مروان زين خيار الشارع اللبناني لحكومة عسكرية تنقذ البلاد

اسم زين يتردّد منذ اندلاع التظاهرات التي شهدها لبنان في"يوم الغضب الكبير" في أغسطس الماضي، وسرت شائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي ترشّح زين لرئاسة حكومة عسكرية تأخذ على عاتقها مهمة إخراج لبنان من الهوة التي وقع فيها.
السبت 2020/09/19
زين.. من السفارة في الرياض إلى ضبط لبنان

منذ أن شكّل الرئيس السابق لمجلس الوزراء سعدالدين الحريري حكومته الأولى في عهد الرئيس ميشال عون في يناير 2019، واسم مدير عام قوى الأمن الداخلي الأسبق والسفير اللبناني السابق لدى المملكة العربية السعودية اللواء المتقاعد مروان زين يتردّد في كواليس صانعي اللعبة السياسية لتولي منصب وزير الداخلية، وهو الاسم الأكثر ترجيحا لتولي هذه المهمة في الحكومة العتيدة التي يجهد رئيس الوزراء المكلف مصطفى أديب لتشكيلها.

لم يبحث زين يوما عن موقع ولا سعى إلى منصب بل كانت المواقع تبحث عنه وهو الذي أثبتت التجربة التي خاضها في حياته العسكرية عن شخصية قيادية نجحت في إثبات جدارتها بتولي المهمات الصعبة وتفانيه في تنفيذها رغم العوائق الكثيرة التي كانت تهيمن على لبنان. ففي العام 1973 وبعد تخرجه بفترة قليلة من المدرسة الحربية، شارك مع وزير الداخلية السابق العميد مروان شربل في تأسيس سرية مغاوير الدرك وتولى قيادتها، فواجهت في العام نفسه لولادتها أزمة “بنك أوف أميركا” حين اقتحمت مجموعة يسارية مؤلفة من ثلاثة مقاتلين البنك واحتجزوا موظفيه الأميركيين كرهائن، مطالبين بدفع فدية 15 مليون دولار، فتولت السرية بإشراف وزير الداخلية الراحل الشيخ بهيج تقي الدين مهمة اقتحام البنك وتحرير الرهائن، وكانت هذه العملية في سياق التوتر العام الذي هيأ للحرب الأهلية.

سلطة الدولة

كثيرون يرون أن لبنان بحاجة فعلية إلى رجل يحمل مواصفات اللواء زين الصارمة، نتيجة نشــــأته ومســــاره العســــكري، وشخصيته المنفتحة والحوارية أيضا، وهما الصفتان اللتان تضعانه على طاولة الاختيار في مثل هذه الظروف
كثيرون يرون أن لبنان بحاجة فعلية إلى رجل يحمل مواصفات اللواء زين الصارمة، نتيجة نشأته ومساره العسكري، وشخصيته المنفتحة والحوارية أيضا، وهما الصفتان اللتان تضعانه على طاولة الاختيار في مثل هذه الظروف

كان لبنان بدأ يرزح تحت نير الاحتلال الإسرائيلي الذي هدف إلى إخراج قوات منظمة التحرير الفلسطينية منه، أسندت إلى النقيب زين في حينها مهمة قيادة درك مدينة طرابلس، حيث احتشدت قوات ياسر عرفات قبل ترحيلها إلى تونس، فتولى المهمة وسط أقسى وأصعب الظروف الأمنية والسياسية، حيث كان على قائد درك المدينة بسط سلطة “الدولة” وضمان أمن أهلها، فيما الدولة “شبه مفقودة” و”غير فعالة” والحركات “السلفية” تنشط وتسعى لأخذ دورها في الأزقة والأحياء الأكثر فقرا في لبنان، فكانت تلك من أصعب المراحل التي واجهها زين لكنه تخطاها بحكمة وموهبة قيادية فذة، وجنّب قوى الأمن في المدينة الانقسام الذي كانت قد وقعت فيه باقي الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية، رغم “الحروب” المدمرة التي شنتها القوات السورية على الفصائل السلفية بغية فرض سيطرتها وهيمنتها على العاصمة الثانية للبنان.

وبعد نجاح تجربته “الطرابلسية” وجد القيمون على “الأمن السياسي والاجتماعي” أن زين يجب أن يتولى قيادة شرطة بيروت فأسندت إليه المهمة أواسط التسعينات، وظل فيها حتى العام 1998 وكانت أثناءها قوات الوصاية السورية قد تحكّمت بكل المفاصل السياسية والأمنية في البلد، غير أن عودته إلى بيروت ساهمت في تعرّفه أكثر إلى الرئيس الراحل رفيق الحريري وتقرّبه منه، نظرا إلى المسائل اليومية التي على قائد شرطة بيروت أن يتابعها والتي هي على علاقة مباشرة بقاعدة الرئيس الشهيد الشعبية.

