مركز بدفء بيت عائلي للعلاج من جحيم الإدمان في فاس

الخميس 2017/11/16
حماية الشباب من الضياع مهمة الجميع

فاس (المغرب) - بعد عبور طويل ومؤلم للصحراء، يبدو أن بصيص أمل يلوح أمامهم، هم نزلاء مركز طب الإدمان بفاس، الذي افتتح عام 2015 من أجل مساعدة هذه الفئة على الانعتاق من جحيم الإدمان.

من مدخل المبنى الجميل المطلي بألوان بهيجة، يظهر أنه تم العمل على توفير كل ما من شأنه أن يشجع المدمن على ولوج المكان.

وعلى الرغم من أنه شيّد داخل مستشفى ابن الحسن للطب النفسي، فإن المركز الذي أصبح في ظرف وجيز مرجعا فعليا، يعدّ بالأحرى بنية للدعم الاجتماعي، وفضاء للعيش حيث يتم تقديم الرعاية من أجل المساعدة على الاقتناع بمبدأ الامتناع والإقلاع عن تعاطيها، في سياق عملية مواكبة المدمنين، وخاصة أولئك المتأثرين بتناول الكحول والمواد ذات التأثير النفسي.

بطاقة استيعابية تبلغ 18 سريرا، يعطي مركز طب الإدمان بفاس الانطباع بالتواجد في منزل عائلي كبير، إضافة إلى توفر ملعب رياضي، وقاعات للياقة البدنية، وفضاءات تربوية ومتعددة الوسائط، وصالون مغربي فسيح وحديقة داخلية.

وإن كان القيمون على المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني، الذي ينتمي إليه مركز طب الإدمان، يوضحون أن هذه المؤسسة تطمح إلى أن تصبح مرجعا في مجال الرعاية، فإن ذلك قائم خصوصا بفضل مسار هذه الرعاية التي يؤمنها فريق من المتخصصين.

طرق الرعاية الطبية للمدمن تختلف حسب الحالات، وأيضا تبعا لظروف تعاطي المخدرات والبيئة المحيطة

قالت إيمان توفيق، عالمة النفس الإكلينيكي بمركز طب الإدمان، والمتخصصة في العلاج المعرفي السلوكي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إنه عند وصول المريض إلى المركز، يستقبل من طرف طبيب نفسي لإجراء مقابلة أولية، يليها اجتماع للجنة تضم مختلف التخصصات بالمركز لاتخاذ قرار بشأن احتمال قبول ولوجه.

وتوضح المعالجة النفسية، التي بدت منبسطة الأسارير بشكل يترك تأثيرا على نفسية مخاطبها، أن طرق الرعاية الطبية تختلف حسب الحالات، وأيضا تبعا لظروف تناول المخدرات، والبيئة المحيطة، والوضعية الشخصية وعوامل الخطر.

وعند توفر هذه المعطيات مجتمعة، يتمّ وضع مسودة مطابقة لكل حالة، إلا أن العلاج يمرّ عموما بخطوتين رئيسيتين: تناول الأدوية في إطار العلاج النفسي، وعقد جلسات العلاج النفسي.

وهكذا يبدأ اليوم داخل المركز بجلسة استرخاء، تليها جلسة أخرى مع الطبيب النفسي لتقييم نتيجة الإقلاع لدى المريض، ثم جلسات العلاج النفسي.

وموازاة مع مسار الرعاية، يتتبع المريض برنامجا كاملا من الأنشطة الترفيهية والفنية والثقافية لمساعدته على تنشيط دماغه وتأثيث يومه.

ويحرص مسؤولو المركز على إتاحة كافة الفرص للمريض؛ ألعاب في رياضات تنس الطاولة وكرة القدم وكرة السلة والرسم والقراءة واستعمال الكمبيوتر في قاعة الوسائط المتعددة، والقيام بتمارين اللياقة البدنية في قاعة الألعاب الرياضية أو الجلوس في الصالون المغربي الفسيح لمتابعة البرامج المفضلة، خاصة مباريات كرة القدم.

