مركز سيسامي في الأردن: للعلم حسابات مختلفة عن السياسة

بقدر ما تكبر كرة الصراعات في العالم تكبر معها التحديات المشتركة، وبالتوازي مع الحروب المدمّرة تواجه البشرية أخطارا أخرى أكثر تهديدا، تفرض تجاوز خلافات السياسة وتعقيداتها والجلوس على طاولة واحدة لبحث حلول لها. يمكن لهذا الأمر أن يتحقق من خلال العلم. تساعد دبلوماسية العلوم البلدان في إيجاد حل للتحديات على أرض الواقع من خلال طرق جديدة تستوعب تحديات المرحلة الراهنة والمراحل القديمة وتتعامل معها من منطلق موضوعي علمي، وفي هذا الإطار يتنزل مشروع مركز سيسامي الذي تم افتتاحه في الأردن، وفيه يجتمع الأصدقاء والأعداء ضمن غاية واحدة هي دفع عجلة التقدم والنهوض بالأبحاث العلمية في مجالات الطب والصيدلة والفيزياء بما فيه صالح للبشرية.
الأربعاء 2017/05/17
ديبلوماسية سياسة وعلمية من أجل خير المنطقة

عمان - افتتح العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، الثلاثاء، مركزا علميا بحثيا يجمع علماء من مختلف دول الشرق الأوسط، ويجمع أيضا خصوما وأعداء منذ فترة طويلة مثل إسرائيل وإيران وتركيا وقبرص.

يعتبر المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبية وتطبيقاتها في الشرق الأوسط، والمعروف اختصارا باسم سيسامي، أول مركز أبحاث عالمي من نوعه في المنطقة. ويقع في منطقة علان بمحافظة البلقاء (35 كلم شمال غرب عمّان).

من شأن مركز سيسامي، وهو مسارع ضوئي من الجيل الثالث، أن يساهم في دفع عجلة التقدّم والنهوض بالأبحاث العلمية في مجالات الطب والصيدلة والفيزياء والكيمياء والأحياء وعلوم المواد وغيرها. ويضم ثلاثة مسارعات نووية يتم فيها تسريع الإلكترونات إلى طاقة 2.5 بليون إلكترون فولت، حيت ينتج عنها ضوء شديد الكثافة هو ضوء السنكروترون.

تم خلال الافتتاح عرض فيلم قصير عن مركز سيسامي يبيّن آلية تحويل الطاقة إلى ضوء سنكروترون من خلال تسريع الإلكترونات إلى سرعة تقترب من سرعة الضوء واستخداماتها.

أوضح الفيلم أهمية المركز “كمنشأة علمية لتبادل الأبحاث بين العلماء في عدد من المجالات وفي تعزيز العلوم في المنطقة”.

وجاء اختيار الأردن لاستضافة مركز سيسامي من بين خمس دول تقدّمت لذلك وبدأ بناؤه عام 2003 بعد توقيع اتفاق الانضمام للمركز مع بقية الدول الأعضاء بالمركز تحت مظلة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو).

وتتجاوز كلفة بناء المركز 100 مليون دولار أمّنت الدول الأعضاء الجزء الأكبر منه إضافة إلى دعم أوروبي.

ودعا خالد طوقان، مدير عام المركز رئيس هيئة الطاقة الذرية الأردنية، إلى تأمين الدعم المالي للمشروع، مشيرا إلى أنه “مع استكمال المشروع يبدأ الآن تحدي بناء مجتمع من الباحثين والمستخدمين (…)”. وكان الأردن خصص قطعة أرض لإقامة المركز عليها، كما تكفّل بتشييد المبنى، إلى جانب تقديم مساهمات مالية لبناء المسارعات تجاوزت الـ10ملايين دولار.

فن إدارة العلاقات

لم توضح عمان من قبل أن إسرائيل وإيران تشاركان بالمشروع الذي قد يواجه معارضة شعبية بسبب مشاركة إسرائيل التي يراها أغلب الأردنيين عدوّا رغم توقيع بلدهم معاهدة سلام معها عام 1994. كما يشعر أغلب الأردنيين بالامتعاض تجاه إيران خصوصا لمواقفها في العراق وسوريا، فيما تشكل إيران عدوّا لإسرائيل ناهيك عن الخلاف بين قبرص وتركيا التي تحتل ثلث الجزيرة.

