مزج الدين بالسياسة تزييف لصورة الإسلام الحقيقية

الجمعة 2015/01/09
لم يقدم الإسلاميون المتطرفون إلى العالم صورة نقية للإسلام، بل أظهروه كدين عنف وإرهاب

التعاطي السياسي مع ظاهرة الإسلام السياسي ضخّم الظاهرة في حد ذاتها، حتى أن المعنيين بالقضايا السياسية في الوطن العربي عموما وخاصة في دول “الربيع” اتجهوا في معالجتهم لانتشار الفكر الإسلامي ـ السياسي إلى الأبواب “البرامجية” في الاقتصاد والإدارة والمالية…، و تناسى العديد منهم معالجة هذا التيار من داخل النسق الفكري. وفي هذا السياق، يتنزل كتاب المفكر المغربي إدريس الكنبوري “الإسلاميون بين الدين والسلطة” لإضاءة جملة من النقاط حول التعاطي الفكري والثقافي وحتى العقدي مع الإسلام السياسي.

يقر المؤلف إدريس الكنبوري منذ مقدمة الكتاب بأن التركيز على موضوع الإسلام السياسي الذي أعاد انتشاره سريعا من موقع المفعول به سلطويا إلى موقع الفاعل، كان أساسا من خلال النخب السياسية التي تصدرت المشهد لاحتكار مهمة الصراع من أجل الدولة والحداثة والمواطنة.

وقد استغلت تلك النخب القوة الإعلامية التي يجب أن تتوفر لدى أي قوة سياسية تريد التواجد على الساحة، فيما “استقالت” النخب الأكاديمية والفكرية نوعا ما من وظيفتها المتمثلة في معالجة قضية الإسلام السياسية، وحتى وإن وجدت أصوات تدافع عن القيم الإنسانية الحديثة، فهي أصوات خجولة ومرتبكة.

وفي هذا السياق، يقول الكاتب إننا “صرنا ننظر إلى الإسلام السياسي على أنّه مجرد حركة سياسية في الواقع السياسي، ممّا ضخّم التعاطي السياسي معه، وقلّص من التعاطي الفكري والثقافي والعقدي. ولأنّ البعد الفكري والثقافي والعقدي غاب في معالجة ظاهرة الإسلام السياسي، فقد ساد التقليد الذي يقول إنّ هذا التيار لا يهمّ الأمّة، بجميع مكوناتها الفكرية، بقدر ما يهمّ السياسيين، ولذلك، بدل طرح السؤال: ماذا سيفعل الإسلام السياسي في السياسة والاقتصاد؟ يتوجب أولا طرح السؤال الآخر: ماذا سيفعل هذا التيار في الإسلام نفسه؟”

وهم الدولة الإسلامية تأتى من القراءة السطحية للإسلام التي اختزلت الدين في مجرد صراع بين رجل الدين والحاكم

وقد أراد الباحث المغربي من خلال تقسيمه المنهجي لمؤلفه أن يتعرض إلى الثغرات التي تركتها طريقة المواجهة بين “المدنية والإسلامية” خاصة على المستوى التاريخي وعلى المستوى النظري لمسألة الدولة الإسلامية.

وفي إطار الحديث عن “الإسلام والتحوّل التاريخي الكبير في العصر الحديث”، يلاحظ المؤلف أنه “طوال التاريخ الإسلامي ظلّ العلماء الفئة التي أُوكلت إليها مهمة الإصلاح، وهي مهمة كانت تعمل في اتجاه مزدوج: اتجاه السلطة السياسية عبر النصيحة أو النقد أو حتى الدعوة إلى التمرد أو الخروج بالمصطلح الفقهي في حال انسداد القنوات مع السلطان، واتجاه المجتمع عبر التربية والتعليم والإفتاء والخطابة” وما سواها.

إلا أنّ القضاء على سلطة العلماء في العصر الحديث، أي في مرحلة ما بعد الاستعمار في البلدان العربية، كان في جزء منه أحد العوامل المساعدة على ظهور الحركات الدينية الإسلامية، “لسد فراغ لم يكن مقبولا أن يظلّ شاغراً”. فقد “أغلقت الدولة الوطنية الحديثة باب حرية القول والكلام أمام العلماء، ومنعتهم من أداء دورهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فوق المنابر، فكان من الطبيعي أن تظهر جماعات تريد القيام بالدور نفسه، لكن من تحت الدهاليز وفي إطار العمل السرّي والمسلح”.

