مرضى إيرانيون يئنّون في رحلة البحث عن الأدوية المفقودة

الصيدليات تواصل بيع الأدوية بأسعار السوق السوداء للمرضى الذين يرزحون أصلا تحت تراجع قيمة العملة المحلية.
الأربعاء 2020/02/26
إرجع غدا

طهران - في التاسعة والأربعين يبدو مريض السكّري الإيراني برويز صادقي وكأنه في السبعين من العمر إذ تحيط تجاعيد عميقة بعينيه الزرقاوين بينما تشهد عظام وجهه البارزة على ضيق ذات اليد في ظل أزمة صحية تزداد حدّة.

بعد انتظار لست ساعات يشعر بالارتياح رغم ظهور علامات الإرهاق عليه لدى خروجه من صيدلية في العاصمة طهران وهو يحمل الأنسولين، الذي بات بين الأساسيات التي يزداد الحصول عليها صعوبة جرّاء تداعيات العقوبات الأميركية.

وقال العامل السابق الذي يعيش في كراج، على بعد ساعة غرب العاصمة، “أعاني من مرض السكري منذ نحو 10 سنوات. في السابق، كنت أذهب إلى أيّ صيدلية وأحصل على الأنسولين، لكن بات عليّ الآن التوجّه إلى ألف مكان” من أجل ذلك، وقد يقضي المريض أسبوعا في الانتقال من مستوصف إلى آخر.

ويعاني الإيرانيون من قلّة الأدوية حتى من قبل ظهور فايروس كورونا المستجد  وانتشاره.

وضع لا يطاق
وضع لا يطاق

وبدأ النقص في المعدات الطبية بعدما انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي التاريخي وأعادت فرض عقوبات على إيران في 2018.

واستثنت واشنطن السلع الإنسانية، خصوصا الأدوية والمعدات الطبية من إجراءاتها العقابية، لكن عمليات الشراء الدولية لهذا النوع من المعدات تعطّلت جراء تخوّف المصارف من إجراء أيّ تعاملات تجارية مع إيران خشية تعرّضها هي كذلك لعقوبات.

وزاد ذلك من شح الأدوية وتسبب في رفع الأسعار بشكل كبير، على وقع تراجع قيمة الريال.

وقال صادقي “كنت أجلب الأنسولين قبل نحو ثلاث سنوات مقابل 17 ألف تومان (1.10 دولار أو يورو واحد)، وبات الآن بـ50500 تومان، وسعره يرتفع أكثر فأكثر”.

وأضاف “التأمين يغطيه، لذلك ذهبت إلى ألف مكان منذ السبت الماضي للحصول على موافقة لشرائه. وافقوا في النهاية، لكن الأمر استغرق وقتا طويلا وعليّ التوجّه إلى أماكن كثيرة”.

ويستعير صادقي الأنسولين من مرضى آخرين خلال فترات الشح فقط ليتمكن من البقاء حيا. ويواجه صعوبات في العثور على صيدليات توفر إبرا مع الحقن، وقال، “بدأوا بإجبارنا مؤخرا على الدفع من أجل الإبرة”.

شح في الأدوية
شح في الأدوية 

وأقر المتحدث باسم وزارة الصحة كيانوش جهانبور بأن البلد يواجه صعوبات منذ عام في استيراد “أدوية للأمراض النادرة والخاصة”. وفي قلب طهران تبدو صيدلية “13 أبان” الحكومية أشبه بخلية نحل إذ تجذب حشودا من المرضى يوميا ممن يصطفون بصبر لساعات بينما تخزّن وتدعم أدوية الأمراض النادرة. وتتعامل “13 أبان” وعدد آخر من الصيدليات في طهران مع شركة التأمين الحكومية.

ويحمّل محمد أمينيان (73 عاما) الذي يحتاج إلى الأنسولين من أجل زوجته التي تعاني من مرض السكري العقوبات مسؤولية عدم تمكنّه من تأمين الدواء.

وقال “تحاول الحكومة تحسين الأمور رغم أنها تخلق بعض المشكلات من طرفها،  نفضّل لو أنهم تفاوضوا” مع الولايات المتحدة. ولا يتردد صادقي في توجيه اللوم إلى الحكومة مباشرة حيث يقول “إنها بالتأكيد الحكومة. لا يملكون القدرة على إدارة الأمور. البعض لا يملكون تأمينا، عليهم شراء الأدوية بأسعار مرتفعة”، مضيفا “عليهم إما أن يموتوا (…) أو يدفعوا”.

وأفاد نائب مدير الصيدليات المرتبطة بجامعة طهران للعلوم الطبية محمد رضائي أن “الأنسولين بين الأدوية الرئيسية المتأثرة (…) وتنخفض مخزوناتنا منه إلى جانب أدوية أخرى مع الوقت”.

وإضافة إلى مرضى السكري، كان الأكثر تأثراً هم مرضى السرطان وأولئك الذين كانوا يعانون من الثلاسيميا، وهو مرض جيني في الدم منتشر في البلاد.

وتوفيت مؤخرا امرأة تعاني من انحلال البشرة الفقاعي، وهي مجموعة من الاضطرابات الوراثية التي تتسبب ببثور في الجلد والأغشية المخاطية جرّاء نقص الضمادات الخاصة.

وتشير شهرزاد شهباني، التي تملك صيدلية خاصة في العاصمة، إلى مشكلة خطيرة أخرى تتمثل في أدوية الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية. وقالت “لا يمكن لمريض يحمل وصفة بمئتي حبة مثلا الحصول على مئة أو حتى 20 (…) بات الأمر يتكرر أكثر”.

البلاد تعاني صعوبات في استيراد “أدوية للأمراض النادرة والخاصة”
البلاد تعاني صعوبات في استيراد “أدوية للأمراض النادرة والخاصة” 

ومن بين الأدوية الأخرى غير المتوفرة بشكل كاف نجد “ديباكين”، وهو دواء تصنّعه شركة “سانوفي” الفرنسية ويستخدمه مرضى الصرع.

ومن بين هؤلاء الجندي الخمسيني السابق محمد الذي شارك في الحرب الإيرانية العراقية. ويعاني محمد كذلك من اضطراب ما بعد الصدمة. ويستخدم أدوية محلية الصنع لاضطراب ما بعد الصدمة يقول إنها “تتسبب أحيانا بمشاكل في المعدة وحرقة. ولا يهدئ حتى بشكل كاف. إذا شعرت بالتوتر، فقد يعمل (الدواء المحلي) بشكل أقل بكثير من الآخر”.

وأيّدت شهباني هذا الرأي بقولها “للأسف، الجودة مشكلة حقيقية. إنه أمر لا يمكن التحدّث عنه على الصعيد الرسمي”. وأضافت “هناك فرق في النوعية حتى بين شركة وأخرى، إذ أن التركيبات متباينة”.

وأفادت شهباني، أن الأشخاص الذين يعانون من باركنسون يهرّبون أحيانا الأدوية الأجنبية عبر تركيا، للحصول على نوعية أفضل.

ويبدو أن قناة مالية جديدة أقامتها سويسرا لتسهيل تجارة المواد الإنسانية مع إيران لم تحقق فرقا كبيرا على الأرض. وفي هذه الأثناء، تواصل بعض الصيدليات البيع بأسعار السوق السوداء الباهظة للإيرانيين الذين يرزحون أصلا تحت وطأة الركود وتراجع قيمة العملة المحلية.

20