مروان كنفاني: زمن هزيمة إسرائيل بالضربة القاضية انتهى

تتضاعف تعقيدات القضية الفلسطينية على وقع المتغيّرات الإقليمية والدولية، والأهم من ذلك على وقع الانقسام الداخلي الفلسطيني وأزماته السياسية، سواء على مستوى خلافات فتح وحماس، أو على مستوى الخلافات داخل فتح. يرصد السياسي الفلسطيني مروان كنفاني في لقاء مع “العرب” هذا الواقع بالتفصيل محذرا من أنه سيقود الفلسطينيين إلى اقتتال شامل على غرار ما يحدث في سوريا وليبيا إذا لم يكن هناك حل جذري له؛ كما يقدّم، بمناسبة صدور كتابه الثاني، مواكبا لإعلان وثيقة حماس السياسية الجديدة وترقب وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تشخيصا واقعيا وموضوعيا لما يجري للفلسطينيين اليوم.
السبت 2017/05/13
كنفاني: ما يتطلع إليه الفلسطينيون أكبر مما يسعون إليه حاليا

القاهرة – مروان كنفاني، المستشار السياسي والمتحدث الرسمي باسم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، صاحب خبرة طويلة في التفاوض والنضال، ودائما كانت تحليلاته السياسية لقضية فلسطين محلّ تقدير من المثقفين والمفكرين في العالم، وهو الذي صحّت توقعاته عن صعوبة رأب الصدع بين الضفة وغزة وعن تكريس الانفصال الجغرافي والسياسي والنفسي داخل هذين الجزأين المتبقيين للفلسطينيين. بمناسبة صدور كتابه الثاني مواكبا لإعلان وثيقة حماس السياسية الجديدة وترقب وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمنطقة حاورت “العرب” كنفاني ليقدّم تشخيصا موضوعيا لما يجري للفلسطينيين الآن.

بدأ كنفاني حديثه لـ“العرب” بتأكيد حقيقة أن الشعب الفلسطيني لم يمر في مسيرته الطويلة لاستعادة أرضه بموقف أسوأ من الموقف الحالي، وبالتالي فإن علينا أن نجد طريقا لنا ونبادر لكي يساعدنا العالم، فليست هناك دولة في العالم لا تعترف بدولة من حق الفلسطينيين، ومع ذلك فقد بدا الرجل متشبثا ببارقة أمل وبأن ثمّة ضوءا في نهاية نفق.

شرح قناعاته الحالية قائلا إن “العالم يريد أن يسمع قصتنا ومطالبنا، لكن المشكلة أننا لم نتفق بعد على مطالب الشعب الفلسطيني، هل نريد استرجاع فلسطين؟ أم نريد دولة إسلامية؟ أم من البحر للنهر؟ أم فلسطين على حدود 1967؟ إننا بعد وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لم نتقدّم خطوة واحدة، كنا بلدا واحدا وشعبا يعيش تحت الاحتلال وفي المهجر، والرئيس عرفات حارب العالم والشعب إلى جانبه، أما الآن فأنا أرى أن المفاوض الفلسطيني يمكن أن يستثمر أشياء كثيرة منها على سبيل المثال قرار اليونسكو في مطلع الشهر بشأن الإقرار بأن القدس محتلة، غير أنه لا توجد للمفاوض الفاعلية الكافية، فأنا اعتبر أن قرار اليونسكو قرار هائل يفضح تل أبيب ويرفض ضغوطها”.

انشغل كنفاني بالسياسة وهو طالب عندما كان عضوا في الاتحاد العام للطلبة الفلسطينيين، وحصل على درجة الحقوق من جامعة القاهرة ثم شارك في دراسات عليا حول العلاقات الدولية والإعلام في كل من القاهرة وبيروت وباريس ومدريد والأمم المتحدة، وسبق له أن التحق بعد تخرّجه بجامعة الدول العربية فعمل في دائرة الشؤون الفلسطينية، ودوما كان داخل المطبخ السياسي الفلسطيني مطّلعا على الاتصالات مع الولايات المتحدة والقوى الإقليمية والعربية، فضلا عن رئاسته لوفد فلسطين في أعمال اللجنة الثلاثية المناهضة للتحريض وانتخابه نائبا عن مدينة غزة في أول انتخابات تشريعية عام 1996.