إنّ النقاش حول الإسلام عموما، وحول موقعه من الدولة على وجه التحديد، قد أريد له الغياب منذ ميلاد هذه الدولة الحديثة في مرحلة ما بعد الاستعمار، وهذا الغياب أدى إلى تصاعد النزعة الدينية بأشكال أخرى وفي مواقع أخرى، “فقد نشأت الدولة العربية الحديثة على عجل” وارتبط ذلك الاستعجال بهدفين أساسيين حسب الكاتب: الهدف الأول هو الإسراع في رسم الحدود السياسية بشكل لا يتمّ المساس بها لاحقا، والهدف الثاني هو الحيلولة دون صعود أو إشراك أي قوى اجتماعية/سياسية في السلطة، لا سيما علماء الدين أو “النخبة التقليدية” بمنطوق البعض، لأن أغلب تلك النخب التقليدية كانت قد تحالفت مع الاستعمار في وقت سابق.

لذلك استأثر مفهوم الدولة الإسلامية بالقسط الوافر من اهتمامات الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي كردة فعل على “تغييب” دور الدين في نشأة الدولة الوطنية الحديثة بعد الاستعمار، ومن كثرة تكراره والإلحاح عليه، تكرس لدى ما يسمى اليوم “شباب الصحوة والجيل الجديد من الإسلاميين” وهم يقول إنّ الدولة الإسلامية كانت قائمة طيلة تاريخ الإسلام، وإنّ الإسلام جاء فقط من أجل بناء دولة يحكم من خلالها.

تصدر السياسيين للمعركة ضد الإسلام السياسي غلب التعاطي الفكري مع الظاهرة وعوم المعركة بالتفاصيل

ولا غرو أنّ الحركات الإسلامية أضاعت جهود الكثير من أبنائها في مراودة حلم هذه الدولة، والوصول إلى الحكم حتى جمّدت العديد من المستويات الأخرى الأهم في الدين وصبّت كلّ تلك الجهود في مستوى وحيد فقط هو السلطة.

ويقول الكاتب في هذا الإطار إن وهم الدولة الإسلاميّة تأتى من القراءة السياسيّة السطحيّة لتاريخ الإسلام، التي اختزلت التاريخ الإسلامي كله في مجرد صراع بين حكام على السلطة والدولة وأهملت تاريخ المجتمع الإسلامي، ممّا جعل جانب السياسة يتضخّم في تفسير التاريخ.

وقد نرى لهذا التوجه جذورا لدى المؤرخين المسلمين أنفسهم، فغالبية كتب التاريخ الإسلامي هي كتب سياسة لا كتب تاريخ للحضارة الإسلامية أو تاريخ تلاطم الأفكار، ويكفي القول إنّ أكبر كتاب للتاريخ وهو كتاب الطبري وضع له صاحبه عنوانا هو “تاريخ الرسل والملوك”.

ورغم أنّ الإسلام قد وصل إلى الهند والصين حتى أغوار آسيا، إلا أنّ التسييس المفرط للإسلام لدى الإسلام السياسي طيلة العقود الماضية، قد أدى إلى مجموعة من المظاهر السلبية التي قضت على جوهر الدين وأضعفت حضوره في مختلف الجوانب الحضارية والإنسانية.

ويمكن القول إنّ الإنتاج السياسي لهذه الحركات الإسلامية منذ نشأة الإخوان المسلمين في مصر في العشرينات من القرن الماضي، يشكل أكثر من ثلاثة أرباع الإنتاج العام، وكان هذا الكم الكبير من الإنتاج يصبّ في تمجيد الدولة والتفسير السياسي للدين، ولعن الأنظمة القائمة والأطراف المخالفة، والرد على النظريات والأفكار التي يعتقد هؤلاء أنّ أصحابها ما وضعوها إلا لمعاداة الإسلام عن سبق الإصرار والترصد، دون البحث عن مواطن العطاء البشري فيها ونقاط الضوء”.

13