مريم ميرزاخاني أول امرأة في العالم تفوز بجائزة "فيلدز" أرفع جائزة في الرياضيات

الأحد 2014/08/24
مريم ميرزاخاني أثبتت أن التميز في الرياضيات ليس حكرا على الرجال

مريم ميرزاخاني تنحدر من مجتمع ذكوري بامتياز يمنح المرأة بعض حقوقها ويفرض وصايته على البقية وهو المجتمع الإيراني الذي مازال المتشددون فيه يعدون المرأة عورة ويجب أن تغطى أو “تستر” من رأسها حتى قدميها. باشرت مريم في دراستها وعملها مجالا علميا يعتقد الكثيرون لصعوبته وتعقيده أنه خاص بالرجال وأن التفوق فيه لا يكون إلا للذكور وأن أرقى جوائزه لا يمكن أن تحصل عليها امرأة، غير أن ميرزاخاني أطاحت بهذه الأحكام المسبقة والحواجز المفروضة عليها كمرأة، وأظهرت منذ صغر سنها نجاحها الدراسي في مجتمع ذكوري بتميزها وتفوقها في علم الرياضيات وتمكنت من منافسة الرجال على أرفع جوائزه وفازت بها.

سطع نجم الدكتورة في الرياضيات مريم ميرزاخاني إيرانية المولد في الأيام الماضية لتظهر في وسائل الإعلام العالمية كأول امرأة تحصل على جائزة فيلدز في الرياضيات التي تعد بمثابة جائزة نوبل، ولمدة 78 عاما ظلت هذه الجائزة حكرا على الرجال، وكانت ميرزاخاني الأستاذة في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا من بين أربعة علماء فازوا بالجائزة في المؤتمر الدولي للرياضيات الذي عقد في سيول وأول امرأة من بين 56 فائزا بالجائزة منذ إطلاقها عام 1936.

الجائزة العالمية لأحدث الاكتشافات والإنجازات في علم الرياضيات والمعروفة دوليا بجائزة فيلدز للرياضيات قد سميت بهذا الاسم تقديرا لعالم الرياضيات الكندي جون فيلدز، ويحصل الفائز بالجائزة على مكافأة مالية قدرها 15 ألف دولار كندي (8000 جنيه إسترليني) وهي تمنح كل أربع سنوات لثلاثة أو أربعة علماء رياضيات شريطة أن يقل سنهم عن أربعين سنة.

وخلال المؤتمر الدولي للاتحاد العالمي للرياضيات الذي انعقد هذه السنة في سيول عاصمة كوريا الجنوبية، ونال الجائزة أربعة باحثين في الرياضيات وهم كل من أرتور أفيلا من المركز الوطني لأبحاث العلوم في فرنسا والمعهد الوطني البرازيلي للرياضيات البحتة والتطبيقية، ومانجول بارجافا من جامعة برينستاون، ومارتين هايرر من جامعة وارويك في بريطانيا، ومريم ميرزاخاني من جامعة ستانفورد.

وحصلت ميرزاخاني على الجائزة تقديرا لعملها في فهم تناظر الأسطح المنحنية ويتناول بحثها بالتحديد أشكالا يطلق عليها اسم “سطوح ريمان”، وهي مواد رياضية يمكن تحليلها باستخدام الأعداد المركبة، وشاءت الصدف أن تتسلم أول امرأة تفوز بهذه الجائزة ميداليتها من أول امرأة تتقلد منصب رئاسة كوريا الجنوبية باك جون هاي. ونقل موقع جامعة ستانفورد على الإنترنت عن ميرزاخاني قولها: “هذا شرف كبير، سأكون سعيدة إذا شجع هذا عالمات الرياضيات الشابات”، مضيفة “أنا متأكدة من فوز المزيد من النساء بمثل هذه الجائزة في الأعوام القادمة”.

بهذه العبارات أرادت مريم أن تكون نقطة البداية لنجاحات المرأة في علم الرياضيات الذي مازال كثيرون يعتبرونه مجالا علميا رجاليا، مؤكدة على ثقتها في العالمات الشابات وفي الأجيال القادمة من المولعات بعلم الرياضيات بأنهن قادرات على رفع التحديات وكسب الرهان في الرياضيات، ولعلها أرادت أن تكون تجربتها نموذجا يشجعهن ويحفزهن على النجاح.

