مزدوجو الجنسية.. ما أصعب أن تكون هنا وما أقسى أن تكون هناك

لاعب كرة القدم مسعود أوزيل يقول إنه ألماني الجنسية عندما يفوز، ومهاجر عندما يخسر.
الثلاثاء 2018/07/24
إرباكات مزدوجي الجنسية

الحصول على جنسية ثانية غير تلك التي يولد عليها الإنسان أو تمنح له بحكم نوع من “التوريث في المواطنة” هو أمر شائع ويحصل كل يوم وبأعداد كبيرة لأسباب تتعلق بكافة متطلبات الحياة، لكنّ مزدوجي الجنسية كثيرا ما يقعون في إرباكات يسببها ذلك التداخل بين المفاهيم والتضاد أحيانا بين موطني الأحفاد والأجداد.

وضمن هذا الإشكال الذي يطرح أكثر من سؤال، تعرض أخيرا لاعب كرة القدم المولود في ألمانيا لعائلة تركية الأصل، مسعود أوزيل، لانتقادات قاسية منذ الصورة المثيرة للجدل التي جمعته وزميله في المنتخب الألماني التركي الأصل أيضا إيلكاي غوندوغان، بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مايو، مما أثار أسئلة حول ولائه لألمانيا قبل نهائيات كأس العالم في روسيا.

وردا على ما تعرض له قبل وخلال نهائيات كأس العالم التي ودعتها ألمانيا من الدور الأول وتنازلت عن اللقب، أعلن أوزيل أنه “بقلب مفعم بالأسى، وبعد الكثير من التفكير بسبب الأحداث الأخيرة، لن أعود لألعب على المستوى الدولي ما دمت أشعر بهذه العنصرية وعدم الاحترام تجاهي”.

وأشادت تركيا الاثنين برد لاعب كرة القدم التركي الأصل مسعود أوزيل على ما اعتبرته “عنصرية” وتركه المنتخب الألماني بعد أن دافع عن ألوانه لـ92 مباراة وساهم في قيادته قبل أربعة أعوام للقبه العالمي الرابع.

وفي إعلانه عن قرار ترك المنتخب الألماني الذي سجل له 23 هدفا، أشار أوزيل إلى أنه تلقى اللوم بشكل غير عادل بسبب خروج المنتخب من الدور الأول في كأس العالم، منتقدا بشكل خاص رئيس الاتحاد الألماني رينهارد غريندل.

وقال “لن أكون بعد الآن كبش فداء لغريندل بسبب عدم كفاءته وعدم قدرته على القيام بعمله بشكل صحيح”، مضيفا “في نظر غريندل وأنصاره، فأنا ألماني عندما نفوز، لكني مهاجر عندما نخسر”.

حكومات تسرق من مواطنيها الأصليين نجاحاتهم في بلد الهجرة

وأكد أوزيل أنه مخلص لكل من أصوله التركية والألمانية، مشددا في الوقت ذاته على أنه لا يريد الإدلاء ببيان سياسي من خلال الظهور مع أردوغان.

وتابع “على غرار العديد من الناس، جذور أسلافي تعود إلى أكثر من بلد واحد. بينما نشأت وترعرعت في ألمانيا، تملك عائلتي جذورا راسخة في تركيا. لديّ قلبان: أحدهما ألماني والآخر تركي”.

وحظي قرار ابن الـ29 عاما بتأييد رسمي تركي حيث غرد وزير العدل عبدالحميد غول “أهنئ مسعود أوزيل الذي سجل بقراره ترك المنتخب الألماني أجمل هدف ضد فيروس الفاشية”.

وفي تغريدة سبقت إعلان أوزيل تركه المنتخب الألماني الذي توج معه بكأس العالم قبل أربعة أعوام، قال إبراهيم كالين المتحدث باسم أردوغان، إن اضطرار اللاعب إلى الدفاع عن لقائه بالرئيس التركي مؤسف لأولئك الذين يدعون بأنهم متسامحون ومتعددو الثقافات. وكشف أوزيل أنه التقى للمرة الأولى أردوغان عام 2010، بعد أن شاهد الرئيس التركي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مباراة جمعت بين ألمانيا وتركيا. ومذاك تقاطعت علاقة اللاعب بالرئيس التركي مرات عدة في مختلف أنحاء العالم.

وشدد على أن التقاط الصورة مع الرئيس التركي هو ومواطنه وزميله في المنتخب غوندوغان، قبل أيام قليلة من إعادة انتخاب أردوغان رئيسا لتركيا، “لا علاقة له بالسياسة أو بالانتخابات، بل الأمر هو عبارة عن احترام أعلى منصب في موطن عائلتي”.

