مروان حمادة: حزب الله لا يقلق من سليمان لكنه يخاف سعد

دعا النائب اللبناني والوزير السابق مروان حمادة إلى استعادة الشيعة العرب من إيران، مشيرا إلى أن طبيعة النظام اللبناني التعددي الذي يفرز الخلايا المضادة لمنع هيمنة فريق على آخر ستحول دون المد الإيراني، وأسف لما آل إليه الوضع في لبنان (نفايات، فضائح، فساد)، مرجعا سبب هذا الاهتراء إلى أزمة الدولة والدويلة.
الجمعة 2016/04/01
لم أتفهم ولم أتقبل وصولنا إلى ترشيح أسماء من 8 آذار

قد لا يصدّق الجالس مع مروان حمادة أنه أمام شخصية استثنائية في المشهد السياسي اللبناني. دماثة الرجل وثقافته ومعرفته وخبرته ودرايته تنعطف على تواضع الكبار وعلى قدرة على الإنصات لا تتوفّر إلا لدى ذوي الذكاء الحاد.

تجتمع في شخص مروان حمادة خصال ومواهب لعبت دورا محوريا في تاريخ لبنان الحديث. يكفي فقط التذكير بأن الصدام المفصلي الدراماتيكي الحديث مع الوصاية السورية في لبنان، انفجر مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لكن إرهاصاته الأولى كانت مع محاولة اغتيال مروان حمادة قبل أشهر من ذلك.

كان ذلك في أكتوبر من العام 2004. نجا الرجل بأعجوبة، وأطلق عليه اسم “الشهيد الحي”. استهدف الجاني مروان حمادة كما فريقه السياسي بقيادة وليد جنبلاط.

قيل إن الرجل ذهب لاحقا إلى الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله مستطلعا مسؤولية الحزب في ذلك، فنفى السيّد ذلك نفيا قاطعا، وحين سأله ما إذا كان النظام السوري وراء ذلك، رفع السيّد طرف جبته بأصبعيه، بما يعني أنه لا يعرف ولا ينفي.

وفد مروان حمادة إلى عالم السياسة من عالم الصحافة. وبالتالي أطلّ على العمل العام مزودا بذخيرة من علم وفكر ومعرفة. والده محمد دبلوماسي وأخوه علي إعلامي وشقيقته ناديا شاعرة تزوّجت غسان تويني، قامة الصحافة اللبنانية، فيما جبران تويني ابن شقيقته وريث جريدة النهار الذي يعتقد أن من اغتاله في ديسمبر العام 2005 هو نفس الجهة التي حاولت اغتيال مروان حمادة في أكتوبر عام 2004.

أمران موجعان لدى الطائفة الشيعية، عدد الضحايا في سوريا والتدابير المالية الأميركية

يجيد الرجل حرفة الخطابة وإجادة الكلام. في أبجديته هيام باللغة، تلك العربية التي لطالما عبّر بها عن مواقفه وأفكاره وتوجّهات فريقه وحلفائه السياسيين، وتلك الفرنسية التي يجيدها كلغة أمٍّ كتب بها في الصحافة نصوصا صقلت طبيعته كـ”ابن البلد” في فضاءات العالم الكبير المتخصّب داخل لغة موليير.

مآلات ثورة الأرز

تحدثت مع مروان حمادة، وهو النائب الحالي في البرلمان والوزير السابق الذي تولى حقائب وزارية متعددة في تشكيلات وزارية متعددة. كان اللقاء في مكتبه داخل مبنى جريدة النهار في قلب العاصمة بيروت. وفي سوسيولوجيا المكان حكاية تتقاطع فيها المهنة بالعائلة بالمناخ والروحية التي تمثّلها مؤسسة جبران تويني العريقة في تاريخ لبنان.

