مركزية الضحية

الجمعة 2015/08/14

يعود تداول مصطلح مركزيّة الضحيّة إلى أدبيات ما بعد الحداثة بوصفه يعكس واحدة من المركزيتين اللتين تحافظ بهما ما بعد الحداثة على حضورها، الأولى هي مركزية ذاتها القائمة على التفكيك الدائم واللاتعيين المفاهيمي (السرد المضاد)، والثانية مرتبطة بمركزيّة الضحية، والتي تشير إلى ضحايا الحرب العالمية الثانية والحروب الأهلية في بعض دول أوروبا بعد تلك الحرب، بوصف هذه المركزيّة تابو لا يمكن أن تخضع للتشكيك أو التفكيك، وذلك بسبب الصدمة التي أصيبت بها أوروبا بعد الحرب والتي تتلخص في مفهوم هو “أن إنسانا أوروبيا أبيض يقتل إنسانا أوربيا أبيض آخر” ما جعل هذه المركزيّة تتحول إلى نوع من التعصب.

ويزداد هذا التعصب يوميا في البلدان الأوروبيّة وخصوصا التي شهدت أعمالا إرهابيّة، وذلك خوفا من تكريس صورة الإنسان الأوروبي بوصفه ضحيّة سواء لأوروبي آخر يماثله أو لمتعصب من نوع ما (دينيا أو عرقيا..)، لتتحول الصورة إلى نزعة مركزيّة متعالية تنتهي بتكريس الضحية بوصفها كائنا مقدسا محكوما بالتعاطف أو العناية الفائقة بصورة تجرّده من إنسانيته وتحوّله إلى أيقونة لا تمسّ.

إلا أن هذه النزعة لتكريس صورة الضحية تتمّ مواجهتها من ناحية أخرى ألا وهي الرواية، بوصفها إعادة إنتاج للتاريخ خارج خطاب السلطة، وخصوصا أن تاريخ الضحيّة مسيطر عليه من قبل خطاب القوة المتمثل في السلطة بأنواعها المختلفة ومؤسساتها.

وفي حالة أوروبا انحازت هذه السلطة نحو الضحية بصورة حوّلتها إلى أيقونة غير قابلة للنقاش وتم توظيفها في نواحٍ سياسية ودولية مجرّدة إياها من الناحية الإنسانية، في حين أن المحاولات الروائية تسعى إلى إنتاج تمثيلات للضحية بصورة مختلفة وأكثر إنسانية وذلك لتجريدها من جمودها الأيقوني الذي كرّسه التاريخ الرسمي، بوصف الضحية محرّمة الذِكر ومجرّدة من أيّ بُعد آخر سوى وضعية المهزوم، ما يجعل مظلوميتها ثمنا على الجميع دفعه حتى الضحية نفسها.

هذا الأمر ينسحب على ما تمرّ به المنطقة العربية من ثورات وضحايا نتيجة الأنظمة القمعية، فالرواية العربية حاليا قاربت الموضوع في محاولة لإبراز صوت الضحية عبر النصوص التي أُنتجت والتي تتحدث عن يوميات الثورات وحوادث وقصص يومية تجعل الشعب الثائر يتحول من صورة “ضحيّة مشلولة لآلة قمعية” إلى أداة فاعلة في التغيير ولو على مستوى بسيط، كما دخل وسيط جديد وهو الصورة الفوتوغرافية، صحيح أن صُور الموت ووحشية أنظمة القمع مُنتشرة، إلا أن هناك صورا أخرى أكثر حيويّة أو بصورة أدق أكثر ابتعادا عن منطق (القاتل والضحية) إذ نراها تحوي أشخاصا برغم ما يعيشونه من موت يعيدون إنتاج حكاياتهم بعيدا عن التنميط، في سبيل كسر هذه المركزيّة التي تخلقها وسائل الإعلام ولو بدون دراية، كصور لمقاتلين يسبحون في يوم حارّ، أو أطفال برغم الموت من حولهم يلعبون ألعابا صبيانية، هذا النوع من الصور “الآن” يمتلك قدرة على تفكيك المظلومية النمطية التي ستوضع ضمنها الضحية “لاحقا” في التاريخ الرسمي -أيا كان الطرف الذي سيقوم بالتدوين-، بحيث تكون أكثر انفتاحا ولا يتمّ تكريسها كصيغة أيقونيّة جامدة.

هذه الصور الفوتوغرافية ستُمثل مع الزمن خطابا يتجاوز مركزيّة الخطاب الرسمي بأنواعه، وهذا ما نراه، وما يتداوله نشطاء وصحفيّون لصور من النوع السابق ذكره لا تدخل دائما ضمن المؤسسة الإعلامية، بحيث تُشكل وضعيات جديدة للضحية ستتحوّل “لاحقا” لخطاب آخر يجابه خطاب القوة والاحتكار (سواء إعلاميا أو غيره)، ما يكسر مركزية الضحية الأسطورية ويجعلها تنتصر لنفسها، فلا يكون دورها فقط هو استثارة الشفقة أو خلق التعصب، بل هي حيّة، واعية وفاعلة، بعيدة عن الشلل المرتبط بالضحية والمتعلق بتساؤل الحياة أو الموت.

كاتب سوري مقيم في باريس

14