وتابع “وظيفتي هي لاعب كرة قدم ولست بسياسي، ولم يكن اجتماعنا بهدف الترويج لغايات سياسية”.

وتعد ألمانيا موطنا لأكثر من ثلاثة ملايين شخص من أصل تركي. وكانت الحكومة الألمانية انتقدت حملة الرئيس التركي على معارضيه السياسيين عقب محاولة الانقلاب عليه.

وقال أوزيل إن عدم أخذ صورة مع الرئيس أردوغان يعني بالنسبة له “إنكار أصوله التركية”.

وأضاف أنه تلقى وعائلته رسائل كراهية عبر البريد الإلكتروني وتهديدات في الهاتف وتعليقات مسيئة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأردف أوزيل قائلا “أعلم أنه من الصعب فهم الأمر، كما هي الحال في معظم الثقافات إذ لا يمكن فصل السياسي عن الشخصي. مهما ما كان ستؤول إليه النتيجة في هذه الانتخابات أو نتائج الانتخابات السابقة، كنت سألتقط الصورة”.

ألماني إلا قليلا
ألماني إلا قليلا

سياسات تصطاد النجومية

أن تمنحك بلاد ديمقراطية جنسيتها يعني أن تمنحك ثقتها، وتجعلك واحدا من رعاياها المتساوين في الحقوق والواجبات، والذين تدافع عنهم حكومة بلادهم في الداخل والخارج كما هو معمول به في الدساتير المتطورة.

أما البلدان المتخلفة التي تحكمها الأنظمة الفاسدة فإن حكوماتها عادة ما تقتطع من نجاحات مواطنيها الأصليين في الخارج، وتجيّرها لصالحها خدمة لدعايات سياسية وحزبية، وهي بذلك تشارك الأفراد نجاحاتهم وتسرق جهودهم في حالة التألق، وتتنكر لهم كما فعلت عندما كانوا في أمسّ الحاجة إليها.

ليس من حق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يقطف نجاحات غيره، ويستخدم اللاعب الألماني الجنسية والنشأة، التركي الأصل والجذور، مسعود أوزيل، مطية للترويج لحزبه، ذلك أن إنجازات لاعب المنتخب الألماني ليست من صنع كفاءات ولا مؤسسات رياضية أنشأها أردوغان ولا محسوبة على الدولة التركية.

كما أن من حق دولة ديمقراطية عريقة مثل ألمانيا، وبالرغم من موجات اليمين المتطرف فيها، أن تُلزم مواطنيها، وعلى وجه الخصوص، لاعبيها ونجومها والشخصيات العامة في المجتمع، بجملة من المواثيق والالتزامات الأخلاقية فلا يحق أدبيا لواحد من هؤلاء أن يروج لدكتاتورية سياسية أو حركة عنصرية أو جهة متهمة بالإرهاب، ذلك أن صور المشاهير والنجوم تأخذ شكلا دعائيا مضاعفا.

الدول التي تسمح للحاصلين على جنسيتها بالاحتفاظ بجنسياتهم الأصلية هي دول تذهب بعيدا في احترام المشاعر الإنسانية وتنوع المكونات الثقافية لمواطنيها، وكان بإمكانها أن تسن قرارات وقوانين صارمة في مسألة الجنسية كما يحصل في العديد من البلدان العربية والإسلامية، والتي من شأنها أن تتسبب في إشكاليات كثيرة تتعلق بالولاءات وما ينجر عنها من إرباكات إدارية وحقوقية.

لنعكس الصورة في المقابل، ونقف عند تعامل بلدان تقل أو تنعدم فيها الديمقراطية أمام مزدوجي الجنسية ففي إيران أكد محامون ودبلوماسيون في الآونة الأخيرة، أن الحرس الثوري الإيراني اعتقل ما لا يقل عن 30 شخصا يحملون جنسيات أجنبية خلال العامين الأخيرين أغلبهم بتهمة التجسس.

الجنسية الثانية هي الاختيار الأكثر حرية، لأن الحاصلين عليها سعوا إليها عن طيب خاطر ولم تفرض عليهم رغم إرادتهم مثلما فرضت عليهم الجنسية الأصلية

وقال أقارب للمعتقلين ومحامون «إن الحرس الثوري يستخدم المعتقلين كأوراق مساومة في العلاقات الدولية أو التسويف مع شركات أوروبية سعت للعمل في طهران، بعد أن أبرمت الحكومة الاتفاق النووي مع القوى الغربية لرفع العقوبات المفروضة على طهران”.

