مزاج سيء

الأربعاء 2017/02/22

في تعبير للكاتب الأرجنتيني ألبيرتو مانغويل يرى -عن حق- أن “أسوأ الكتب قد تلهم قارئها، على الأقل، فكرة مضيئة واحدة”، إذ لا تماثل حتى أكثر المصنفات رداءة وانحطاطا العدم والخواء، فثمة كلمات وجمل وتعابير مسترسلة يمكن أن تستثير أسئلة، أو تلهم حلولا ولو عبر نقائضها. لهذا أعتقد دوما أن الكاتب الذي يعمد إلى تخصيص مؤلَّف كامل ليحصي ما تضمنه مصنف آخر من أخطاء معرفية واستدلالية، ويبين أبواب القصور في الاستقصاء، ومفاسد التحليل، وهنات اللغة، وما إلى ذلك من مراتب الخلل، لأجل الخلوص إلى نفي أي معنى عنه، فإنما يهدر، في الحقيقة، وقتا ثمينا ليصور مزاجه السيء، الذي يستطيع ترطيبه باستكانة بسيطة إلى صمت راسخ، يوجع ولا يؤذي، ويكون مفعوله أشد أثرا ونفاذا من تحبير كل تلك الصفحات المضنية.

والشيء المؤكد أن الدراسات العلمية والأدبية والفكرية تحتاج إلى مراجعات، تنخرط في تحليلات ومساءلات لمضمون أطروحاتها، عبر مقالات منجمة في الدوريات والصحف، بيد أنه يبدو عبثيا إلى حد كبير تخصيص كتاب مرهق لتقليب مواجع كتاب آخر، مهما كان وضع صاحبه وخطورة ما تضمنه من أفكار، لذا غالبا ما لا تحظى “كتب الردود” بقيمة تداولية كبيرة ولا بانتشار واسع، بل غالبا ما يزهد القارئ في اقتنائها بمجرد اطلاعه على فقراتها الأولى، من منا يذكر اليوم كتاب “التنبيه على أوهام أبي علي القالي في أماليه” لصاحبه أبي عبيد البكري، نذكر فقط كتاب “الأمالي”، ومن يذكر الكتب العديدة التي ألفت للرد على كتاب “في الشعر الجاهلي” لطه حسين، أو تلك التي صنفت، للرد على كتب لا تخفى قيمتها المعرفية والتحليلية العميقة لأدوارد سعيد، وتودوروف، وعبدالله العروي، ومحمد عابد الجابري وغيرهم كثير.

والجدير بالذكر في هذا السياق أن عددا كبيرا من هذه التصانيف بات يكتبها اليوم مبتدئون ممن لا شهرة لهم ولا قيمة معرفية، في حقول الأدب والفكر والعقيدة. وتتقصد، في أغلبها، تتبع مباحث الكتب المراجعة، (فقرة فقرة، وهامشا هامشا)، والسعي إلى توضيح ضعف منطقها، مع ما يستدعيه مثل هذا السعي، من تجزئة واستدعاء للتفاصيل، وتأويل للخلفيات. ذلك أن القاسم المشترك لأغلب هذه الكتب سمتها التلفيقية التي تقف عند العتبات الصغرى، ونبرتها التبخيسية للعمل المنقود، وكأن الهدف هو إعدام سمعة الكاتب لا البناء على جهده المعرفي، وهي ظاهرة انتشرت بشكل كبير في العالم العربي، بالنظر إلى بنية التداول المعرفي داخله، المتسمة بطابعها التقليدي المغلق، والشديد التزمت، وانجذابها الأثيل إلى السجال والزوابع الكلامية، التي لا تقبل بغير تفنيد الكتابات المشكوك في نواياها، والشهيرة بأصحابها عبر المتن الطويل الممل. أليس لسان العرب طويلا؟

كاتب من المغرب

15