بعد فوزها بجائزة فيلدز لهذه السنة أصبحت ميرزاخاني رافعة لراية العنصر النسائي في علم الرياضيات في العالم، وقد أثار تتويجها ردود فعل عالمية إيجابية حول بروز المرأة في البحوث الرائدة في علم الرياضيات

خلال مسيرتها الدراسية حظيت ميرزاخاني بالتفوق والنجاح وتميزت في مجال الرياضيات منذ صغر سنها رغم أن هوايتها كانت المطالعة وحلمها الطفولي كان أن تصبح كاتبة مشهورة، كما اهتمت بمتابعة مسيرات تلفزيونية لمشاهير النساء في العالم اللاتي حققن صنوفا من النجاحات وبنين صروحا من المجد خلدن بها أسماءهن أمثال ماري كوري عالمة الفيزياء وهيلين كيلر الكاتبة الأميركية، وقد خلقت لديها قصصهن رغبة وطموحا في أن تحقق شيئا عظيما في حياتها.

بدأت مريم تعليمها الثانوي في مدرسة فارزنجين للفتيات حيث ظهرت علامات نبوغها وتفوقها وتابعت تعليمها في المنظمة الوطنية لتنمية المواهب الإستثنائية (NODET) في العاصمة الإيرانية طهران.

وبدأت تحصد نتائج نبوغها في الرياضيات منذ المرحلة الثانوية فقد فازت في دورتين متتاليتين من مسابقات الأولمبياد العالمية في الرياضيات؛ الأولى عام 1994 في هونغ كونغ وكان عمر مريم حينها 17 عاما وحصلت على الاعتراف الدولي بعد تلقي الميدالية الذهبية وسجلت 41 نقطة من 42، لتحتل المرتبة 23 لها بالاشتراك مع خمسة من المشاركين الآخرين، وفي الأولمبياد الدولي للرياضيات بمدينة تورنتو بكندا عام 1995 حصلت على الدرجة الكاملة 42 نقطة من أصل 42، لتحتل المرتبة الأولى بالاشتراك مع 14 شخصاً من المشاركين الآخرين، بعدها حصلت على شهادة البكالوريوس في الرياضيات من جامعة شريف التكنولوجية في طهران عام 1999.

ومكّنها نجاحها بمجموع عال من الدخول لأعظم الجامعات في العالم التي احتلت لسنوات المرتبة الأولى في تصنيفات أفضل الجامعات عالميا وهي جامعة هارفارد الأميركية حيث حصلت على شهادة الدكتوراه في الرياضيات عام 2004، تحت إشراف كورتيس مكمولن الحاصل على ميدالية فيلدز، وفي تلك السنة الجامعية كانت ميرزاخاني باحثة في معهد كلاي للرياضيات وأستاذة مشاركة في جامعة برنستون الأميركية، وفي سبتمبر 2008 أصبحت عضوا من هيئة التدريس بجامعة ستانفورد إحدى أكبر الجامعات العالمية أيضا، كأستاذة في الرياضيات.

وصفت مريم شغفها بالرياضيات بقولها: "إنه أمر ممتع يشبه حل الألغاز أو توصيل النقاط ببعضها البعض، شعرت أن هذا الشيء أستطيع القيام به وأردت الاستمرار في هذا الطريق"

وميرزاخاني هي أول شخص إيراني يصل لنيل هذه الجائزة وقد كانت أول فتاة إيرانية والوحيدة التي حصلت على ميداليتين ذهبيتين في أولمبياد الرياضيات في المرحلة الثانوية وهذا دليل قاطع على نبوغها في هذا المجال.

وفي جامعة هارفارد عرفت بين زملائها والأستاذ الذي أطرها في رسالة الدكتوراه الحاصل على جائزة فيلدز في الرياضيات عام 1998 كورتيس مكمولن بأنها شخصية مليئة بالأمل والحيوية والطموح، فهي تظل دوما متفائلة رغم الصعاب التي تعترضها في بحوثها وتواصل عملها بجدية وبثقة في النفس لدرجة لا تشعر فيها بالتعب ولا بالتشاؤم وقد وصفها أستاذها مكمولن بالشجاعة والطموحة، وهذه الصفات هي التي تقف وراء وصولها لنيل شرف جائزة فيلدز التي ظلت لسنوات حكرا على الرجال.

ووصفت مريم شغفها بالرياضيات بقولها: “إنه أمر ممتع يشبه حل الألغاز أو توصيل النقاط ببعضها البعض، شعرت أن هذا الشيء أستطيع القيام به وأردت الاستمرار في هذا الطريق”.