وعلى إثر إحالة المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عبدالكريم إبراهيم إلى التقاعد لبلوغه السن القانونية، وجدت المديرية العام نفسها تؤول إلى زين الذي صدر مرسوم ترقيته إلى رتبة لواء وتعيينه مديرا عاما بعد توقيع الرئيس أميل لحود ورئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري على اقتراح وزير الداخلية آنذاك إلياس المرّ بتعيين زين مديرا عاما.

ويكتسب منصب المديرية العام لقوى الأمن الداخلي بعدا سياسيا إضافة إلى بعده الإداري الأمني البحت، فوجد زين نفسه على تماس مع معظم قيادات البلد السياسية الذين كانوا، وعلى جري عادتهم التي لم تتغير، يلتمسون خدمات لأنصارهم، وقف زين في وجه تلك الطلبات التي كانت ترده من دون مسوغ قانوني، ويلبي تلك التي لا يجد فيها إحراجا على صعيد “قيادته”، ولعل هذا زاد في نسبة التقدير التي يحظى بها هذا الرجل الذي كان شعاره الدائم “الدولة أولا“.

حياد الأمن

– الانتقال من الزي العسكري إلى الزي الدبلوماسي رغم التناقض الكامل بينهما، يجعل من زين فرصة للبنان، بعد أن تمكن بما اكتسبه من خبرة في التعاطي بالشأن السياسي من موقعه مديرا عاما لقوى الأمن الداخلي، إلى جانب شخصيته المرنة والمنفتحة، من إثبات نفسه وتعزيز العلاقات المميزة التي لطالما ربطت لبنان بالمملكة الشقيقة.
الانتقال من الزي العسكري إلى الزي الدبلوماسي رغم التناقض الكامل بينهما، يجعل من زين فرصة للبنان، بعد أن تمكن بما اكتسبه من خبرة في التعاطي بالشأن السياسي من موقعه مديرا عاما لقوى الأمن الداخلي، إلى جانب شخصيته المرنة والمنفتحة، من إثبات نفسه وتعزيز العلاقات المميزة التي لطالما ربطت لبنان بالمملكة الشقيقة

حاول زين جاهدا رسم سياسة “حياد” لقوى الأمن عن السياسيين والساسة، وهو وفي محاولاته تلك، اقترح على “صاحب الأمر والنهي” آنذاك رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري اللواء غازي كنعان تعيين العميد أشرف ريفي رئيسا لفرع المعلومات الذي بدأ يشق طريقه الناجحة والتحوّل بالفرع إلى جهاز أمن فعّال، غير أن كنعان الذي رأى في ريفي شخصية قادرة على تحويل المعلومات إلى جهاز أمني تابع لرئيس الوزراء الحريري عارض بشدة هذا الاقتراح، فحاول زين مجدّدا تسليم الفرع إلى رجل يحظى بثقته ويتمتع بالمناقبية المطلوبة لقيادة مثل هذا الفرع الحساس، فوقع اختياره على العميد منذر الأيوبي فحصل الاسم على موافقة كنعان والحريري ووزير الداخلية إلياس المر، فبدأت حينها مسيرة تحول الفرع الذي أصبح ذائع الصيت ويحسب له ألف حساب. 

وتعود علاقة اللواء زين بالأيوبي إلى الثمانينات، حين كان الرجلان يخدمان معا في الشمال. وحين كان زين قائدا لشرطة بيروت وقرر تأسيس فصيلة درك البرج التي كانت منطقة “سوليدير” تتبع لنطاقها الإقليمي، سلّم رئاسة الفصيلة الجديدة إلى الأيوبي. ومن خلال هذا المركز، تعرّف الحريري إلى الأخير. وعندما أبعِد زين عن قيادة شرطة بيروت، نُقِل الأيوبي إلى سرية الدرك في عكار، حيث يستحيل العمل من دون تنسيق تام مع الأمن السوري.