وفي الجزائر وجه حقوقيون وناشطون سياسيون أصابع الاتهام إلى إدارة حزب السلطة، بالوقوف وراء البند الـ51 من الدستور الجديد، الذي أقصى مزدوجي الجنسية من تبوّء مناصب حكومية سامية في البلاد، وألزم المرشحين للرئاسة بإثبات عشر سنوات إقامة دون انقطاع داخل الجزائر، واعتبروا المسألة مؤامرة لإقصاء الجالية الجزائرية من صناعة القرار السياسي، وقطع الطريق على الكفاءات والأدمغة التي اضطرتها الظروف لاكتساب جنسية ثانية في الخارج.

الجنسية الثانية هي الاختيار الأكثر حرية وقناعة وإرادة، ذلك أن غالبية الحاصلين عليها سعوا إليها عن طيب خاطر ولم تفرض عليهم رغم إرادتهم مثلما فرضت عليهم الجنسية الأصلية، والتي حصلوا عليها بالوراثة أو بحكم الولادة. كما أن الامتيازات التي توفرها الجنسية الثانية، خصوصا في البلدان المتقدمة، تجعل منها امتيازا لا عبئا على حاملها كما هو الأمر في البلدان المتخلفة.

وفي ما يخص اللاعب الألماني ذي الأصول التركية مسعود أوزيل، وصورته مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتي أثارت ضجة ومازالت تتفاعل وسط جدل وانتقادات من الرأي العام الألماني ومشجعي كرة القدم الألمان لما فسر أنه اصطفاف من طرف لاعب أرسنال إلى جانب زعيم يوصف ألمانيّا بأنه ليس إلاّ دكتاتورا، يلاحظ المراقبون أن الموقف الألماني على الصعيدين الرسمي والشعبي، لم يكن متشنجا بالطريقة التي عليها الإعلام الحكومي التركي، مما يعطي الدليل على أن الحكومة التركية تمضي في استثمار المسألة لصالحها وكأن التقاط نجم ألماني لصورة له مع أردوغان، مسألة عادية بل “واجب وطني” وفق منطق الإعلام الأردوغاني.

ترى ما يمكن أن يكون عليه الأمر لو أن نجما رياضيا أو فنيا تركيا التقط صورة له مع أحد خصوم أردوغان السياسيين؟ وفي هذا الصدد، صرّح مدير المنتخب الألماني لكرة القدم أوليفر بيرهوف، الجمعة الماضي، أنه كان يتوجب الاستغناء عن خدمات اللاعب مسعود أوزيل بسبب موقفه من مسألة اتخاذه صورة مع الرئيس التركي.

ألمانيا تحتضن الجميع وليست فوق الجميع
ألمانيا تحتضن الجميع وليست فوق الجميع

قلوب تتسع لأكثر من جنسية

أن يتمتع المرء بجنسيتين؛ واحدة بحكم الولادة أو التوريث وأخرى بحكم الاختيار أو النشأة، فهذا أمر يزيد من الاعتزاز بالانتماء إلى ثقافتين وبيئتين مختلفتين، لكنهما تتكاملان، مما يعطي بعدا إنسانيا عميقا.

يتمنى إنسانيو هذا العالم أن يمتلكوا كل جنسيات العالم كعربون على رسالة محبة، لكنهم، وفي نفس الوقت يتمنون أن تسقط كل الجنسيات في نوع من الحلم الطوباوي، والنزعة المثالية. أما في حالة ما يعرف بـ”مزدوجي الجنسية” فإن الأمر يثير الكثير من الجدل القانوني والأخلاقي والإنساني.

صحيح أن غالبية مراسم الحصول على الجنسية الثانية في دول كثيرة من العالم تتطلب نوعا من القسم أو التوقيع على ميثاق يتعهد فيه حامل الجنسية بجملة قيم أهمها عدم التعرض القصدي بالإساءة والأذى إلى “بلده الجديد”، لكنه ليس “بلدا بديلا” على أي حال من الأحوال. وليس من الإنسانية ولا من المروءة أن يتنكر المواطن بحكم العيش إلى ذات نفسه أي المواطن بحكم الأصل والمنشئ. وما فعله مسعود اوزيل، لاعب وسط المنتخب الألماني ونادي أرسنال الإنكليزي في معرض دفاعه عن الصورة التي جمعته بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأثارت الكثير من الجدل، لا يعدّ غريبا ولا مستهجنا في نظر الكثير من المراقبين والمحللين.

