لذلك حرصت الحكومة الألمانية على وجود مرشدين روحيين متخصصين من المسلمين، يعملون على رعاية سجناء ينتمون إلى نفس ديانتهم، بقصد حمايتهم من التطرف، والفهم العنيف والخاطئ للتدين.

وعن طبيعة هذا العمل، ونوعية المساجين، يقول المرشد الروحي مصطفى جيمشت، إنّ هناك طيفا واسعا وتنوعا كبيرا في هذا الخصوص؛ فكل قصة لا تشبه الأخرى، فمن بين السجناء مدمنو مخدرات أو طلاب رغبوا في الاقتراب من الإسلام بشكل أكبر ولكنهم وقعوا في أياد إجرامية متطرفة، كما أنّ البعض الآخر كانت لديه مشكلات عائلية.

البيئات التي قدم منها السجناء، والأسباب التي أوصلتهم إلى هذا المصير كثيرة ومتنوعة؛ فمن السجناء، وبحسب ما تحدث به جيمشت المتخصص في الشؤون الدينية الإسلامية والمرشد الروحي في العديد من سجون ولاية هسن الألمانية، من فقد عائلته وبدأ بالبحث عن علاقات أخرى، وقاده هذا الأمر إلى السكن مع متطرفين.

وتحدث جيمشت، عمّن تعرّض للتمييز من السجناء، وانتهى به المطاف في رحلة بحثه عن التوازن النفسي بالسقوط في براثن المتطرفين. وهناك سجين آخر دفع به أصدقاؤه إلى الضلال وقادوه نحو التطرف.

يمكننا القول، بشكل عام، إنه عندما لا يجد الباحث عن معنى الحياة أجوبة معتدلة ومسؤولة لتساؤلاته، فقد يقع بسهولة في براثن التطرف.

التقارير الألمانية الصادرة من السجون تفيد بأنّ هناك تباينا كبيرا في جرائم المساجين المسلمين؛ فالبعض ارتكب جرائم مرتبطة بالمخدرات، في حين أراد آخرون الانضمام إلى “الدولة الإسلامية” أو التحقوا بها فعلا، وبعضهم عاد من مناطق النزاعات والحروب في منطقة الشرق الأوسط

وبخصوص السجناء، الذين أرادوا الانضمام أو انضموا فعلا إلى الدولة الإسلامية، يقول أحد المرشدين الروحيين إنه يناقش معهم الكثير من المسائل، مثل السؤال عن معنى توجههم لأعمال العنف، عوض الممارسة الدينية المسالمة، وكيفية التعامل وما يجب أن يردّ عليه المرء عند تعرضه لمشاعر الظلم، حيث لا يتعيّن الردّ على الظلم بالظلم، “وقد تقود مثل هذه المسائل إلى نقاشات دينية عميقة” كما قال المرشد الروحي مصطفى جيمشت.

ويضيف بأنه قد يتوجب عليه أحيانا أن يقوم ببحث مرجعي ليتمكن من تقديم إجابات مناسبة عندما تتمّ إثارة نقاشات أخرى حول معاني البعض من الآيات القرآنية أو الشروحات الفقهية، فيكون اللقاء أقرب إلى درس ديني.

يؤكد المتخصصون التربويون والنفسانيون، أنّ عمل المرشد الروحي في السجن يتطلب درجة كبيرة من الحذر، وينبغي من حيث المبدأ الوصول إلى الأشخاص المناسبين، فإذا دخل أحدهم في مواجهة مباشرة وقال للسجناء إن ما يقولونه يعبر عن تطرف، فلن يعود ذلك بفائدة كبيرة.

وفي هذا الصدد يقول المرشد جيمشيت “الحوار ينشأ عندما أقبل في البداية وجهة نظر محاوري ثم أسأله كيف توصّل إلى وجهة نظره تلك، وفي النهاية أواجهه بحججي. غير أن هذا لا يعني أني استطعت إقناعه، لأن الوصول إلى تلك المرحلة يتطلب نقاشات كثيرة ولفترة زمنية طويلة”.

ويؤكد المرشد الروحي للسجن الألماني أنّ قسما من السجناء يقتنع بتفسيره وشروحاته للقرآن بعد توخي طريقة الحوار الهادئ والمقنع، ومخاطبة الجانبين العقلي والوجداني فيه، فـ”عندما أكون صادقا وأظهر للطرف الآخر تقواي وآخذه على محمل الجدّ وأشاركه في ما يعتريه من قلق، عندها فقط يأخذني محاوري بدوره على محمل الجدّ، ومن ثمّ ننطلق في النقاش”.

ويتابع “ثم يأخذنا النقاش بعد ذلك إلى التركيز على الحديث عن الأمر الذي يجعل الإيمان حقيقة يعيشها جميع البشر، وليس ما يعيشه فرد واحد فقط، مثلي أو مثله”.

ويركز الخبراء والمرشدون الروحيون على فكرة مفادها أن يقتنع السجين بأنه يمكن الوصول إلى قلوب الآخرين بوسائل سلمية، وليس عن طريق العنف، وأنه ينبغي على المرء أن يأمل في أن يلتقط الآخرون تلك الأفكار ويتقبلوها.

ويطالب العدد المحدود من المرشدين المسلمين في ألمانيا بتوظيف عدد أكبر من المتخصصين في هذا الإطار، كما ينبهون إلى ضرورة التمييز من حيث التخصص حول ما إذا كان بعضهم مرشدين روحيين، أم مجرّد عاملين في قطاع الرعاية.

13