يخفي مروان حمادة بمهارة مآلات ما انتهت إليه “ثورة الأرز”. كان الرجل واحدا من مؤسسيها ومن المروِّجين لها، لكن ما وصل إليه حال ائتلاف 14 آذار حاليا، لا يتّسق، لا شك، مع الأحلام التي تخيّلها له. تمسّك مروان حمادة بالمعسكر السيادي، رغم أن وليد جنبلاط، الذي يتزعم فريقه السياسي، كان أعلن عقب هجمات حزب الله الشهيرة في 7 أيار (2008) تموضعا جديدا نحو وسطية تفصل بين المعسكرين المتخاصمين. ربما في ذلك التباعد “المؤقت” ما بين الرجلين تباين بين شخصيتين وبين منهجين: جنبلاط لكونه سياسيا مرن المناورة وشديد البراغماتية. حمادة في كونه طوباوي الميول في خياراته، متمسكا بالثوابت التي لا تحتمل اعتبارها قيما نسبية يجوز فيها التحول. يستسلم مروان حمادة لما رآه وليد جنبلاط تقييما لفريق 14 آذار. يقول حمادة “وليد جنبلاط رأى منذ ثلاث أو أربع سنوات أن 14 آذار هو مناخ أكثر مما هو تركيبة أو ائتلاف أو تحالف أحزاب”. ويضيف، هذا المناخ “يعبّر عن رأي عام أكبر وأوسع وأوفى للمبادئ التي كانت أساس ثورة الأرز”.

14 آذار باق كما كان الجوّ الاستقلالي في لبنان عام 1943 وإن انقسم

يسترجع حمادة البدايات ويعتبر أن جزءا من ثورة الناس “كان سببه الاحتجاج على اغتيال أحد قادة لبنان، الرئيس رفيق الحريري، لكنه أيضا احتجاج على اعتماد القتل في السياسة اللبنانية من قبل النظام السوري على مدى عقود”، مضيفا “كان طفح الكيل من الوجود السوري في لبنان الذي أصبح هزيلا عسكريا من جهة، ومثقلا وفضائحيا سياسيا من جهة ثانية، وكانت حقبة (اللواء) رستم غزالة (آخر رئيس لجهاز الاستخبارات السورية أيام الوصاية السورية وقد قتل في سوريا في أبريل من العام الماضي) من أكثر الحقبات خيبة”.

يضع مروان حمادة حال الائتلاف السيادي في سياق تاريخي، يعتبر أن 14 آذار باق كما كان الجوّ الاستقلالي في لبنان عام 1943 وإن انقسم لاحقا، كما كان الجوّ الديمقراطي واختلف لاحقا بين “نهج” و”حلف”. “تحالف 14 آذار هو نهج لبنان التعددي العربي الديمقراطي”، معتبرا أن فلكلورية هذا القيّم هي جزء من التركيبة اللبنانية.

أعرب لي حمادة عن عدم خوفه من العودة إلى الانقسام الإسلامي بسبب البرودة في علاقة “المستقبل” بـ”القوات” (سبب التضعضع داخل 14 آذار). لماذا؟ “لأن سعد الحريري ليس طائفيا أبدا ولديّ ثقة في أن سمير جعجع الذي ذاق طعم التحالف مع المسلمين ما يزال يتذوّق ذلك”.

أسأله هل تتفهم موقف جعجع؟ يجيب سريعا: “لا، لا أتفهم موقفه، كما لم أتفهم ولم أتقبّل وصولنا إلى ترشيح مرشحين من 8 آذار”.

أواجهه بما آلت إليه أمور البلد (نفايات، فضائح، فساد)، يأسف ويحدثني عن الخيبة التي تدفع الشباب للهجرة، ويرجع هذا الاهتراء إلى أزمة الدولة والدويلة.

ويقول “حزب الله يمارس الموبقات من خلال استخدامه للسلاح ونكران القضاء واستخدام المخدرات وتهريب الأموال والإرهاب.. إلخ، وهي موبقات تتجاوز الفساد”.