فريق من المتخصصين يؤمن الرعاية الصحية والنفسية

بفخر، يؤكد منير الجعفري، الطبيب المقيم بمستشفى ابن الحسن، “نبذل كل الجهود من أجل مساعدة المريض على استعادة حياته الطبيعية وتبني السلوك السليم عند خروجه من المركز″.

ويوضح أنه “بالإضافة إلى إمكانية الاستشفاء التي يقدمها المركز، نعالج جميع أنواع الإدمان؛ القنب الهندي والكحول والمخدرات الصلبة والإكستاسي والمورفين وكذلك الإدمان السلوكي الذي لا يرتبط بمواد سامة”. وفي الحالات التي يتضاعف فيها الإدمان بمرض نفسي، فإنه يتم تأمين التكفل بالعلاج بالنسبة إلى الإدمان وبالمرض النفسي أيضا.

ويؤكد الجعفري أن النتائج “مشجعة”، مبرزا أن المركز يتلقى عددا كبيرا من الطلبات من علماء النفس وأخصائيي الإدمان والعاملين في مجال الصحة العامة بالنسبة إلى المرضى الذين لا يتوصلون إلى الإقلاع عن الإدمان رغم المساعدة الطبية.

ومع ذلك، يظل الطبيب حذرا، معتبرا أن التتبع من لدن الأسرة على وجه الخصوص، يعد عنصرا حاسما في تحقيق النتائج المرجوة.

وبعد فترة الاستشفاء، التي تستغرق شهرا واحدا على الأقل، لا يترك معظم المرضى الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة والذين ينتمون إلى مختلف الفئات الاجتماعية لحالهم، إذ يواصل الأخصائيون بالمركز متابعة منتظمة تقريبا لكل مريض من المرضى الذين بإمكانهم حتى المشاركة في إحدى جلسات “البوح” التي تعقد كل يوم جمعة.

وفي كل الحالات، فإن المرضى الذين التقت بهم وكالة المغرب العربي للأنباء يستوعبون جميعا أهمية الفرصة التي يقدمها لهم المركز، ويبدون عازمين على طي صفحة الإدمان.

وتحت العين النبيهة لآسيا رزوق، الممرضة الرئيسية بالمركز، ولكنها أيضا الأخت الكبيرة للشبان الأصغر سنا، يبسط عدد من المرضى على الورق مشاعرهم وحياتهم وآمالهم، في إطار ورشة عمل للتعبير الفني.

ويسر أحد هؤلاء بالقول، “أبدا، لن أكرر ارتكاب نفس الأخطاء في حياتي”، حاكيا أنه جرب تناول مختلف أنواع المخدرات، قبل أن يلج المركز. ويبرهن هذا الشاب الذي لم تتجاوز سنه العشرين سنة، عن نضج مدهش بالنظر إلى عمره. ويبدو جليا أن المصاعب التي اعترضته في حياته صقلت شخصيته، وأنضجت تفكيره.

ويتمثل أمله في “رؤية أي شخص يعاني من الإدمان يغادر فضاء المركز، وهو متعلم كيف يقاوم الإغراء ليبدأ حياة جديدة”.

وبالنسبة إلى المعالجة النفسية إيمان توفيق، فإن عمل مركز طب الإدمان يبعث الأمل في نفس المدمن، مشيرة في هذا الصدد إلى حالات بعض المرضى الذين عولجوا داخله والذين يعودون كي يشاركوا مع علماء النفس في إدارة جلسات “البوح”.

إنها الرغبة ذاتها لمريض شاب آخر، مرح وفصيح، يقول إنه يتطلع بفارغ الصبر إلى اليوم الذي سيطوي فيه نهائيا صفحة الإدمان، حيث سيبدأ حياة جديدة. إن أول شيء يود أن يفعله بعد ذلك هو العودة إلى المركز كي يشجع المرضى الآخرين على المثابرة، ويبرهن لهم بأن “الأوان لم يفت أبدا كي يصبح المرء كما كان يجب أن يكون”.

20