مزارع الرياح تدخل مصر عصر الطاقة المتجددة

محطة جبل الزيت المصرية تعتبر أكبر مشاريع توليد الكهرباء عبر الرياح، والطيور المهاجرة تهدد طاقة الرياح في مصر.
الأربعاء 2018/09/05
مصر تريد تنويع مصادر الطاقة من الطبيعة

باتت مصر ضمن قائمة الدول الرئيسية في إنتاج الكهرباء المتجددة، بعد افتتاح محطة رياح ضخمة في يوليو الماضي بمنطقة جبل الزيت قرب البحر الأحمر، مستغلة سرعة الرياح التي تتجاوز مستويات عالية معروفة عالميا، كما تتمتع مصر بموارد طاقة رياح وفيرة، خاصة في خليج السويس ووادي النيل، تسعى لاستغلالها في زيادة الاعتماد على الطاقات الجديدة والمتجددة، وأضحت مزارع الرياح المصرية محل إشادة دولية حيث تعدّ من أكبر المشاريع لإنتاج الطاقة البديلة في العالم

تقف أمامك التوربينات البيضاء أو طواحين الهواء، وهو الاسم الشعبي الذي اختاره العامة بسبب تشابهها مع الطواحين الهولندية الشهيرة المختصة بطحن القمح والشعير، متراصة بدقة وحرفية شديدة على خطوط طول ممتدة تتحسس فيها اتجاه الرياح وسرعتها لتحويل تلك الطاقة المتجددة إلى كهرباء.

ترتبط حركة التوربينات بمولدات ضخمة تقوم بتحويل الطاقة الحركية الناتجة عنها إلى طاقة كهربائية، من خلال ربطها بشبكة موحدة، يتم فيها ضخ القدرة الكهربائية المولدة من مزارع رياح جبل الزيت إلى مختلف أنحاء البلاد.

رسائل شاملة

لم تتعامل الحكومة المصرية مع المحطة الضخمة على أنها مشروع تنموي عملاق يهدف إلى إنتاج أوسع للطاقة فقط، بل لأنها على يقين من أن مثل هذا المشروع يحمل في طياته أبعادا سياسية واجتماعية، حيث تؤكد أن المشروعات التي أنفقت عليها المليارات بدأت تجني ثمارها، ما يعزز موقف الحكومة في مواجهة موجات غضب شعبية مستاءة من زيادة الأسعار وغلاء المعيشة.

والأهم أنها بعثت برسائل طمأنة للطيف الشعبي تؤكد من خلالها الرغبة في تحقيق تنمية مستدامة في مجال الطاقة، بعدما واجهت مصر أزمة كهربائية طاحنة في السنوات الأخيرة، بسبب انقطاع التيار المستمر عن عدد كبير من المنازل والمصانع.

وتستهدف مصر من وراء استراتيجيتها للعام 2035 أن تسهم الطاقة الجديدة بنحو 40 بالمئة من إجمالي الكهرباء المنتجة بالبلاد، وتأتي أهمية موقع جبل الزيت من اختياره لإقامة أكبر مزرعة لطاقة الرياح، حتى تتواكب مع خطط تنويع مصادر إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، بدلا من حرق البنزين والسولار والغاز في محطات إنتاج الكهرباء التقليدية، والمعروفة بالمحطات “الهيدروليكية”.

وقد عانت مصر من انقطاع التيار الكهربائي لمدد وصلت في بعض المناطق إلى نحو إحدى عشرة ساعة يوميا، قبل أن تدشن خططها لزيادة محطات إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة. وحرص الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في أول فترة رئاسية على بناء أكبر عدد من محطات توليد للكهرباء، تجنبا لتلك الظاهرة وللحصول على رضاء شعبي واسع، وأعلن في أول مؤتمر اقتصادي خلال عهده، في مارس 2015، عن تدشين أكبر محطة لإنتاج الوقود بالتعاون مع شركة “سمينز” الألمانية والتي دخلت الخدمة خلال الشهر الماضي بقدرة تصل إلى نحو 14 ميغاواط، وتعادل تقريبا نصف إنتاج البلاد من الكهرباء.

وتنقسم منطقة جبل الزيت إلى ثلاث مزارع عملاقة مساحتها الإجمالية تصل إلى نحو 1200 كيلومتر تنتج كل مزرعة نحو 200 ميغاوات من الكهرباء، بخلاف ثلاث مزارع أخرى تقع في نطاق خليج السويس، وبنفس الطاقة الإنتاجية.

وتبلغ مساحة الأراضي القابلة لإقامة مزارع لإنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة سواء كانت طاقة شمسية أو طاقة رياح بمصر نحو 7600 كيلومتر، وفق خطة وزارة الكهرباء والطاقة.

