مريدو أبل المتطرفون "تبشيريون" جدد

علماء أعصاب يؤكدون أن شركة أبل تتسبَّب في استثارة ردود فعل "دينية" في أدمغة معجبيها.
الجمعة 2018/09/14
سير بتوازن على الخط الرفيع

واشنطن - يبدو أن ظهور مصطلح “طائفة أبل” Apple Cult لم يأت من فراغ، فالعلاقة التي تربط هذه الشركة بمستخدميها المهووسين قوية إلى درجة جعلت أبل تغدو العلامة التجارية الأقوى والأعلى قيمة وأرباحا على مستوى العالم، الأمر الذي دفع الكثير من مؤسسات الأبحاث والجامعات ووسائل الإعلام إلى إجراء التحقيقات والدراسات والأبحاث بهدف التوصل إلى سر هذه الجاذبية القوية لعلامة أبل.

يبحث البرنامج التلفزيوني “أسرار كبرى العلامات التجارية”، “Secrets of the Superbrands” عن الأسباب التي تجعل كبرى شركات التكنولوجيا، مثل أبل وفيسبوك وتويتر، تحظى بمثل هذه الشعبية وتحتل هذا الجزء الكبير من حياة الناس، حسب موقع ديجيتال ترندس الأميركي.

في الحلقة الأولى، قرر أليكس رايلي، مقدم البرنامج، إلقاء نظرة على أبل. أراد استكشاف ما هو الشيء المميز في هذه الشركة الذي يجعل الناس عاطفيين جدا تجاهها. عرض لقطات من افتتاح متجر تابع لشركة كوبرتينو الكندية في حي كوفنت غاردن بوسط لندن، وأظهرت اللقطات جحافل من مهووسي أبل وهم يصطفون خارجا على مدار الليل.

أثارت هذه الحماسة شبه الدينية تفكير رايلي، وقرر أن يلقي نظرة أقرب داخل رأس أحد متعصبي أبل، ليرى ما الذي يحدث بالداخل.

اتصل رايلي بأليكس بروكس، محرر مدونة “عالم أبل”، “World of Apple”، وهو واحد من أولئك الذين يقدسون أبل ويدّعي أنه يفكر في أبل 24 ساعة في اليوم.

درست مجموعة من علماء الأعصاب مخ بروكس تحت جهاز مسح بالرنين المغناطيسي، لترى كيف يتفاعل مع صور لمنتجات أبل ومنتجات الشركات
الأخرى. وطبقا لعلماء الأعصاب، كشف المسح أن هناك فروقا ملحوظة في ردود فعل بروكس تجاه المنتجات المختلفة.

ولعل أبرز التجارب والأبحاث في هذا الصدد بحث أجرته مجموعة من أطباء الأعصاب وخبراء التصوير الإشعاعي على عشاق أبل استنتجت فيه أن أبل تُحدث في أدمغة أنصارها التأثير نفسه الذي تُحدثه الأديان في أدمغة معتنقيها.

واستخدم الباحثون تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي MRI لرصد التأثيرات التي تُحدثها مشاهدة صور منتجات أبل على أدمغة عشاقها، فوجدوا أنها أضاءت النقاط ذاتها التي تضيئها عادة صور الرموز المقدسة للأديان في أدمغة معتنقيها.

البرنامج لم يغفل الحديث عن ستيف جوبز مؤسس أبل الذي سبق لوسائل إعلام على غرار مجلة الإيكونوميست أن شبهته بـ"المسيح"
البرنامج لم يغفل الحديث عن ستيف جوبز مؤسس أبل الذي سبق لوسائل إعلام على غرار مجلة الإيكونوميست أن شبهته بـ"المسيح"

أما أحدث الدراسات فجاءت من مجموعة بوسطن الاستشارية BCG التي أجرت في شهر أكتوبر الماضي بحثا استطلعت خلاله آراء أكثر من 12 ألف مستخدم أميركي و3 آلاف مستخدم أوروبي لمنتجات أبل، خلصت فيها إلى أن مستخدمي أبل الأوفياء جدا يسهمون في زيادة انتشار منتجات الشركة بمعدل ثمانية أضعاف بفضل ترويجهم وتسويقهم لمنتجاتها وتوصية الآخرين
باستخدامها.

