مروان حمادة صحفي كسرت المخابرات السورية جمجمته فرممها الحريري

السبت 2014/07/26
مروان حمادة الشهيد اللبناني الحي يشهد على الجميع

برلين ـ كان يمكن للصحفي والسياسي اللبناني مروان حمادة أن ينضمّ إلى قافلة الشخصيات السياسية التي اغتالها النظام السوري وحزب الله في لبنان، لولا مصادفة نجاته من تفجير سيارة قرب موكبه، ليكون شاهدا على السياسة التي اتبعها الوجود السوري الأمني في لبنان تنفيذا لمشروع الهيمنة الإيرانية على سويسرا الشرق كما يحب أهلها والعرب أن يدعوها.

في أواخر الثلاثينات ولد مروان حمادة في العاصمة بيروت، من عائلة إقطاعية كبيرة قدمت من جبل الأعلى بشمال سوريا، ظهرت منها شخصيات شهيرة ساهمت في صنع تاريخ الدروز وتدخلت في أحداثه، وعيّن أبناؤها في مشيخة العقل، ولد مروان لوالد دبلوماسي شهير هو محمد علي حمادة، وعاش عالم الخمسينات اللبناني الثائر، مسحورا بشخصية كمال جنبلاط الزعيم الذي قاد الرفض والمعارضة اللبنانية وقتها ضدّ حلفائها القدامى لأنهم خرجوا عن الخط الديمقراطي، درس حمادة القانون في جامعة القديس يوسف ثم درس العلوم الاقتصادية، وخاض في الستينات غمار الصحافة في ذروة ازدهارها بلبنان، فبدأ من صحيفة “لو جور” ثم “لوبوان الفرنسية” وصولا إلى النهار العربي والدولي في باريس.


الاقتراب من الخطر


اختير مروان حمادة عضوا في المجلس الدرزي للبحوث والإنماء في العام 1977، وخلال الأعوام الثلاثة التالية كان قد أصبح مديرا عاما ورئيسا لمجلس إدارة مجموعة النهار، وتمكن من خلال موقعه العائلي الحساس حين صاهره غسان تويني من الإشراف على حراك سياسي كان يدور في مبنى النهار، فكان رجالات لبنان يجتمعون في طوابق الجريدة العليا لمناقشة القرارات وحل الأزمات وتداول الأمر.

وكانت الحرب الأهلية تشتدّ، والعلاقات تتمزق، بينما بقيت علاقة مروان حمادة مع كمال جنبلاط ثم مع وليد جنبلاط الذي كان صديقه المقرّب رغم فارق السنوات العشر في العمر بينهما، اغتيل كمال، وورث وليد زعامة الجبل والحركة التقدمية الاشتراكية، وظلّ حمادة وفيا لخطّه الصعب، فتم تعيينه وزيرا للسياحة في بداية الثمانينات من القرن الماضي، ثم وزيرا للاقتصاد الوطني والتجارة، حتى اتفاق الطائف الذي صار بموجبه نائبا عن المقعد الدرزي في جبل لبنان عام 1991 وتمّ اختياره وزيرا للشؤون الاجتماعية ثم وزيرا للصحة العامة.

انتقد حمادة بشدة من يكيل الاتهامات إلى السعودية في قضايا الإرهاب، وخاصة حديث نوري المالكي الذي اعتبر فيه أن السعودية هي من يدعم المتطرفين وتنظيم داعش في الأحداث الأخيرة بالعراق


مع رفيق الحريري


مع تحالف جنبلاط والحريري تشكّل طيف سياسي واضح في لبنان جمع مروان حمادة مع تيار المستقبل، ليكون وزيرا لعدة حقائب متتالية في حكومة الحريري، وبقي مع الحريري حتى أعلن حزبه رفض مشروع التمديد لإميل لحود حين استقال عدد من الوزراء احتجاجا على التمديد.