غير أن رياح المؤامرات التي حيكت ضد الحريري، طالت بعض سهامها زين شخصيا، ولعل ذلك كان عن سابق تصوّر وتصميم، نظرا لقربه منه أو “لإبعاده قدر الإمكان عن الطريق” قيتسنى للمخططين تنفيذ مؤامرتهم، فصدر في 9 نوفمبر من العام 2004 مرسوم قضى بوضع اللواء زين بتصرف وزير الداخلية والبلديات وتعيين اللواء علي الحاج مديرا عاما لقوى الأمن الداخلي. وكانت البلاد قبل شهر على هذه الحادثة قد شهدت محاولة اغتيال الوزير والنائب مروان حمادة في أولى الرسائل الأمنية الدموية التي استهدفت الحريري وطالته في الرابع عشر من فيفري من العام 2005.

وفي يوم الوداع المهيب الذي أقيم للحريري، انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي صورة يظهر فيها اللواء زين وهو يؤدي التحية العسكرية وإلى جانبه العميد آنذاك أشرف ريفي لجثمان الرئيس الراحل وهو في طريقه إلى مثواه الأخير، وذيلت الصورة بعبارة “التحية لمن يؤدي التحية” في تعبير واضح عن الاحترام والتقدير اللذين يحظى بهما الرجل.

إرث الحكومات المبتورة

لبنان قد يكون بحاجة فعلية إلى رجل يحمل مواصفات اللواء زين الصارمة نتيجة نشأته ومساره العسكري
لبنان قد يكون بحاجة فعلية إلى رجل يحمل مواصفات اللواء زين الصارمة نتيجة نشأته ومساره العسكري

ظلّ زين بعيدا عن المناصب ولا يسعى إليها حيث أنه وصل إلى أعلى السلم الذي يتيحه انتماؤه إلى المذهب السني في بلد توزّع فيه المناصب وفقا للانتماءات المهذبية والطائفية، غير أن مرسوما صدر في 10 يوليو 2007 كان بمثابة مفاجأة على الصعيدين الشخصي والسياسي، إذ حمل توقيع الرئيس أميل لحود في ظل ولاية حكومة الرئيس فؤاد السنيورة “المبتورة” على ما سمّاها رئيس مجلس النواب نبيه بري بعد استقالة الوزراء الشيعة منها، وقضى بتعيين زين سفيرا للبنان لدى السعودية، فانتقل الرجل من الزي العسكري إلى الزي الدبلوماسي الذي رغم التناقض الكامل بينهما، إلا أنه استطاع بما اكتسبه من خبرة في التعاطي بالشأن السياسي من موقعه مديرا عاما لقوى الأمن الداخلي، إلى جانب شخصيته المرنة والمنفتحة، من إثبات نفسه في موقعه الجديد وتعزيز العلاقات المميزة التي لطالما ربطت لبنان بالمملكة الشقيقة وإبعادها قدر المستطاع عن التجاذبات السياسية.

خمس سنوات قضاها زين في الرياض، قبل أن يحال إلى التقاعد، ومنذ ذلك الحين واسمه يتردد في الأروقة السياسية الداخلية، تارة لتعيينه وزيرا للداخلية والبلديات في الحكومة التي شكّلها الرئيس سعد الحريري وحملت مفاجأة تسمية ريا الحسن أول وزيرة داخلية في لبنان والعالم العربي، وللمنصب نفسه عقب استقالة حكومة الحريري وتكليف حسان دياب بتشكيل حكومته التي انبثقت عقب ثورة 17 أكتوبر الماضي، واليوم عقب الإطاحة بحكومة دياب وتكليف مصطفى أديب بتشكيل الحكومة العتيدة تنفيذا للمبادرة الفرنسية لإنقاذ لبنان من أزمته العميقة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فعقب التظاهرات التي شهدتها البلاد في “يوم الغضب الكبير” في أغسطس الماضي، سرت شائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي ترشّح زين لرئاسة حكومة عسكرية تأخذ على عاتقها مهمة إخراج لبنان من الهوة التي وقع فيها، لكن زين نفسه ينفي كل هذه الشائعات والتكهنات عملا بمقولة “طالب الولاية لا يولى”.

قد يكون لبنان بحاجة فعلية إلى رجل يحمل مواصفات اللواء زين الصارمة نتيجة نشأته ومساره العسكري، والمنفتحة والحوارية وهما الصفتان اللتان اكتسبهما من خبرته الدبلوماسية، وسواء كان موقعه في وزارة الداخلية التي يعرفها عزّ المعرفة، أو في رئاسة الحكومة التي قد تؤول إليه في حال اعتذر أديب عن المهمة المسندة إليه، فإنه قد يصح فيه قول “الرجل المناسب في المكان المناسب”.

12