مزارعو الأفيون في افغانستان يستعدون لجني محصول مربح

الخطر يساور زراعة الأفيون في أفغانستان على عكس ما يعتقد البعض بأن الانفلات الأمني يساعد المزارعين في كسب مال وفير من زراعة هذه النبتة المخدرة والتي يتحكم فيها بارونات وعصابات تجعل من المزارعين رهينة لسلطانهم.
الجمعة 2016/04/15
أينعت وحان قطافها

كابول ـ في الوديان العميقة التي تخترق جبال أفغانستان الشامخة يستعد مزارعو الخشخاش لجني محصولهم من الأفيون، رجال ينتشرون وسط المزارع المحرمة أجبرهم الفقر وضيق الحال، غير آبهين بمخاطر المواد المخدرة التي مزقت بلادهم التي تساهم بثلاثة أرباع إنتاج العالم من الأفيون والهيروين.

وأفغانستان هي المنتج الأول في العالم للأفيون الذي يبدأ موسم حصاده في هذه الأيام من شهر أبريل، والذي يشكل الزراعة الأمثل لسهولة زرعه وحفظه وتسويقه كما أنه يعتبر الأكثر ربحا من الزراعات الأخرى حيث يباع بسعر محدد سلفا ويسلم للمشتري في مكان زراعته.

رجال وأطفال وسط سيقان النبات المرتفع إلى مستوى الصدر، يحملون في أيديهم أدوات حادة صغيرة مكونة من قطعة خشب مقوسة على رأسها أربع شفرات رفيعة، تستخدم لتشريط راس الخشخاش.

المزارع حاجي عبدالحكيم وعد نفسه في الموسم الماضي بأن يزرع الأفيون الذي يباع الكيلوغرام منه بمئتي دولار بدل الفاصوليا التي لا تجلب له سوى دولار واحد ثمنا للكيلوغرام، وإذا كان الهكتار الواحد يعطي 18كيلوغراما من الأفيون، فإن ذلك سيعينه على إعالة عائلته المتكونة من ستة عشر فردا.

حاجي يستعد مع عدد من أطفاله لعملية الجني الشاقة يتنقل من شجرة إلى أخرى، يحتضن كل واحدة في يده اليسرى ليرسم عليها، باليمنى، خطوطا مائلة بواسطة الشفرات لاستخراج مادة الأفيون يقول “لا يمكنك أن تضغط بعمق، وإلا يجفّ الراس بعد جرح واحد عميق”، تتحرك يداه بخفة ومهارة، متنقلتين من رأس أفيون إلى آخر، مضيفا أنه “بإمكاننا

العودة لتشريط كل واحد منها أربع مرات أو خمسا”.

ويوجد في أفغانستان ما يقارب 123 ألف هكتار من الخشخاش، يقوم على زراعتها حوالي 250 ألف عائلة، فهي تنتج وحدها حوالي 80 بالمئة من إجمالي إنتاج خشخاش العالم، حيث تمارس زراعته في 28 إقليما من مجموع أقاليم البلاد الاثنين والثلاثين.

ويقول المزارع كريم عزيز “في السنوات الماضية كنا نزرع القمح والشعير والبعض كان يزرع الأرز، ولكن هذه المحاصيل بحاجة إلى عناية كبيرة، الأفيون لا يحتاج إلى جهد كبير، إنه لا يحتاج إلى تخليص الأرض من الأعشاب الضارة، ثم ما إن يتمّ الحصاد حتى تمتلئ القرية بالمشترين حيث يباع بسعر محدّد سلفا.

جني السموم

ويمكن أيضا تخزين الأفيون لوقت أطول من الفاكهة والخضار التي قد تتلف بسرعة إذا حالت الظروف دون القدرة على بيعها. كما أن زراعة الأفيون تتطلب كميات قليلة من مياه الري مقارنة بالقمح، ويدرّ عائدات تزيد بأربعة أضعاف عن عائدات القمح، أكبر محاصيل البلاد. وبدأت عملية زراعة الأفيون في أفغانستان في العام 1979 على يد الفصائل المسلحة التي كانت تحارب الاتحاد السوفييتي.

ومع أن زراعة الأفيون تدرّ عائدات عالية تصل إلى ملياري دولار بحسب مكتب الأمم المتحدة، إلا أن الموارد التي يحصل عليها المزارعون تعدّ ضئيلة جدا نسبيا.أما أكبرالمستفيدين، فهم المهربون وعناصر طالبان من جهة، وأمراء الحرب السابقون المتحالفون اليوم مع الرئيس حميد كرزاي من جهة أخرى، وتربط هؤلاء جميعا أحيانا شبكة واحدة من المصالح.

ويقول جان لوك أومايو مدير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة في أفغانستان “يأتي تجار الأفيون إلى المزرعة، ويوفرون البذور، ويدفعون النفقات، ثم يعودون عند الحصاد”، في الوقت الذي يطرح تسويق الخضار أو القمح مشاكل بسبب بعد الأسواق ومخاطر الطريق.

ويقول خبير كبير في الشؤون الأفغانية، إن استئصال زراعة الأفيون يجب أن يأتي في الترتيب الثاني، بعد القضاء على تجار المخدرات وتدمير المعامل التي تحوّل الأفيون الخام إلى مورفين وهيروين.

ونقل بانيت روبين، مدير مركز التعاون الدولي بجامعة نيويورك عن مسؤول كبير في الحكومة الأفغانية قوله “إن تجار المخدرات هم الذين يصنعون مزارعي الأفيون”، وليس العكس.. إذ يأخذ الفلاحون الذين يزرعون قروضا مسبقة من تجار المخدرات قبل موسم الزراعة، ومن المعروف أن الأفيون محصول شتوي، ثم يسددون القروض في الربيع اعتمادا على سعر الكيلو من معجون الأفيون الخام. والأسعار كثيرة التذبذب، وفي حال انخفاض سعر معجون الأفيون عن سعره في العام السابق، يصبح المزارعون مدينين بصفة دائمة لتجار المخدرات المهيمنين على سوقها، ومثل هذا الدين قد يترتب عليه “بيع″ابنة المزارع إلى تاجر المخدرات أو زعيم العصابة.

ويجمع الخبراء على أن مكافحة تجارة المخدرات على المدى الطويل تقتضي إيجاد مصدر بديل لكسب الرزق بالنسبة لمزارعي الأفيون.. ويجب ألّا يقتصر هذا البرنامج على زراعة محاصيل مشروعة، بل يشمل حسابات ائتمان للحصول على البذور والأسمدة وضمان تسويق المحاصيل بأسلوب ناجح.. وربما تتسبب حملة صارمة ضدّ تجارة المخدرات، خاصة تلك التي تركز على تدمير المحصول، في ردود فعل عكسية تهدد الحكومة الأفغانية الضعيفة.

20