مجدالدين المنزلاوي: هناك مزارع رياح جديدة سيتم تدشينها في غرب نهر النيل بمحافظة المنيا، بعد أن باتت البيئة مواتية للاستثمار في هذا القطاع
مجدالدين المنزلاوي: هناك مزارع رياح جديدة سيتم تدشينها في غرب نهر النيل بمحافظة المنيا، بعد أن باتت البيئة مواتية للاستثمار في هذا القطاع

وقال وائل النشار، رئيس مجموعة “أونيرا سيستم” لإنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة، إن مصر تستهدف إنتاج 5700 ميغاوات من الكهرباء من طاقة الرياح بحلول العام 2027. وأضاف في تصريحات لـ“العرب” أن “أطلس الرياح يجعل منطقة الزعفرانة على البحر الأحمر والجزء الغربي من خليج السويس أهم مناطق لمزارع الرياح في البلاد”.

وتبدأ جدوى تأسيس مزارع توربينات الرياح عند سرعات الرياح التي تبدأ من ثمانية إلى نحو عشرة أمتار في الثانية، ويشير أطلس الرياح المصري إلى أن سرعة الرياح في منطقة الزعفرانة تبدأ من 14 وتصل إلى نحو 18 مترا في الثانية، ما يجعلها تتصدر إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح في منطقة الشرق الأوسط.

ورغم تدشين مزارع الرياح في منطقة جبل الزيت منذ سنوات، إلا أن إنتاجها لم يدخل الخدمة سوى إبان الشهر الماضي، بسبب بعض المشكلات، فكان هناك اعتقاد بعدم جدوى مثل هذه المشروعات قبل 3 نوفمبر عام 2016، وهو بداية تحرير سعر صرف العملة المصـرية (الجنيـه)، وترشيد دعـم المحروقات.

وتسبب دعم القاهرة للمحروقات لعقود ماضية في إجهاض جميع مشروعات إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، وشوّه الدعم هيكل تسعير المنتجات وباتت أسعار الوقود التقليدي، بنزين وسولار وغاز، أرخص بكثير من سعرها الحقيقي، وأدى استخدامها في محطات توليد الكهرباء إلى رخص سعر كيلووات الكهرباء المنتج من هذه المصادر الناضبة، مقارنة مع أي مصدر آخر.

تعطل الإنتاج

فتح باب إلغاء دعم الطاقة بمصر الطريق أمام مشروعات إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة، وتزامن معها إصدار القاهرة لتعريفة شراء الحكومة للكهرباء المنتجة من طاقة الرياح من القطاع الخاص لأول مرة.

وقبل إصدار هذه التعريفة لم يكن القطاع الخاص قادرا على بيع الكهرباء المنتجة من جميع المصادر المتجددة للحكومة، واقتصرت هذه المشروعات على الاستخدام الشخصي فقط في المزارع والمنازل والمواقع النائية التي لم تدخلها الكهرباء.

وتبدأ أسعار تعريفة شراء الحكومة للكهرباء المنتجة من طاقة الرياح من 7. 96 دولار لكل كيلووات في الساعة عند تشغيل التوربينات بطاقة 2500 ساعة للمحطة الواحدة، ويتوقف ذلك على عدد التوربينات بكل مزرعة رياح، وتنخفض الأسعار إلى نحو 4 دولارات لكل كيلووات في الساعة للمحطات الكبيرة التي يتجاوز عدد ساعات تشغيلها لأكثر من 5000 ساعة.

أما بالنسبة للظروف الخارجية التي حالت دون تشغيل هذه المحطات بجبل الزيت لسنوات، فترجع إلى أن منطقة جبل الزيت التي تعد خط سير رئيسي لمسار هجرة الطيور، وثاني أهم مسار لهجرة الطيور الحوامة على مستوى العالم.

وتشهد مصر موسم هجرة الطيور كل عام، بدءا من منتصف أغسطس وتستمر حتى منتصف نوفمبر، وهى فترة وصول الطيور المهاجرة وتمر على البلاد في طريق العودة من منتصف مارس وحتى نهاية أبريل من كل عام. وتم توجيه الاتهامات لتوربينات الرياح العملاقة في جبل الزيت بقتل الطيور، الأمر الذي هدد بوقف المنح والتمويلات لمصر من الاتحاد الأوروبي، وتعطيل عمل المشروع لسنوات.

وتمر بمنطقة جبل الزيت نحو 37 نوعا من الطيور الحوامة “الجارحة” وتشتمل النسور والصقور النادرة وغيرها من الطيور الجارحة، كما يمر بالبلاد بين مليون ونصف إلى مليوني طائر سنويا خلال موسم هجرة الطيور، وهي قادمة من أوروبا وشمال آسيا.

وتمر في خط هجرتها على سيناء وبالتحديد بمنطقة رأس محمد، وتصل حتى مضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر، فيما يواصل بعضها السفر إلى أفريقيا، وتقوم بعملية التشتية والتكاثر، ثم تعود مرة أخرى في فصل الربيع.

وقامت وزارة البيئة بمصر بالتعاون مع هيئة المعونة الألمانية بحل تلك المشكلة التي ظلت تؤرق القاهرة على مدى سنوات، من خلال تركيب أجهزة رصد “رادارات” في مناطق تبعد عن موقع توربينات جبل الزيت العملاقة، وترصد تلك الأجهزة حركة سرب الطيور، وعند اقترابها من المنطقة بنحو خمس دقائق تعطل هذه الأجهزة عمل التوربينات نهائيا، ثم تشغلها إلكترونيا بعد عبور السرب من منطقة التوربينات بسلام.

