مزارعو "عنب النبيذ" في الجزائر يواجهون شبح الإفلاس في حضرة كورونا

كورونا يضرّ بتجارة النبيذ الجزائري الشهير الذي يعد إنتاجه ثاني أهم إنتاج في القارة الأفريقية.
الأربعاء 2020/09/16
انتاج متراجع

الجزائر - يواجه قطاع صناعة النبيذ في الجزائر أحلك فتراته منذ عقود بسبب تفشي جائحة فايروس كورونا، التي أثرت على مختلف مناحي الحياة في الجزائر على مدى أشهر.

ودرج دحمان حماموش وهو صاحب مصنع نبيذ في منطقة وهران الجزائرية، على عادة الاستيقاظ مبكرا على مدى خمسة عشر عاما لإنتاج النبيذ رغم الصعوبات لكنه الآن بات يتأخر قليلا لأن فايروس كورونا المستجد يلقي بثقله على هذا القطاع.

وفي مناطق غرب الجزائر الواسعة، اعتاد مزارعو الكروم مواجهة التغيرات المناخية ومخاطر أمراض النباتات أو حتى نقص اليد العاملة.

وفي حين كان يرتقب أن تفيض الكروم هذا العام بالنشاط خلال موسم القطاف، بقي العديد منها مهجورا لذلك انخفض محصول الكروم خاصة بعد صيف حارّ بشكل غير عادي وكذلك نقص القطافين، والمعظلة الأكبر تفشي كورونا ليسجل هذا القطاع أسوأ عام له منذ عدة عقود.

وقال حماموش متحسرا "لا يمكننا الصمود على هذا النحو، إذا استمر شهرًا أو شهرين آخرين، فلن نصمد"، مؤكدًا أن شركته الزراعية لإنتاج الكروم والنبيذ التي تم أنشاؤها عام 2004، تواجه بالفعل "صعوبات في دفع الرواتب".

وسبب المشكلة، حسب قوله، القيود المرتبطة بمكافحة فيروس كورونا التي تحظر،  دون مبرر رسمي، بيع الخمور في متاجر التجزئة، بينما استؤنف جزء كبير من الأنشطة التجارية والصناعية تدريجياً بعد خمسة أشهر من الحجر. وتم السماح بإعادة فتح المقاهي والمطاعم في 15 أغسطس.

واقترح مُنتج النبيذ في سيدي بلعباس على بعد أكثر من 400 كيلومتر جنوب غرب الجزائر العاصمة، أن "ترفع الحكومة القيود على توزيع الكحول لإنعاش نشاطنا الاقتصادي". وقال بحزن "متوقفون" عن العمل.

وعبر المدير المالي للشركة غانم بوحة عن أمله في "مشاركة البنوك في مساعدة القطاع بالقروض لمواجهة هذه الأزمة التي نأمل أن تكون مؤقتة".

وتحول شركة حماموش العنب الذي ينتجه مزارعو الكروم من مناطق سيدي بلعباس ومعسكر وتلمسان ومستغانم وعين تموشنت، حيث أجود أنواع العنب التي ينتج منها النبيذ الجزائري الشهير الذي يعد إنتاجه ثاني أهم إنتاج في القارة الأفريقية بعد جنوب إفريقيا.

تقاعس عن العمل بسبب الأزمة
تقاعس عن العمل بسبب الأزمة

لكن انتاج عام 2020 لا يبدو أنه سيكون الأفضل. وقال عتو الذي يعمل في قطف الكروم ويبلغ 20 عاما، "الانتاج ليس كالمعتاد، لدينا محصول أقل بكثير هذا العام بسبب الصيف الحار. عادة، هناك الكثير من العنب".

وعتو واحد من قاطفي عنب النبيذ القلائل في الجزائر حيث كانت صناعة النبيذ تعاني من أزمة وجودية حتى قبل ظهور فايروس كورونا المستجد في نهاية عام 2019. فقطاف العنب هي مهنة صعبة للغاية تجذب عددًا أقل من عمال المزارع العاملين باليوم.

وأوضح دحمان حماموش "كل موسم نجد صعوبة بسبب قلة قاطفي العنب" ونتيجة لذلك، يتخلى العديد من أصحاب الحقول عن كرومهم.

وتساءل الزّين البالغ 38 سنة، وهو يقوم بقطاف العنب بسيدي بلعباس " لماذا لا يعمل الناس في أرضهم؟ في السابق كان الجميع يعمل في الأرض دون أي مشكلة. الآن لم يعد هذا هو الحال. هل هذا لأن العمل يتطلب الكثير من الجهد"؟

وقال "زراعة الكروم آيلة للزوال".

ومع ذلك فإنها ليست المرة الأولى التي يواجه فيها قطاع النبيذ صعوبات. فبعد تسعة أعوام من استقلال المستعمرة الفرنسية السابقة عام 1962، علقت فرنسا استيراد الخمور الجزائرية بعد أزمة سياسية.

وبعد ان فشلت محاولات إيجاد منافذ جديدة لبيع فائض الإنتاج، قرر الرئيس هواري بومدين في عام 1971 اقتلاع 40 بالمائة من الكروم الموجهة لصناعة النبيذ، لكن منطقة وهران لم يشملها القرار إلى حد كبير.

وتسبب هذا القرار الذي تم اتخاذه على مضض، في حرمان الجزائر من ثاني مصدر للعملات الأجنبية بعد المحروقات.

وحدثت موجة ثانية كبيرة من الاقتلاع خلال العشرية السوداء (1992-2002) ، حيث أسفرت الحرب الأهلية الدموية 200000 قتيل على الأقل.

وقام الفلاحون الصغار باقتلاع كروم النبيذ سواء عن قناعة، بما إن الاسلام يحرم شرب الخمور، أو خوفًا من انتقام المجموعات الاسلامية المسلحة.

وتغطي زراعة الكروم الجزائرية التي يعود تاريخها إلى العهد الروماني، ما يقرب من 70 ألف هكتار مقابل أكثر من 350 ألف هكتار أثناء الاستعمار الفرنسي. واعتبر بوحة أنه "يجب إطلاق خطة زراعية وطنية لمساعدة الفلاحين على إعادة زراعة عنب النبيذ".

كما يأمل المنتجون مساعدة الدولة لتطوير نشاطهم من أجل ضمان توفير المنتج للاستهلاك المحلي.

ووفقًا لجمعية منتجي المشروبات الجزائرية، بلغ معدل الاستهلاك 1,4 لتر للفرد في عام 2017، في بلد يفوق عدد سكانه 43 مليون نسمة أغلبهم مسلمين.