في خريف عام 2004، تعرّض مروان حمادة لمحاولة اغتيال، وأصيب إصابات بالغة، ولكنه نجا، وباغتيال الحريري وتشكّل تكتّل 14 آذار الرافض للوصاية السورية على لبنان، ونفوذ الأسد ومخابراته وجيشه فيها، عاد مروان حمادة إلى الحكومة مع السنيورة، وفي أثناء هذا كلّه كان حمادة يصنع نطاقه الواسع من العلاقات العربية والغربية، حيث تمكّن من نسج صلات كبيرة من المهاجرين اللبنانيين في المغتربات، وكذلك مع المسؤولين الأوروبيين.


ضد الأسد ونصرالله


لم يتوقف مروان حمادة عن نهجه المعارض للنظام السوري وحزب الله يوما واحدا، وطالب بمحاكمة حسن نصرالله ونزع سلاحه، وكان الوجه المتشدّد في الجبهة الدرزية حين يرخي وليد جنبلاط قبضته في وجه الخصوم، ولطالما تبادلا الأدوار في التصعيد والتهدئة، لكي يكون للدروز في لبنان كلمتهم المؤثرة في كل موازين القوى، وكذلك في مصالح الآخرين، فيجد المتابع أثرا لمروان حمادة في نتائج انتخابات سمير جعجع، ودورا للضغط على ميشيل عون، وتأثيرا مسيحيا أرثوذوكسيا، وحليفا سنيا قويا، ومنذ اللحظة التي استعاد فيها وعيه بعد عمليات جراحية أجريت عليه لإنقاذ جسده وجمجمته، واصل حمادة نقد النظام السوري بكل وسيلة أتيحت له، وحين بدأت الانتفاضة السورية عام 2011، كان حمادة من أوائل المهللين لها ضدّ النظام الذي عانى منه اللبنانيون طويلا وعانى منه هو شخصيا، فكان موقفه حاسما ضدّ حزب الله الذي اعتبر أن سوريا هي فيتنام بالنسبة إليه، وأنه سيغرق في المستنقع السوري وينتهي، بعد تدخل حزب نصرالله في الحرب السورية إلى جانب بشار الأسد.

موقف حمادة محسوم من حسن نصرالله الذي يقول عنه: "نصرالله في تصريحاته يترجم الضيق والتوتّر اللذين يعيشهما نتيجة تدهور قوّاته في سوريا، وتحوّل ما ظنّه دعما حاسما لنظام الأسد إلى حرب استنزاف، فمع الفارق في الجغرافيا يصبح ريف دمشق وجبال القلمون أشبه بفيتنام أو تورا بورا الشرق الأوسط، إن المعركة في سوريا تبدو أكبر من طاقات نصرالله وحزبه"


البعد العربي


حرص حمادة على توطيد العلاقات مع الخليج العربي، وانتقد بشدّة من يكيل الاتهامات إلى السعودية في قضايا الإرهاب، وخاصة حديث رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي اعتبر أن السعودية هي من يدعم المتطرفين وتنظيم داعش في الأحداث الأخيرة بالعراق، وقال حمادة: "إن هذه المواقف لا تمتّ إلى الواقع ولا إلى الحقيقة بصلة، باعتبار السعودية دولة لها تاريخ ناصع ومشرّف في دعم لبنان".


الجرح والعقل


يطيب لكثيرين من مؤيدي النفوذ الإيراني ووكلائه في المنطقة اتهام مروان حمادة بأنه الأكثر ميلا إلى “الجرح” بدلا من “العقل” الذي يميل إليه حليفه الأبرز وليد جنبلاط، مدللين على ذلك بأن حمادة لم ينس جرحه القديم الشخصي من المخابرات السورية وكذلك أحداث أيار في بيروت حين احتل حزب الله المقرات الحزبية وبسط هيمنته على العاصمة ومفاصلها، بينما كان جنبلاط أكثر براغماتية حين تناسى هذا وذهب إلى دمشق وحافظ على علاقته مع ما يصرّ على تسميتها بالمقاومة.