دبلوماسية العلوم يمكن أن تساعد في بناء السلام في الشرق الأوسط من خلال طرق لم يتم الاهتمام بها

مع ذلك، يحمل العلماء وجهة نظر مختلفة ومجرّدة من كل الخلفيات السياسية والأيديولوجية والتاريخية، ويعتبرون المركز ضمن مجال جديد من العمل الدبلوماسي يطلق عليه “دبلوماسية العلوم”. ويعرف هذا المجال الناعم بأنه استخدام التعاون العلمي بين الأمم لمعالجة المشاكل المشتركة وبناء شراكات دولية بناءة.

ويقول وليد محمود عبدالناصر، مندوب مصر الدائم لدى المقر الأوروبي للأمم المتحدة، إن “دبلوماسية العلوم تسعى إلى توظيف تطورات نظم التعليم ومناهجه وأحدث نتائج البحث العلمي ومعطيات أنشطة التطوير التكنولوجي خارج حدودها بما يخدم المصالح الاستراتيجية والتنموية”.

وبتجاوزها للخلافات السياسية والتعقيدات الاستراتيجية وحسابات المصالح، يمكن أن تساعد مراكز، على غرار مركز سيسامي الدول والحكومات في العالم، على إيجاد حل واقعي للتحديات التي يواجهها العالم. ويحمل اختيار الأردن ليكون مقرا لمثل هذا المركز رمزية مستمدة من مكانة الأردن الاستراتيجية باعتبارها رمانة الميزان في منطقة الشرق الأوسط.

ويقول المراقبون إن الدبلوماسية هي فن إدارة العلاقات ومثلما تعمل عمّان على المستوى الدبلوماسية السياسية لتقريب وجهات النظر وإيجاد حلول لأزمات عديدة في المنطقة، يمكن أيضا لدبلوماسية العلوم، ممثّلة في جهود من قبيل مركز سيسامي، أن تضع الأسس لتحسين العلاقات في المنطقة التي غالبا ما يسودها التوتر (إذا لم يكن الصدام المباشر) من خلال التعاون الوظيفي والعلمي الذي هو أقل تسييسا.

ويجمع المركز علماء من عدد من الدول الأعضاء في المركز وهي قبرص ومصر وإيران وإسرائيل والأردن وباكستان وفلسطين وتركيا، إضافة إلى دول مراقبة. وقال البروفيسور السير كريستوفر ليولين سميث، رئيس مجلس إدارة المركز، خلال حفل الافتتاح إن “المركز سيجذب أعدادا كبيرة من العلماء في المنطقة (…) وتلقّى حتى الآن 55 مشروعا بحثيا علميا لاستخدام المسارعات النووية”. وأضاف أن “المركز سيكون فيه أول مسارع في العالم يستمد طاقته من الطاقة الشمسية”.

وينظر ديفيد حجار، أستاذ في علم الكيمياء الحيوية في جامعة كورنيل الأميركية، إلى دبلوماسية العلوم باعتبارها وسيلة يمكن أن تساعد في بناء السلام والأمن في الشرق الأوسط من خلال طرق فريدة لم يتم الاهتمام بها أو التفكير فيها. ويؤكد أن العلوم والتكنولوجيا تتجاوز السياسة والحدود والثقافات، وهي جسر مهم بين الدول خلال فترة من العلاقات المتوترة الجيوسياسية، حيث يمكن أن تركز على إحراز تقدّم في مجالات الصحة والتصدي للأمراض، والأمن الغذائي والمائي وغيرها من التحديات المشتركة.

العلم في مواجهة السياسة

تعتبر الإمارات والأردن من أكثر دول المنطقة اهتماما بهذا النوع من الدبلوماسية الناعمة والمؤثرة والموضوعية. وتعمل الإمارات، مثلا على بناء وتعزيز الشراكات مع الجامعات العلمية الأوروبية والأميركية. وتميّزت الإمارات أساسا بالأبحاث والمشاريع المتعلقة بالطاقة الخضراء، ما جعل العالم يختار العاصمة الإماراتية أبوظبي لتكون مقرا دائما للوكالة الدولية للطاقة المتجددة “أرينا”.