لا أعتقد أن دونالد ترامب سيحدث تحولا أساسيا في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، كما أنه لا يستطيع أن يبرم سلاما لأن هناك هوة كبيرة بين الطرفين

برنامج موحد

تتمحور قناعة كنفاني حول أن زمن هزيمة إسرائيل بالضربة القاضية انتهى، والأهم بالنسبة للفلسطينيين في المرحلة الحالية ليس محاربة إسرائيل ولا الذهاب للأمم المتحدة، بل ضرورة وقف الانقسام إلى فريقين متصارعين وصياغة ما يريدونه بالضبط في برنامج سياسي موحد.. ولو حتى مؤقتا.

لكن من يا ترى الذي سيضع مثل هذا البرنامج الموحد؟ في تصوّر كنفاني أنه يمكن لقادة المنظمات أن يضعوا هذا البرنامج، أو أن يعيّن الرئيس محمود عباس ممثلا لحماس وآخر لفتح ويدعمهما بخبراء في القانون لكي يتفقوا جميعا على أن يقولوا للعالم “ما في استطاعتهم وليس ما يريدونه”.

ويقول “المطلوب هو أن نتحدث إلى العالم بمنطق يقبله العالم، إذ لا أحد حاليا سيؤيدك إذا ما أعلنت رغبتك في إزالة إسرائيل من الوجود”. ويرى أن هذا يتطلب صبرا وحكمة وصدقا، بينما ما نراه على أرض الواقع أن فتح تختار كل المسؤولين من منتسبيها وحماس في غزة تختار هي الأخرى منتسبيها، بينما المطلوب من هاتين المنظمتين خدمة الشعب الفلسطيني ومساعدته على التشبث بأرضه وليس خدمة أطماعهما في الحكم.

ويشدّد على أنه لا توجد الآن – بعد وثيقة حماس الجديدة – عقبة تحُول بين التوصل لبرنامج سياسي مشترك حتى يتمكّن الشعب من أن “يفاوض بجمعهِ أو يقاتل بجمعهِ”.

وبنبرة واثقة يشرح كنفاني فكرته وأولوياته قائلا “عندما تصبح لدينا وثيقة بمثابة دستور لن تكون هناك مشكلة لأن أيّا من سيتم تعيينه في منصب سيتحدث بنفس الطريقة التي سيتحدث بها بقية المسؤولين الفلسطينيين”.

في رأيه أن المصالحة الأولى التي تم تنظيمها سنة 2007 هي التي أنتجت الانقسام، لذلك فهو يستغرب من الحديث عن (حكومة توافقية) بينما عدد من أعضائها غير معترفين باتفاق وقّعه البعض من الأعضاء في ذات الحكومة، وهو ما يبرر ردود حماس الهجومية اللاذعة على مواقف الرئيس محمود عباس بل ومهاجمة كتائب الأقصى التابعة لفتح وأعضاء في اللجنة المركزية للرئيس بضراوة، في المقابل هناك عناصر تابعة لحماس تنقلب على الحركة الأمّ وتنضم إلى داعش، ويقول “أي عاقل يدرك أن حكومة كهذه سيكون مآلها الفشل”.

ويشير إلى أن ما يتطلع إليه الفلسطينيون أكبر مما يسعون إليه حاليا، وعليهم أن يخطوا خطوات محسوبة إلى أن يأتي جيل جديد ليكمل المسيرة، وذلك على غرار كفاح مصر والجزائر من أجل نيل الاستقلال وعلى نفس النحو عانت حتى الولايات المتحدة نفسها في سنواتها الأولى.

ويضيف “على أيّ حال أنا أرى أنه قد انتهى عهد الفوز بالضربة القاضية، فإسرائيل نجحت في كل أنشطتها فقط حين استطاعت إخراج أعداد كبيرة من أهلنا من بلادنا، والأولوية التي يجب أن تكون في الفترة القادمة هي أن يشعر المواطن الفلسطيني بأنه في وطن وليس في سجن، فمن المحزن أننا كنّا على أعتاب النجاح ثم توقفنا لأسباب غير مقنعة وغير شريفة”.