ووصلت تكلفة المشروع لنحو ملياري يورو وفرتها كل من مؤسسة التمويل الدولية الذراع الاستثمارية للبنك الدولي وهيئة المعونة الألمانية والمعونة الفرنسية، وأعاد هذا المشروع الألق مجددا إلى مزارع رياح جبل الزيت وحل مشكلة كانت تؤرق مصر عالميا.

وقال مجدالدين المنزلاوي، رئيس جمعية مستثمري الطاقة المتجددة إن حل مثل هذه المشكلات حفز المستثمرين الأجانب على ضخ استثمارات في مجال إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح.

أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في أول مؤتمر اقتصادي خلال عهده، عن تدشين أكبر محطة لإنتاج الوقود بالتعاون مع شركة {سمينز} الألمانية والتي دخلت الخدمة الشهر الماضي بقدرة تصل إلى 14 ميغاواط
أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في أول مؤتمر اقتصادي خلال عهده، عن تدشين أكبر محطة لإنتاج الوقود بالتعاون مع شركة "سمينز" الألمانية والتي دخلت الخدمة الشهر الماضي بقدرة تصل إلى 14 ميغاواط

وأضاف في تصريحات لـ“العرب” أن هناك مزارع جديدة سيتم تدشينها في غرب نهر النيل بمحافظة المنيا (جنوب مصر)، إذ باتت البيئة مواتية للاستثمار في هذا القطاع.

ووقعت القاهرة والرياض اتفاقا للربط الكهربائي بطاقة 3000 ميغاوات، وبموجبة تصدر مصر للسعودية الطاقة الكهربائية الزائدة عن استخدامها، مما يفتح أفاقا جديدة للاستثمار في مجال الطاقة، ومن المتوقع أن يدخل الربط الكهربائي مع السودان خلال الفترة القليلة المقبلة، بطاقة 200 ميغاوات.

وتصل ذروة استهلاك الكهرباء في مصر نهارا، وتحقق فائضا أثناء الليل نظرا لتراجع الاستهلاك، ويتم تصدير هذا الفائض للسعودية، بدلا مـن أن تصبح طاقة فائضة غير مستغلة. وأعلنت وزارة الكهرباء أن الطاقـات الفائضة عن الاستهـلاك وصلت لنحو 8000 ميغاوت رغـم زيادة الاستهلاك في فصل الصيف، ويرجع ذلك إلى محطات الإنتاج التي دخلت الخدمة بشكل مكثف في الفترة الماضية.

وقال محمد شاكر وزير الكهرباء لـ“العرب” إن “وزارة الكهرباء تدرس حاليا إمكانية تعزيز عمليات الربط الكهربائي بين مصر وقبرص خلال الفترة المقبلة لنتمكن من خلاله من تصدير فائض الكهرباء من مصر إلى قبرص ومنها إلى أوروبا”.

وعزز أيضا من أهمية الاستثمار في مجال الطاقة المتجددة الارتفاعات المتتالية في أسعار النفط عالميا، وسعي القاهرة نحو تحرير أسعار الطاقة، ما يجعل مصر قبلة الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة، في ظل التوسع في المشروعات الاستثمارية التي ترفع الطلب على استهلاك الطاقة من جهة واتفاقيات الربط مع الدول العربية والأوروبية من جهة أخرى التي تشجع على تصدير الطاقة.

وأعلنت هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة التابعة لوزارة الكهرباء والطاقة مؤخرا، عن تأهل ثلاث شركات عالمية، هي بيسفاس الدنماركية وسيمنس وسنفيون الألمانيتين، للمنافسة على إنشاء محطة جديدة لتوليد الكهرباء من الرياح بمنطقة جبل الزيت في خليج السويس، بقدرة 250 ميغاوات، وكانت ستة شركات قد سحبت كراسات شروط المشروع وتقدمت بمظروفها الفني وسابقة الأعمال.

وتبلغ التكلفة الاستثمارية للمشروع نحو 250 مليون يورو ممولة من ثلاث مؤسسات أوروبية وهي بنك التعمير الألماني وبنك الاستثمار الأوروبي والوكالة الفرنسية للتنمية. وسيمنس وسنفيون الألمانيتين، للمنافسة على إنشاء محطة جديدة لتوليد الكهرباء من الرياح بمنطقة جبل الزيت في خليج السويس، بقدرة 250 ميغاوات، وكانت ست شركات قد سحبت كراسات شروط المشروع وتقدمت بمظروفها الفني وسابقة الأعمال.

وتبلغ التكلفة الاستثمارية للمشروع نحو 250 مليون يورو ممولة من ثلاث مؤسسات أوروبية وهي بنك التعمير الألماني وبنك الاستثمار الأوربي والوكالة الفرنسية للتنمية.

12