وعبّر الأردن عن اهتمامه بدبلوماسية العلوم منذ سنوات، وكان احتضن في هذا السياق، سنة 2015، ملتقى إقليميا حمل عنوان “دبلوماسية العلوم والتكنولوجيا: نحو شراكات تحويلية شاملة من أجل مستقبل مستدام”. انطلق الملتقى من مفارقة أن العلوم في الإقليم تواجه تحديات كثيرة، أهمها عدم الاعتراف بدورها الأساسي في صنع القرار وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وخلص المشاركون إلى أن دبلوماسية العلم ووضع خارطة طريق لها هو الحل الأمثل لتعزيز دور العلوم والعلماء في الإقليم؛ بغية إيجاد حلول تنموية للتحديات المشتركة وتحسين واقع الشعوب.

على الرغم من وجود خلافات سياسية بين بعض الدول الأعضاء إلا أن المشروع جمع علماء هذه الدول تحت مظلة العلم

واليوم، تتجسد مخرجات هذا الملتقى في المركز الذي افتتحه العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في الوقت الذي كان مستحيلا أن يجتمع فيه مصري وفلسطيني وإيراني على نفس الطاولة مع إسرائيلي، وأن يتباحث قبرصي وتركي في شأن مشترك؛ “هذا ما فعله المشروع العلمي الذي أسقط الحدود الجغرافية وذابت معه كل الفروق والخلافات السياسية؛ ليتحدث الجميع بهدوء وبلغة علمية”، وفق وصف كريس سميث، رئيس مجلس إدارة مشروع مركز سيسامي. وأشار سميث، خلال حفل الافتتاح، إلى أنه من المتوقع أن يجذب المركز أعدادا كبيرة من العلماء في المنطقة، لافتا إلى أنّه تلقى حتى الآن 55 مشروع بحث علمي لاستخدام المسارعات النووية. وأكد أن المركز سيكون فيه أول مسارع في العالم سيستمد طاقته من الطاقة الشمسية.

وتهتم شبكة “سي داف نت” المتخصصة في العلوم بدعم دبلوماسية العلوم وتتبنّى مشاريع تدعو إلى التعاون بين السياسيين والعلماء.

وتنقل الشبكة عن ويليام كولجلازير، مستشار وزير الخارجية الأميركي سابقا للعلوم والتكنولوجيا، أن “السياسي لا يستطيع العمل على حل كل المشكلات بمفرده، ومعظم التوترات التي تشهدها بلدان الإقليم تعود إلى أسباب تنموية يستطيع العلماء إيجاد حلول لها بالتشارك مع السياسيين، إذا أرادوا ذلك”، فإدماج ثقافة دبلوماسية العلوم مهمّة في عملية صنع القرار.

وكمثال على الدور الذي يمكن أن يلعبه العلماء في ترشيد السياسيين أزمة النفايات في لبنان، حيث قال معين حمزة، الأمين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، إذا ما استمع السياسيون إلى آراء العلماء وحلولهم المقدّمة لتجاوزها، كان يمكن تجاوز هذه الأزمة التي بدأت هامشية لكنها تحوّلت إلى خطر بيئي وصحي ثم أزمة سياسية واجتماعية.

وتعتبر الجهود العالمية لمكافحة المناخ مثالا آخر يوضح مدى تأثير دبلوماسية العلوم على السياسة، وذلك من خلال البحوث والتوصيات التي ترفعها اللجنة الدولية للتغيرات المناخية، التابعة للأمم المتحدة، للجهات السياسية المعنية.

في الشرق الأوسط، هناك فرص كثيرة لدبلوماسية العلوم؛ لكن، لا يمكن لهذه الدبلوماسية وحدها أن تساعد على إيجاد حل عملي، نظرا إلى كثرة التحديات، من الطاقة إلى الصحة وما إلى ذلك. والحل هنا، يمكن في الجمع بين موضوعية العلوم وحساسية السياسة.

ويطرح التعاون بين السوفييت والأميركيين خلال الحرب الباردة كمثال على ذلك. ففي الوقت الذي سجلت فيه العلاقة السياسية بين واشنطن وموسكو أعلى درجات التوتر، كان العلماء الروس والأميركيين مجتمعين في المخابر تحت مظلمة المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية.

يقول معين حمزة “إذا ما أحسن السياسيون استغلال ما يصنع في المختبرات ومراكز الأبحاث فإن المشكلات التنموية ستجد طريقها للحل”، وبينما توصد السياسة أبواب التواصل، يبقى العلم بابا مفتوحا للعمل المشترك لمواجهة التحديات المشتركة.

7