وأطلق الباحثون على هذا النوع من المستخدمين “المتطرفين” في حبهم لعلامة تجارية معينة، مصطلح “التبشيريين”. فعشاق أبل يقومون بالفعل بدور المبشرين لهذه العلامة التجارية ومنتجاتها، ويلعبون دورا بارزا في زيادة شعبيتها وانتشارها.

يقول أحد العلماء “يشير هذا إلى أن العلامات التجارية العملاقة في عالم التكنولوجيا سخرت أو استغلت مناطق بالمخ كانت قد تطورت لتتعامل مع الدين”.

وفي لقاء مع مطران باكينغهام، الذي يستعمل الآيباد لقراءة الإنجيل، تبين أنه يؤكد هذا المعتقد، وأشار إلى أن متجر أبل في حي كوفنت غاردن، على سبيل المثال، بُنيت فيه الكثير من الصور الدينية، مثل الأرضيات الحجرية، وانتشار الأقواس، علاوة على القليل من المذابح الكنسية (التي تُعرض عليها المنتجات). وبالطبع، لم يغفل البرنامج ذكر ستيف جوبز، واصفا إياه بـ”المسيح”.

المثير للاهتمام في ما توصلت إليه الدراسة أن العلامات التجارية الأكثر جذبا ممكن أن تكون في الوقت ذاته الأكثر تنفيرا.

والعامل الأساسي في هذه المعادلة هو المستخدمون “المهووسون” الذين يمكن أن يسهموا بشكل كبير في زيادة انتشار المنتجات التي يعشقونها من خلال تسويقها وإقناع غيرهم باستخدامها، في نشاط أشبه ما يكون بالنشاطات التبشيرية والدعوية.

ولهذا السبب حدثت المفارقة بأن احتلت أبل المرتبة الأولى في قائمة الشركات الأكثر تفضيلا، والمرتبة الثالثة في قائمة الشركات الأكثر تنفيرا في الوقت نفسه، إذ وصفها المشاركون الكارهون لها بأنها شركة “نخبوية ومتعجرفة”، وأبدوا انزعاجهم من هوس عشاقها بها وتهافتهم المبالغ فيه على منتجاتها، منتقدين في الوقت نفسه ارتفاع أسعار منتجاتها غير المبرر.

وبناء على ذلك، نجد أن تعويل الشركات على هذا الأسلوب في تحقيق النجاح والانتشار ليس بالمهمة السهلة إطلاقا، لأنه يتطلب السير بتوازن على الخط الرفيع الفاصل بين التبشير والتنفير.

يبحث البرنامج أيضا المواقع الشبيهة بفيسبوك، الذي شهد هذا النجاح الهائل في سنوات قليلة. وقال رايلي “مثل أبل، تقدم لنا الهواتف الجوالة والشبكات الاجتماعية فرصة للتعبير عن حاجتنا البشرية الأساسية في التواصل. وبالضغط على حاجاتنا الأساسية مثل الثرثرة، والدين، والجنس، تسيطر هذه الشركات على عالمنا بسرعة البرق”.

وأضاف مختتما “ليس المقصود هنا أن نقول إن التسويق البارع والابتكار التقني العبقري لا يلعبان دورا مفصليا هما أيضا، لكن يبدو أنك إذا كنت لا تقدم خدمة تشد انتباه كل فرد من الـ6.9 مليار بشري على الكوكب، فإنك لن تصبح أبدا إحدى العلامات التجارية العملاقة في عالم التكنولوجيا”.

19