مروان علي: أركض خلف الشعر في بيادر قريتي كرصور

الخميس 2015/01/08
مروان علي: الشاعر لا يفكر أصلا في تعريف الشعر والبحث عن أسس وقواعد كتابته

مروان علي شاعر وصحفي سوري ولد لعائلة كردية بقرية كرصور في أطراف مدينة القامشلي. منذ بداية التسعينات، بدأ بنشر نصوصه ومقالاته ومتابعاته في العديد من الصحف والمجلات العربية. من مجموعاته الشعرية الصادرة نذكر “ماء البارحة”، في بيروت، و”غريب.. لاشيء عنك في ويكيليكس”، في المنامة.

للشاعر أيضا إصدارات سردية مثل “عين الطير”، سيرة روائية، وأصدر كذلك ترجمات عن الكردية مثل رواية “العاجز”للروائي الكردي صلاح الدين بولوت عن مشروع “كلمة” (أبوظبي 2013)، وللكاتب أعمال أخرى قيد الإنجاز. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الشاعر مروان علي.

بداية عن الشعر من وجهة نظر مروان علي، وهو الذي احترف السفر في المكان والزمان، ذلك السفر الذي أكسبه لغات عدة، وتجارب إنسانية عميقة، بالإضافة إلى اطلاعه على ثقافات وتجارب لشعوب أخرى، يحدثنا قائلا: «لا أحد يستطيع تعريف الشعر، ولا يفكر الشاعر أصلا في تعريف الشعر والبحث عن أسس وقواعد وطريقة كتابة القصيدة. لأن حدود القصيدة هي الفضاء، لذلك لم أفكر يوما في البحث عن تعريف للشعر، وإنما ركضت خلفه في بيادر كرصور وبين حقول البطيخ الأحمر والأزهار البرية في هضاب قوجي وبيرا بازن، حيث الأحلام والأرانب البرية التي تهرب بعيدا».


حياة أخرى


يتابع: «في نصوصي ثمة حياة أخرى، تلك التي تعبت ولم أصل إلى ضفافها. تعلمت من المدن أكثر مما تعلمت من الكتب.

أنا مدين لـ”القامشلي” التي مشيت طويلا خلال دراستي في أزقتـــها وبين بيوتها الطينية، ودخنت سيجارتي الأولى فيها قرب بقالية “أحمد وطني”، مدين لحمص وشارع العشـاق فيها. حيث كنت أسير وحيدا وأرى العشاق والجنود أغلبـــهم من الجزيرة، يعملون في مداجن تعود ملكيتها إلى ضــباط كبار في الجيش العربي السوري.

مدين للشام التي حينما غادرتها، تأكدت كم أحب هذه المدينة التي هي دفتر العائلة لكل السوريين، ليس هناك سوري واحد إلا وله عائلة أو بيت أو على الأقل، صديق أو شجرة في الشام».

إن الشكل ليس مهما، بل المهم هو الشعر، ومع ذلك تفوقت قصيدة النثر في تقديم كل ما هو مدهش ومختلف

ويضيف: «عشت في مدن كثيرة عربية وأجنبية من حلب إلى دمشق وبيروت والقاهرة وأمستردام وآرنهيم وآيسن وبرلين، لكنني لم أجد أجمل من كرصور، حتى بعد كل هذه السنوات والمدن، نصفي هناك ونصفي الآخر لمّا يزل هناك أيضا».

مروان علي هو أحد الأصوات التي نعت الحداثة، إن كان يعتبرها فعلا سقطت كفكرة وكتجربة، يقول الشاعر: «الحداثة رؤية وموقف من الحياة والعالم، تجدها في كل شيء ولا يمكن أن تسقط أبدا، لأنها تتجدد باستمرار في الفن والحياة. أحيانا هناك من يهرب من فشله في تقديم نص جديد فيختبئ وراء مفاهيم ساذجة وسطحية للحداثة. النص الحداثي بالنسبة إليّ، هو الجميل والمختلف والجديد الذي ننتظره».

عن سبب إصراره على الكتابة باللغة العربية، في حين أنه يتقن لغات كثيرة، بالإضافة إلى لغته الأم الكردية، يحدثنا علي: «علاقتي باللغة العربية علاقة عائلية؛ جدتي صبحية عربية، وعائلتي نصفها من الجبال الكردية البعيدة، والنصف الآخر من جبل عبدالعزيز في أطراف مدينة الحسكة. تعلمت جدتي الكردية، وكانت تتحدث بها بطلاقة، وعلمتنا العربية أنا وإخوتي، من هذه اللغة الجميلة تفوح رائحة الغائبين، وتمتزج برائحة سوريا البعيدة. في كلمة واحدة: أحب هذه اللغة الجميلة جدا».

