مريم العراقية ومريم السودانية

الأربعاء 2014/07/02

تتحدث رواية «يا مريم» للكاتب العراقي «سنان أنطون» عن جيل حرب الخليج الثانية حيث لا ذكريات سوى المآسي ومشاهد الدماء والموت والفتنة الطائفية، محور الرواية ومركزها شاب اسمه يوسف وفتاة في الـثلاثين ولدت في ملجأ بعد أن شردت أسرتها أثناء حرب الإخوة الأعداء. فقدت الفتاة آخر أقاربها، بدءا بخالها إبان إحدى هجمات المتطرفين على المسيحيين، ثم لاحق الموت ابنها وهو مضغة في بطنها جرّاء تفجير انتحاري (جهادي) نجت منه بأعجوبة، ما جعلها لا ترى في وطنها العراق سوى محطة انطلاق للهجرة هربا من ناره المستعرة.

ما أشبه مأساة مريم العراقية بمأساة «مريم» بلادنا، التي لم تعد ترى في وطنها السودان سوى محطة للهجرة هربا من جحيم قوانينه القاسية، ولكنها حتى في رحلة هروبها القسرية تصطدم بمآس لا تقل عما تعرضت إليها نظيرتها التي في الرواية العراقية، وهو ما يجعلني أقول لكل (مريم سودانية) ما قاله «سنان أنطون»: (هُزي جذع هذه اللحظة تُساقِط عليكِ موتا سخيّا..)

لن نجتر الكلمات المكرورة والجمل المهدورة، فلم تعد الكلمات قادرة على التعبير عن اللحظة التي نعيشها، فقد أصبح واقعنا يفوق خيال حكايات ألف ليلة وليلة.

واقعا ينفذ منه صبر شهريار ويخرس لسان شهرزاد، فمن يصدق أن «مريم يحيى» المحكوم عليها بالإعدام بتهمة الردة تعتقل مع زوجها وأطفالها بواسطة (40) عنصرا من جهاز الأمن في المطار عندما كانوا يهمون بمغادرة البلاد الثلاثاء الماضي بعد أن ألغت واحدة من أعلى محاكم القضاء السوداني حكم الإعدام الصادر في حقها؟

لن تحتاجوا يا معشر السودانيين إلى عبط كاميراتنا الخفيّة ولا إلى فِرق التهريج التي يقدمها التلفزيون الحكومي وتوابعه على أنها فرق كوميدية للترفيه عن الصائمين المكتوين بلظى لهيب شمس بلادنا الحارقة ونيران أسعارها المشتعلة، وبالطبع لن يحتاج الصائمون القائمون في بلادنا إلى فوازير يروحون بها عن أنفسهم، فمن يحتاج الفوازير وهو في معية «البشير»؟

بالأمس قرأت تصريحين نشرتهما وكالة الأنباء الحكومية (سونا)، حيث قال المشير عمر البشير خلال مخاطبته الجلسة الختامية لمجلس شورى حزبه: «لا نريد الساحة لنا فقط، ونقول البلد بلدنا ونحن أسيادها والبقية ما عندهم حق معانا». وما إن أفقت من صدمة «البشير» حتى باغتني مُساعده في الرئاسة ونائبه في الحزب «إبراهيم غندور» بتصريح آخر قال فيه أن «عضوية المؤتمر الوطني في البلاد بلغت أكثر من 10 ملايين شخص، وأن أعضاء الحزب صاروا يهتفون لقياداتهم: (ارفع رأسك فوق، أنت مؤتمر وطني)».

والقصة القديمة تحكي عن وحش هجين كان يكن مشاعر البغض والكراهية للأسد، وذات يوم وجده نائماً فربطه بحبل، ولما استيقظ الأسد وجد نفسه مقيدا فطفق يزأر طلبا لتحريره من قيده، لم يتجرأ أي حيوان على الاقتراب منه، حتى وصل حمار كان يكرهه، فقال له الأسد: حلَّ لي قيودي وسأُعطيك نصف مملكتي، تردد الحمار المتواطئ مع الوحش الهجين، ولكن تحت إغراء الوعد بالتملُّك فك قُيودَ ﺍلأﺳد، ولمّا هب الأسد واقفاً قال له: لقد تراجعت عن وعدي ولن أُعطيك نصف ﺍﻟﻐﺎبة، نهَق الحمار باكيا وهو يردد: لماذا؟ أين وعدك؟ فرد الأسد: لا تحزن، خذ الغابةَ كلها لأنني لا أُريد بلدا (الربطُ فيه للوحش والحل بيد الحمار).

وتأسيا بالقصة أقول لمريم: لا تحزني، فمن يريد العيش في بلد الربط فيه لعمر البشير، والحل بيد إبراهيم غندور؟


كاتب وصحفي سوداني

9