وشدد أوزيل على أنه لم تكن لديه أي أغراض سياسية عندما التقط الصورة الفوتوغرافية مع أردوغان ومواطنه إيلكاي غيوندوغان، صاحب الأصول التركية أيضا، قبل كأس العالم، مدافعا عن خياره في فعل ذلك.

وأكد أوزيل صاحب الأصول التركية عبر حسابه الشخصي على شبكة تويتر للتواصل الاجتماعي الأحد الماضي، أنه لو عاد به الزمن لالتقط هذه الصورة مرة أخرى. وهذا في نظر المراقبين ما يعطي المزيد من المنطق والمصداقية والشرعية لكلام اللاعب الألماني ذي الأصول التركية.

ليس من المروءة أن يتنكر المواطن بحكم العيش إلى ذات نفسه أي المواطن بحكم الأصل والمنشأ. وما فعله مسعود أوزيل، لا يعد غريبا ولا مستهجنا في نظر الكثير

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها أوزيل بشكل علني عن الواقعة التي أثارت الكثير من اللغط في ألمانيا، وأوضح أوزيل “أتفهم أنه ربما يصعب استيعاب الأمر، حيث أنه في أغلب الثقافات فإن القائد السياسي لا يمكنه فصله عن الشخص، ولكن في هذه الحالة الوضع مختلف”.

وأضاف “بصرف النظر عن المحصلة في الانتخابات السابقة، أو الانتخابات التي سبقتها، كنت سألتقط الصورة”.

وأشار أوزيل “رغم أن وسائل الإعلام الألمانية صورت شيئا مختلفا، الحقيقة أن عدم مقابلتي للرئيس كان سيعني عدم احترام جذور أسلافي، والذين أدرك أنهم يشعرون بالفخر بالمكانة التي وصلت لها اليوم”.

وشدد “بالنسبة لي لا يهم من هو الرئيس، ما يهم أنه الرئيس.. سـواء كان الرئيس التركي أو الألماني فإن تصرفاتي لم تكن لتختلف”.

وواصل أوزيل حديثه “في الوقت الذي نشأت فيه في ألمانيا، فإن جذور عائلتي تعود إلى تركيا، لدي قلبان؛ واحد ألماني والآخر تركي”. وأشار “خلال فترة طفولتي، علمتني أمي أن أتحلى بالاحترام دائما، وألا أنسى أصولي، وهذه القيم أفكر فيها حتى يومنا هذا”.

وأكد “أدرك أن الصورة تسببت في ردود فعل كبيرة في وسائل الإعلام الألمانية، وفي الوقت الذي ربما يتهمني البعض بالكذب أو الخداع، فإن الصورة التي التقطناها ليست لها أي أغراض سياسية”.

وختم بالقول “بالنسبة لي فإن التقاط صورة لي مع الرئيس أردوغان ليست له علاقة بالسياسة أو الانتخابات، الأمر يتعلق باحترامي لأعلى منصب في بلد عائلتي، وظيفتي لاعب كرة قدم وليست رجل سياسة، ولقاؤنا لم يتضمن أي أحاديث سياسية”.

الطرف الألماني الرسمي أو شبه الرسمي، نفسه، تفهم حالة أوزيل، كما تدل تلميحات وتصريحات ثيو زفانتسيجر الرئيس السابق للاتحاد الألماني، لوكالة الأنباء الألمانية بأنه شعر “بحزن عميق” إزاء قرار أوزيل باعتزال اللعب مع المنتخب الألماني.

وقال زفانتسيجر “عندما يصل الأمر إلى نزاع، يجب أن يسوى هذا النزاع وبأقصى سرعة من خلال المناقشات”. وأضاف “بسبب أخطاء في التواصل، حدث شيء ما كان ليفترض أن يحدث أبدا مع

المهاجرين، لا يجب أن يشعروا بأنهم مواطنون درجة ثانية بين الألمان”.

مسألة الإخلاص للجنسية الأصلية لا يعني التنصل من الجنسية المكتسبة بلغة التمييز والمفاضلة بل على العكس، ذلك أنه من شأنه خلق نوع من التواصل المتمثل في مد الجسور مع البلد الأم وخلق فرص للمزيد من التوادد والتعاون. وهذا ما نلحظه في ذلك النوع من الدبلوماسية الدولية المبنية على الاستفادة من الأصول الثقافية والجغرافية لتحقيق التقارب في وجهات النظر وتقريب المسافات.

12