عصر جديد

أذهب به بعيدا عن لبنان وأسأله عن مآلات المنطقة بعد الاتفاق النووي مع إيران. يرى مروان حمادة أن هناك “مغالاة أميركية في الرهان على الورقة الإيرانية”. ويلاحظ أن الصحافة الغربية، “ورغم ما فعلته إيران بالغرب وبنا، مهتمة برصد حالات الاعتدال والتسامح من خلال تسليط الضوء على عدم تهرّب الفتيات من الالتزام الدقيق بأصول وضع الححاب، أو بتردد الشبان على الجامعات”.

بمعنى آخر واشنطن وطهران كانتا تمنّيان النفس بعصر مشترك جديد في غياب العرب، فهل غيّرت “عاصفة الحزم” ذلك؟، “نعم غيرّت”، يقول لي، “لأنه للمرة الأولى في التاريخ العربي الحديث، خرجت السعودية ومعها بعض دول الخليج من الحذر الدبلوماسي إلى العصف العسكري، وهذا قلما رأيناه في تاريخ المملكة، إلا في أيام عبدالعزيز”. ويتحدث مروان حمادة عن أحوال العواصم العربية الأربع التي قالت إيران إنها سيطرت عليها، وعن تبدّل الأجواء هذه الأيام، وحين يتناول المثال السوري يقول إنه رغم التواجد الحالي لإيران وحزب الله في سوريا، “إلا أننا نلاحظ أن الأمور بين مدّ وجزر”.

يعود مروان حمادة إلى الموضوع اللبناني، ومن مسألة المدّ والجزر، يرى أن مقاومة لبنان للمدّ الإيراني “ناجمة عن طبيعة لبنان. أي أنهم (المتحالفون مع إيران) لو أخذوا الحكومة غدا وانتخبوا رئيسا ونالوا أكثرية في المجلس النيابي، لا يمكنهم تغيير طبيعة النظام اللبناني التعددي الذي يفرز الخلايا المضادة لمنع هيمنة فريق على آخر”. وفي استناد حمادة على تلك المناعة يدعو إلى “الحفاظ على القوى الذاتية الاستقلالية ذات المنطق العروبي، المنفتح، ويدعو إلى استعادة الشيعة من إيران”.

يلاحظ حمادة أنه ورغم وجود منطق عربي لا يهتم لاستعادة الشيعة العرب، إلا أن منطقا عربيا آخر يذكّر بـ”الجذور العربية للشيعة”، وصلابة مواقفهم في مفاصل عربية متعددة في التاريخ الحديث.

الإيرانيون حملوا قضية فلسطين لينتزعوا منا القضية وحملوا ولاية الفقيه لينتزعوا منا الشيعة

يرصد حمادة “تغير الجوّ الشيعي منذ أن برزت الثورة الإيرانية وقدمت نفسها معادية لإسرائيل”، ويقول لم نكن نعلم أن “تغيّر سياسة الشاه سيفيض على كل المنطقة، وأصبح المكوّن الشيعي في خدمة الإمبراطورية الفارسية”. ثم يخرج معادلة تختصر الموفق “حملوا قضية فلسطين لينتزعوا منا القضية، وحملوا ولاية الفقيه لينتزعوا منا الشيعة”.

لا يرى مروان حمادة أن الوقت قد نضج لحوار إيراني سعودي، “فأمر ذلك يحتاج إلى تصحيح التوازنات الدولية”، ويلاحظ “أن هناك غيابا أميركيا وضياعا أوروبيا”. يشاطر مروان حمادة وليد جنبلاط الرأي في مسألة الانسحاب الروسي الذي سألته الرأي عنه قبل أيام “ليس هناك انسحاب حتى الآن”.

ويعترف حمادة بـ”أن التدخل كان قويا وكثيفا”، لكنه يرى أن الانسحاب “هو بمثابة إعلان سياسي لتحاشي استدراج ردود فعل أكبر”. ويشرح “حقق بوتين مهمته دون أن يستفزّ الأميركيين أكثر من اللزوم، بمعنى توسّع النفوذ، ودون أن يستفزّ العرب أكثر من ذلك، بمعنى تعزيز الخطّ الإيراني”، ليضيف أن روسيا “تعرف أنها لا تستطيع أن تذهب أبعد من ذلك لا اقتصاديا ولا سياسيا ولا عسكريا”.