وعن الانتخابات المرتقبة يرى كنفاني أنه إذا تمت فسوف تكون الكفتان متقاربتين (فتح وحماس). ويتوقّع أن يؤثر بالسلب على حركة فتح قيام البعض من عناصرها بالتصويت لحركة حماس أو امتناعهم عن ذلك، ويقول إن فتح أصبحت تنظيما مهلهلا أخطأ في حق نفسه هو فقط، بينما حماس أخطأت في حق فلسطين كلها حين استقلت بغزة وأحدثت الانقسام.

تحركات ترامب ومبادرته المنتظرة ستقتصرعلى تقديم المزيد من المعونات ودعم الاقتصاد الفلسطيني

ويضيف “أنا بالطبع حزين وأنا أقول هذا الكلام، خاصة وأنني أعلم أن إسرائيل لعبت دورا في إضعاف فتح وبعثرتها، وهذا الوضع – إذا لم يكن هناك حل جذري – سيقودنا إلى اقتتال شامل على غرار ما يحدث في سوريا وليبيا وهناك الآن من ينتظرون هذه الفرصة”.

وصفة للعلاج

أصدر مروان كنفاني خلال مسيرته السياسية كتابين فقط، أحدهما سنة 2007 عن القضية الفلسطينية، والثاني صدر منذ أيام، ويحمل عنوان “عن الفلسطينيين جدلية النجاح والفشل”.

يطرح بين طيّات هذا الكتاب أفكارا رئيسية حول وصفة العلاج، حيث ذكر أنه طالما أن حماس ترغب في الدخول في المجلس الوطني الذي اعترف بإسرائيل، وطالما أعلنت استعدادها للدخول – مثل فتح والجبهة الشعبية – في الأجهزة التنفيذية فلا يوجد سبب للخلاف.

وعن هذا يعلّق كنفاني بقوله “عكست في كتابي الجديد ما يدور في أذهان الشعب الفلسطيني بأمانة، فالجميع لا يريدون الاعتراف بأن سبب الانقسام الوحيد هو الرغبة في الحكم، فهذا يريد أن يحكم وهذا يريد أن يحكم، وذلك ما يجعل كلا الطرفين راضيين بالوضع الحالي، وعلى حماس وفتح أن تصغيا للشعب صاحب الولاية والشرعية وهو من ينتخب الرئيس وليست التنظيمات”.

يؤمن كنفاني بأنه لا توجد إمكانية لأي حل طالما أن الصف الفلسطيني ليس موحدا ولا توجد خطة.

ويستشهد هنا بردود حماس والتعليقات الهجومية للمتحدثين باسمها على مواقف الرئيس، وأيضا بمهاجمة كتائب الأقصى التابعة لفتح وأعضاء في اللجنة المركزية للرئيس بضراوة بعد توجهه للمشاركة في جنازة شيمون بيريز، وفي المقابل تمّ رصد عناصر تابعة لحماس تنقلب على الحركة الأمّ وتلتحق بتنظيم الدولة الإسلامية.

في هذا السياق وبشكل أكثر تحديدا يقول كنفاني “على حماس وفتح أن تعملا معا قبل أن ينتهي دورهما معا من مسرح الحياة السياسية الفلسطينية، ففرص بقاء فتح فصيلا موحدا وقويا تتضاءل يوما بعد يوم، وأحلام وصول حماس إلى الضفة أو حتى استمرارها في السيطرة على غزة صعبة المنال”.

صفقة ترامب

دونالد ترامب جاء للبيت الأبيض بشكل مفاجئ وبأقل عدد من أصوات اليهود حصل عليه رئيس أميركي، وبالقطع هو يحمل في جيناته بصمة وراثية لرجل أعمال مغامر باحث عن الربح ويعرف أن لكل صفقة ثمنا، ولا يمكن بسهولة توقّع خطواته المستقبلية بعد صدامه المبكّر مع الإعلام الأميركي، فماذا سيكون في جعبته وهو يتوجه للسعودية ليجتمع بقادة عرب؟ وماذا سيقدّم لهم في مقابل صورته المخطط لها وهو يضع بطاقة دعوات بين ثنايا حائط المبكى مرتديا قلنسوة الصلاة اليهودية الشهيرة؟ وهل حقا سيخلو جدول الزيارة من خطاب أو حتى لقاء في الكنيست والاكتفاء بزيارة خاطفة لمتحف ضحايا النازية وخطاب في قلعة ماتسادا، التي يقول مؤرخ يهودي إن مجموعة من المتمردين اليهود تحصّنوا بها ثم انتحروا خوفا من بطش الجيش الروماني؟

