"مروا عليّ" ناي شاعر سوري في الدوحة

عادة ما تكون النصوص المفتوحة عرضة للتكرار، سواء في العرض اللغوي والبلاغي أو في الصور والمخيلة والتشكيل المكثف الذي يصل إلى مبتغاه في أكثر من قصيدة، مع احتفاظ الشاعر بقيادة نصه من حواشيه وهوامشه دون أن يقترب من متنه ولبّه إلا في حالات خلط التفاصيل الصغيرة والأمكنة الخاصة به وتمازج المشاعر والبوح الذهني.
الاثنين 2015/08/10
عيسى الشيخ حسن أصدر مجموعته الأولى بعد انتظار سنوات التخمر والانتشاء

“مرّوا عليّ” مجموعة شعرية للشاعر السوري المقيم في قطر عيسى الشيخ حسن، وهي المجموعة الأولى له، صدرت بعد انتظار سنوات التخمر والانتشاء في التجربة التي امتدت أكثر من عشرين سنة بين الشعر والنثر والكتابة الصحفية والنقدية وبين الحياة الشخصية، التي وزعها الشاعر بين سوريا وقطر حيث التركيز الأساس على الكتابة الشعرية والاشتغال عليها، وكانت آخرها طباعة كتابه الشعري “مرّوا عليّ”.

المجموعة في معظمها نصوص طويلة مفتوحة، تجمع حواس الكتابة الشعرية كلها ضمن مشروع تعبيري تخرج عن السياقات التقليدية المتعارف عليها، ويمكن وصفها بالكتابة التوليدية التي تعتمد على الجملة الطويلة والنسق التركيبي المعقد في البناء الهرمي، وهي طريقة صعبة تغيب عنها الصورة الشعرية مقابل البلاغة والإيقاع الخارجي أو ما يسمى بالرنة الشعرية.

كل ذلك في رومانسية حاضرة على طول النصوص، رومانسية متشظية مصحوبة بأسئلة أو تساؤلات لغوية شاقة، يظل الشاعر يطرحها من قصيدة إلى قصيدة ومن نص إلى آخر، كأن السؤال هو النص ذاته أو النص تحول إلى سؤال أو طرح دائم وبأشكال تعبيرية متعددة وغير قابلة للمقايضة المعجمية والتخييلية “أين يمضي المغني؟”، “لمن قمرٌ يعبر الآنَ”.

و لكن كأن عيسى أيضا يريد أجوبة أخرى مع حقه في الاحتفاظ بما يدّخره من أجوبة سابقة محفوظة على ظهر القصيدة، يبحث مثل القارئ عن صفات مؤبدة لمعنى الشعر أو عن الحدود الممكنة بين الشعر وأشكاله الأخرى في عملية ربط المسارات التعبيرية كلها ببعض، غير مجتزأة أو متراخية الأطراف، فالقصيدة لديه عالم بوهيمي كالسينما أو ما يشبه السينما أو أي شيء يصلك بداخلك، بعمقك، بروحك المتوثبة أبدا، عالمه هو مساحة قريته الصغيرة النائية هناك في الجزيرة السورية، على أطراف البصر حيث حيوات متناثرة في أبلغ هيئاتها وصيرورتها، حيوات متبدلة يزاوج الشاعر بينها وبين حيوات شعره، لتولد كتابة حرة بلا ماض بلا إرث بلا عبودية الفكرة الواحدة:
المجموعة في معظمها نصوص طويلة مفتوحة

“وأمسِ انتظرتكِ/ قلت: بلادي نهارٌ حزينٌ من الأغنيات الطريق/ إلى النصّ أمهلني لأقول لكِ/ كنت قريباً من البيت/ لكنّني أتحاشى اللقاء/ طيور دمي نقرت في ارتباك ضلوعي/ أعيدُ عليّ صباحكِ/ أنجو بنفسي من الحبّ/ إلا التفاتة قلبي إلى ظل أحزانك العامرة/ هو القلبُ/ يغسلني بالمساء القليل/ ويرمي على وردتي ذاكرة”.

نص “مروّا عليّ” لا يحمل حدثا بعينه أو موضوعا بذاته أو حتى فكرة واحدة بنفسها، ثمة مكونات من كل هذا و ذاك، تتجمع في مجرى واحد ليتشكل المعنى العام تنكشف المساحات والهويات الشعرية، كل واحدة بحضورها ومقترحاتها، مضيفة إلى النص بهاء جماليا يجعل القارئ يعيد القراءة من جديد، لتبدأ رحلة التنقيب عن مكامن جمالية أخرى، أكثر لمعانا وإشراقا:

“كنا كبرنا فلاذت بنا الذكرياتُ/ وحطّت على حزننا شجرا وطيورا/ و كان المغني يعود إلى النصّ ليلا/ فنغمض عين السؤال عن الكهف/ والوقت/ والأغنية./ كان الطريق تلعثم/ صار غريبا/ فلذنا به/ لا لنسيرَ/ ولكن لنسأل أين المغني/ وأين خطاه/ التي ألجأتنا إلى فسحة الناي/ نشقى بها”.

يستمر تألق عيسى الشيخ حسن في النصوص التخييلية “على وشك الريح”، “غروب”، “إلى الذي يأتي ولا يأتي”، تلك التي لا تحتاج إلى سرديات وإيضاحات تعبيرية بقدر ما تحتاج إلى حرفة وحذلقة لغوية ومعجمية، والشاعر متمرس في هذا النحو، لكونه قارئا ذكيا لشعريات تراثية ونصوص إسلامية، وله مصادر بلاغية مستفيدا من ذاكرته الشفوية، وربما قصيدته “مرّوا عليّ” هي خير مشغل لبحثه المستمر في الموروثات الكتابية والجمالية التي تلحّ على ذائقته الشعرية، التي لا يستطيع تجاوزها قطعا وهو المخلص لإيقاعات الشعر من خارجه كما قلنا، بحضرة الموسيقى الخجولة التي تطل بين فينة وأخرى، كما هو حال الشعراء السوريين الجدد الذين ينسجون على نفس المنوال: محمد المطرود وأديب حسن وعبدالنبي تلاوي وعارف حمزة.

هؤلاء الذين يخفون إيقاعاتهم وأوزانهم تحت مسميات كتابية كثيرة، آخرها قصيدة النثر أو النثر المكتوب بالوزن أو الشعر المنثور، وهي كلها طقوس وإيحاءات وقراءات تدعو دائما إلى التساؤل والحيرة والإحاطة النقدية.

15