إن كان يعتبر أنه استطاع تشكيل صوت شعري خاص به، وهو الذي يجاهر أنه يقرأ بعين الناقد، كيف يلخص تجربته في الكتابة، وهل يعتبر أن صوته أصبح من النقاء بحيث أنه لم يعد يحوي أيّا من أصوات شعراء آخرين؟ يجيب مروان علي: «هذا الأمر متروك للنقاد. بكل تأكيد حاولت بجميع الوسائل أن أتخلص من تأثير الآخرين في نصوصي وتجربتي، خصوصا محمد الماغوط وسليم بركات، وهذا الأخير من الصعب التخلص من تأثير نصوصه. وهذه النقطة أشار إليها الشاعر الكبير محمود درويش، بسبب طبيعة نص سليم بركات أولا وهوية هذا النص ثانيا، نص كردي بلا منازع. ثم هناك نقطة أخرى لم أنشر كل ما كتبته، حذفت قصائد كثيرة، فأنا أقرأ نصوصي بعين ناقد غريب».

علي: الشعر كائن لا يتعاطى العمل السياسي

وعن مردّ تعلقه الواضح والكبير بالماضي، ولا سيما أنه يعيش في مدنٍ تأتي من جهة المستقبل يقول الشاعر: «بعد كل هذه السنوات في هذه البلاد البعيدة، وفي كل صباح أنتظر أن أستيقظ على صوت أمي. ربما لأنني غادرت سوريا بحقيبة صغيرة، لذلك تركت خلفي أشياء كثيرة». وعن القصيدة، كيف يستحضرها، وبأي لغة يفكر قبل الشروع في الكتابة، وهل الكتابة لدى مروان عمل يومي؟ يحدثنا قائلا: «لا أفكر مطلقا في كتابة القصيدة، أنا أنتظرها في كل لحظة، أكتبها في البيت وفي الشارع وفي السيارة، أحمل ورقة وقلما أينما ذهبت».

إن كان يعتبر الشعر كائنا لا يتعاطى العمل السياسي، يقول علي: «علاقة الشعر بالسياسة علاقة شائكة. تسيء -حسب رأيي- للشعر وللشاعر. بكل تأكيد لا يستطيع الشاعر أن يكون بعيدا عن قضايا شعبه ووطنه. لكن على الشاعر أن يكون حذرا جدا من ذئاب السياسة ووحوشها التي تفترس كل ما هو جميل. كسوري وفي ظل الموت اليومي، أتابع ما يحدث وأنا أدرك تماما ضعفي وانعدام حيلتي، ومع ذلك لم أفقد الأمل».

يقتبس من شعره: «أعرف تماما ستعود سوريا إلينا/ ميرا في حضني/ وحقيبتي الصغيرة معي/ ولأن الأرض تدور/ سنصل يوما إلى سوريا».


ندبة المكان


إن كانت قصيدة النثر هي آخر ما يمكن أن يتوصل إليه الشعر، يقول: «قصيدة النثر أضافت الكثير إلى المشهد الشعري في العالم منذ ظهورها، لكن هناك أصوات جميلة لا تزال تكتب القصيدة الموزونة، التي تعتمد على التفاصيل الخليلية، في المشهد الشعري العربي. وحتى في أوروبا وأميركا. لا يزال للقصيدة الموزونة حضورها. ثم إن الشكل ليس مهمّا، بل المهم هو الشِعر، ومع ذلك تفوّقت قصيدة النثر في تقديم كل ما هو مدهش ومختلف». المكان ندبة واضحة في مختلف نصوص مروان علي، ولا سيما المكان- الرحم، الطفولة وعوالمها، يقول الشاعر: «لحسن الحظ لا أستطيع تجاوز عقدة المكان، علاقتي بالمكان ليست عابرة".

قصيدة النثر أضافت الكثير إلى المشهد الشعري في العالم منذ ظهورها، لكن هناك أصوات جميلة لا تزال تكتب القصيدة الموزونة

يضيف: "الأمكنة مخلصة جدا. رائحة بيادر القمح في كرصور، أصوات الباعة في سوق القامشلي، أصوات العتالين في صوامع الحبوب، حين عملت عتالا خلال فترة دراستي الثانوية، قلعة حلب، مقهى القصر، ساحة سعدالله الجبري في حلب، ساحة المرجة ملتقى أهالي الجزيرة حيث تختلط الأغاني الكردية مع رائحة الشاي الثقيل في صباحات الشام. رغم كل الأمكنة الجميلة التي مررت بها خلال رحلتي الطويلة، تبقى سوريا المكان الأجمل في هذا العالم؛ في أمستردام كنت أبحث عن رائحة دمشق وحلب بين أزقتها وأشجارها، أحيانا ينسى الغرباء رائحة المدن التي جاؤوا منها».

عن المشهد السياسي السوري، كيف يراه؟ يقول علي: «الآن كبرت المعركة وصارت مع النظام ومع قوى التطرّف والإرهاب؛ من داعش وحتى جبهة النصرة، مرورا بالعشرات من الكتائب الإسلاموية الدخيلة على المجتمع السوري الجميل. لكن سوريا قادرة على تجاوز كل هذا الألم، الشرط الأول هو إسقاط هذا النظام المجرم لأنه رأس الأفعى، أفعى الاستبداد والإرهاب والتطرف في سوريا والمنطقة».

15