يجيب كنفاني، قائلا “لا أعتقد أن ترامب سيحدث تحوّلا أساسيا في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، كما أنه لا يستطيع أن يبرم سلاما لأن هناك هوّة كبيرة بين الطرفين وهو في الأساس منحاز لطرف واحد هو إسرائيل، وكل تحركاته سببها خطورة الوضع في الشرق الأوسط على غرار ما حدث بعد حرب الخليج وغزو العراق، فوقتها أدركت الولايات المتحدة أن من مصلحتها تجميل صورتها وسط البلدان الإسلامية وكأنها وسيط نزيه ومحايد بين إسرائيل والفلسطينيين”.

على حماس وفتح أن تعملا معا قبل أن ينتهي دورهما من مسرح الحياة السياسية الفلسطينية ففرص بقاء فتح فصيلا موحدا تتضاءل وأحلام وصول حماس للضفة صعبة المنال

ويرى أنه يجب في هذا السياق ملاحظة أن ترامب تراجع عن وعده بنقل السفارة للقدس تمهيدا لزيارته، والتي تأتي بعد زيارات للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني من قبله والرئيس الفلسطيني محمود عباس منذ أقل من أسبوع.

ويتوقع أن تقتصر تحركات ترامب ومبادرته المنتظرة على تقديم المزيد من المعونات ودعم الاقتصاد الفلسطيني مقابل دعم رؤاه السياسية، وأن يضغط على إسرائيل في قضايا فرعية تجميلية، مثل تشغيل العمال الفلسطينيين وتحويل مستحقات الفلسطينيين من الجمارك أو تسهيل الانتقال.

وعن لقاء ترامب مع القادة العرب في الرياض، يتوقع كنفاني أن ينصبّ اللقاء على محاربة الإرهاب الذي يقلق الجميع، وتفاصيل تشكيل حلف سنّي بقيادة مصر والسعودية والأردن في مواجهة إيران ومحاولاتها السيطرة على المنطقة.

وتعليقا على دعوات يهودية الدولة يوضّح أن الفلسطينيين لا علاقة لهم بما تريد إسرائيل أن تسمي نفسها وهم لا يعترفون سوى بما يريدون أن يعترفوا به فقط، ويضيف “تقييمي لحديث إسرائيل عن يهودية الدولة أنه مجرد وضع عصا في عربة مسيرة السلام مع ملاحظة أننا أخطأنا كثيرا واخترعنا هذه المقولة حينما خلطنا بين الصهيونية واليهود في حين أن الصواب هو الحديث عن عدوان صهيوني غربي”.

ولفت مروان كنفاني إلى عقبات خطيرة لم تُقدّر الإدارات الأميركية الديمقراطية السابقة خطورة العبث بها، وكذلك ضرورة عدم التعويل كثيرا على أطراف إقليمية تتراجع عن وعودها للفلسطينيين، ويقول “من يعلّق آمالا على دعم زعماء في المنطقة كأردوغان فهو مخطئ لأن الرئيس التركي ليس رجل دين بل سياسي يغيّر وعوده وفقا لمصلحته كما حصل في مواقفه مع إسرائيل”.

ويؤكد “علينا أن نلاحظ أن إسرائيل استفادت كثيرا من أخطائنا الحالية بالضبط كما سبق أن استفادت من سياسات هتلر، فبعد أن كان عدد اليهود الغربيين في فلسطين لا يتجاوز بضعة آلاف حدثت طفرة في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي وما تلاها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، فبلغ عددهم 600 ألف مهاجر من دول أوروبية”.

ويختم مؤكدا “يجدر بنا أن نوضّح للجميع أن القدس لها مكانة خاصة، وكان الرئيس ياسر عرفات يقول إنهم لو أعطوني القدس لوجدوا عرفات آخر أكثر مرونة في بقية الملفات، وهذا ما لم يدركه الرئيس الأميركي بيل كلينتون وهو يطرح مسألة السيادة فوق الأرض للمسلمين وتحت الأرض لليهود في الحرم القدسي، وهو ما رفضه آنذاك الطرف الفلسطيني والطرف الإسرائيلي أيضا”.

كاتب مصري

7