يقول حمادة: "نصرالله في تصريحاته يترجم الضيق والتوتّر اللذين يعيشهما نتيجة تدهور قوّاته في سوريا، وتحوّل ما اعتقده دعما حاسما لنظام الأسد إلى حرب استنزاف، فمع الفارق في الجغرافيا يصبح ريف دمشق وجبال القلمون أشبه بفيتنام أو تورا بورا الشرق الأوسط"، ويضيف حمادة: "إن المعركة في سوريا تبدو أكبر من طاقات نصرالله وحزبه".


الاستعصاء اللبناني


يرى مروان حمادة أن الأوضاع في لبنان ليست منفصلة عما يحدث في الشرق الأوسط، ويعتقد في آخر تصريحاته أن "الأولوية المطلقة هي لانتخاب رئيس جمهورية جديد قبل كلّ شيء آخر، وكلّ حديث عن تعديلات دستورية وانتخابات نيابية هرطقات وهروب إلى الأمام لا أكثر ولا أقلّ".

يعوّل حمادة على المؤثرات الروحية والأهلية لإعادة الدولة إلى لبنان بعد أن خطفتها المحاصصة: "أنا في انتظار ذلك، لا بدّ من تفعيل العمل الحكومي على غير ما هو عليه من محاصصة تخرق الدستور وتعطّل الدولة".

قال حمادة "إن المخابرات السورية هي التي تقف وراء البيانات المشبوهة التي هددت المسيحيين في البقاع لتجييش الأقليات في إطار المشروع المعهود ضد العرب والمسلمين"


ديك على مزبلة


وقد علّق مروان حمادة على خطاب بشار الأسد الذي أدى خلاله اليمين في بيته وليس في مجلس الشعب بالقول "هذا استكمال غير موفق للكوميديا التراجيدية التي بدأها الأسد في الانتخابات المسخ التي أجراها والتي لم تجر إلا في مناطق قليلة ركز فيها على ضاحية بيروت الشرقية وسفارة بلاده المشؤومة"، وقال: "الملفت في قسم اليمين، أنه لم يتم في مجلس الشعب كما جرت العادة في دورات سابقة، ولا ننسى أنها الدورة الثالثة في تمديداته وتجديداته المتتالية"، مشيرا إلى أن "ما حصل مسرحية مبكية في الوقت الذي كانت كل الهواوين تنهمر على دمشق وكانت كل الجبهات مشتعلة، خلافا لما كان عليه الوضع منذ شهر تقريبا"، معتبرا أن "بداية نهاية بشار الأسد التي بدأت فعلا عام 2011 تسارعت الآن في هذه المسرحية الدستورية الفاشلة".

وسخر حمادة من محيط الأسد ومصداقيته مؤكدا أن "خطاب القسم قاله للمرة الأولى عندما توفي والده، والمرة الثانية كانت عندما انفجرت أزمة لبنان واقترف العديد من الجرائم، لا سيما جريمة الرئيس رفيق الحريري، وكانت إيران وروسيا قد بدأتا بدعمه"، ثم أضاف "هذا القسم وهو الثالث، لا معنى دستوريا ولا سياديا ولا قانونيا له، ولا أريد أن أطلق تسمية على الشعب السوري لا تليق به، إنما بشار الأسد الآن هو ومحيطه مجرد ديك على مزبلة".


تهديد المسيحيين


لا يشك ابن الجبل في أن البيانات التي صدرت مؤخرا لتهديد المسيحيين بلبنان مصدرها هو مصدر الديناميت الذي فجّر موكبه والذي قتل الحريري وابن أخت حمادة ذاته جبران تويني في سلسلة الاغتيالات التي لم تتوقف حتى الآن في لبنان، واستهدفت الطبقة السياسية الرفيعة التي يمكن لها أن تؤثر فعلا ليس في مستقبل لبنان فقط ولكن في مستقبل الشرق الأوسط، قال حمادة "إن المخابرات السورية هي التي تقف وراء البيانات المشبوهة التي هددت المسيحيين في البقاع بهدف تجييش الأقليات في إطار المشروع المعهود ضدّ العرب والمسلمين، وحذر من الوقوع في هذه الفخاخ لأن أحرار السنة الحقيقيين هم الذين يقارعون التطرف الشيعي والسني باعتدالهم وعروبتهم وروحهم الديمقراطية".

14