وبعد فوزها بجائزة فيلدز لهذه السنة أصبحت ميرزاخاني رافعة لراية العنصر النسائي في علم الرياضيات في العالم، وقد أثار تتويجها ردود فعل عالمية إيجابية حول بروز المرأة في البحوث الرائدة في علم الرياضيات، نذكر من بينها ردود فعل لأستاذات جامعيات مثلها حيث صرحت دام فرانسيس كيروان، عضو لجنة اختيار الحائزين على الميدالية من جامعة أكسفورد، في المؤتمر الدولي لعلماء الرياضيات، في لقاء مع أحدى القنوات التلفزيونية: “إنه رغم أن البعض يرى أن هذا المجال ‘مقتصر على الرجال’، فإن النساء يساهمن في الرياضيات على مدى قرون”، مشيرة إلى أن النساء يشكلن نحو 40 في المئة من الطلاب الجامعيين الذين يدرسون الرياضيات في المملكة المتحدة، غير أن هذه النسبة تنخفض عند مستوى الدكتوراه وما بعدها.

وأضافت: “آمل أن تلهم هذه الجائزة الكثير من الفتيات والشابات في هذا البلد وفي جميع أنحاء العالم للإيمان بقدراتهن وأن يضعن أمام أعينهن هدف الحصول على جائزة فيلدز في المستقبل”.

مريم ميرزاخاني تنحدر من مجتمع ذكوري بامتياز يمنح المرأة بعض حقوقها ويفرض وصايته على البقية وهو المجتمع الإيراني الذي مازال المتشددون فيه يعدون المرأة عورة

كما أعربت أليسون إثريدج، أستاذة جامعية محاضرة في مجال الرياضيات التطبيقية بجامعة أكسفورد، عن سعادتها الغامرة بحصول ميرزاخاني على الجائزة، وقالت: “المرأة تقوم بعمل جيد في الرياضيات الآن، وهذه الجائزة ما هي إلا تتويج لهذا العمل.. وسوف يلهب هذا خيال الجمهور، ونتيجة لذلك أعتقد أنه قد يؤثر في الجيل الجديد”.

ويبقى رد فعل الرئيس الإيراني حسن روحاني أكثر ردود الفعل التي أثارت جدلا حيث هنّأ ميرزاخاني، عالمة الرياضيات المكرمة على الصعيد العالمي، على حساب منسوب إليه على شبكة التواصل الاجتماعي تويتر، ونشر روحانى المحسوب على الإصلاحيين صورتين للعالمة الإيرانية إحداهما دون حجاب، وكتب على صفحته “مبروك مريم ميرزاخانى لكونك أصبحت أول امرأة تفوز بجائزة فيلدز، الإيرانيون يشعرون بالفخر اليوم لكون أول امرأة تفوز بتلك الجائزة امرأة إيرانية”، وقد أثار نشره لصورتها دون حجاب جدلا واسعا حول مقصده من وراء ذلك في بلد يرأسه وتتعرض فيه المرأة للمضايقات والتتبعات القانونية لو لم تلتزم بوضع الحجاب وتغطية شعرها، وتضطهد فيه حقوقها وحقوق المنادين بالمساواة بين الجنسين.

وعلق كثيرون على تهنئة روحاني لعالمة الرياضيات ميرزاخاني حيث تحدثت عديد الصحف ومنها البريطانية عن هجرة الأدمغة الإيرانية للخارج إلى جانب الحقوقيين إلى البلدان الغربية الديمقراطية التي تتيح لهم مجالا شاسعا للإبداع ولتحقيق الذات والتي تحيطهم بالظروف الملائمة لإظهار قدراتهم وكفاءتهم وتميزهم وهو ما يمثل خسارة علمية لإيران ويؤكد ضيق الآفاق فيها وغياب الديمقراطية وحقوق الإنسان.

يذكر أن عالمة الرياضيات مريم ميرزاخاني تحصلت على عديد الجوائز على المستوى العالمي؛ فإلى جانب إحرازها على جائزة فيلدز مؤخرا وفوزها بميداليتين ذهبيتين في الأولمبياد الدولي للرياضيات 1994 و1995، كرمها معهد كلاي للبحوث في الرياضيات عام 2004 و2014، وجائزة بلومنتال الأميركية للمساهمات القيمة في بحوث الرياضيات عام 2009، وجائزة جامعة هارفارد للعلماء الشبان في الرياضيات، وجائزة ساتر “satter” لرابطة الرياضيات الأميركية عام 2013، كما اختيرت كواحدة من أفضل 10 عقول شابة في أميركا عام 2005 من قبل مجلة “بوبيلار ساينس″.

20