تطورات الملف السوري

لا يغامر مروان في تقييم الموقف السوري الجديد، “لننتظر ما بعد تدمر لنطلق الأحكام”. أسأله، إذا ما كانت المسألة في سوريا متعلّقة بنفوذ روسي، فمن يعترض على هذا النفوذ؟ يوافق على فحوى السؤال ويزيد “حتى القسم الكبير من المعارضة هم الأولاد الطبيعيون لروسيا. أظن ألا أحد يعترض على نفوذ معيِن لروسيا في سوريا وليس نفوذا كاملا ومطلقا”. ويرى حمادة أن الأمور تغيّرت “ومن يعتقد أن العلويين سيحكمون أربعين عاما أخرى بفضل روسيا فهو مخطئ خطأ كبيرا قد يقع فيه بشار ونظامه”.

أناقشه في ظواهر الانفتاح الدولي على إيران مقابل الانغلاق الدولي على حزب الله. يسارع إلى الاستنتاج “العقوبات الأميركية جدّية وموجعة، هناك أمران موجعان لدى الطائفة الشيعية هما عدد الضحايا في سوريا والتدابير المالية” التي اتخذتها الإدارة الأميركية.

دول الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية، انتقلت من مرحلة الحذر الدبلوماسي إلى مرحلة العصف العسكري

يقول إن “حزب الله سيغطى خسائره (في سوريا) بالكلام عن الانتصار في تدمر، علما وأنه ليس انتصارا، هي عملية عسكرية روسية”، ثم يلاحظ أننا “سنرى أن التدابير الخليجية أتت وكأنها تلتقي مع التدابير الأميركية”.

لا يرى حمادة انسحابا قريبا لحزب الله من سوريا، ويستند في رأيه إلى تصريحات نصرالله الذي لم يضع بعد تاريخا للانسحاب من سوريا. أسأله وما لزومية ذلك عسكريا مقارنة بالتدخل الروسي؟ فيجيب، يريد الحزب استمرار التواجد “للمحافظة على أوراقه إلى أن يؤمّن انسحابا كريما ولائقا يحمل بعض المردود”. وبرأيه يعطّل الحزب انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية “لنفس سبب عدم انسحابه من سوريا”.

يحمل حمادة قلما يرسم به على ورقة نظريته “للحزب دفتر أرباح وخسائر. هناك في الشأن اللبناني شيء اسمه السلة. كان الحزب يريد مؤتمرا تأسيسيا لتغيير النظام السياسي، وتمّ إلغاء هذه الفكرة لأن المسيحيين يخافون من ‘السلة’ لأنها تعيد البلد إلى النظام العددي وليس التعددي”.

يكمل حمادة نظريته بأن الحزب، وبعد سقوط خيار المؤتمر التأسيسي، سيدخل في السلة الأوراق الجديدة التي يمكن أن يكسبها من المعركة السورية، لهذا لا يريد رئيسا. لكن كيف يكسبون في سوريا طالما أن الحصاد هناك أصبح روسيا؟ يجيب حمادة “هم يقتاتون من فتات المكاسب الروسية هناك”.

لكن حمادة يذهب أكثر من ذلك في موضوع موقف حزب الله من الرئاسيات. ويقول “لا يريدون رئيسا ليس خوفا من سليمان فرنجية، فهو لا يقلقهم، بل لمنع المجيء المبكر لسعد الحريري رئيسا للحكومة، ويعملون جهدهم لتأخير ذلك”.

لكن في رؤية مروان حمادة وإجادته تأمل الظواهر السياسية ما يجعله متيقظا “سنقاوم ما يحيكونه”. ربما هي تلك المقاومة التي تجعل من هذا “الشهيد الحيّ” فاعلا حيويا بارعا في تجسير الهوات بين اللبنانيين، لا سيما في مشاربهم السياسية الحليفة، كما تجعل لوقع “موّنته” وقعا ودودا يطرب له الجميع.

صحافي وكاتب سياسي لبناني
12