"مزمن" معرض مصري يجعل من المرض النفسي قيمة جمالية

يطرح معرض "مزمن" الذي يستضيفه حاليا مركز الصورة المعاصرة في القاهرة، تساؤلات حول فكرة العزل والحرمان من الحقوق الشخصية، كنتاج لنمط الحياة الرأسمالي والأنظمة السياسية القمعية والنزاعات العنيفة، وكمقابل لآليات عزل أخرى موجودة في أماكن عديدة حولنا مثل العائلة والمدرسة وأماكن العمل والشعوب تحت الاحتلال.
الجمعة 2016/05/20
لحظات مظلمة في تواريخ الأماكن والأحداث

يضم معرض “مزمن” المقام حاليا بمركز الصورة المعاصرة في القاهرة، أعمالا للفيديو والفوتوغرافيا والنصوص المصورة والتجهيز في الفراغ، ويشارك فيه فنانون مصريون وأجانب.

تتناول الأعمال المعروضة فكرة التناقض السلوكي والأمراض النفسية وتأثيرها في خلق أطر عازلة للأشخاص المصابين بها، وكذلك الفروق بين المصابين بالأمراض النفسية والأصحاء عقليا، بل ما يعنيه أن تكون عاقلا وسط عالم تتسم أحداثه بالجنون.

تكشف الأعمال عن خبايا الضمير الإنساني على نحو صريح ومؤلم، ما يذكر المشاهدين بأن المرء لا يمكن أن يواجه ذلك النوع من المعاناة دون أن يواجه أولا طريقة فهمه للآخرين، وهي رحلة تتطلب من المرء أن يفتح عينيه على حقائق صعبة في تقبلها.

في هذا المعرض يحاول الفنان السويسري أورييل أورلو من خلال عمله (فيديو) المشارك تحت عنوان “غير مكتمل” تتبع سيرة الضحايا الذين نجوا من مذبحة دير ياسين في عام 1948.

يستعين أورلو في صياغة عمله بمجموعة من الصور الفوتوغرافية والوثائق والرسوم والمشاهد الأرشيفية المصورة لآثار المذبحة وضحاياها أو الناجين منها، ما يمثل مفارقة هنا أن الفنان ينطلق في بناء مشاهده من صور مأخوذة من داخل مستشفى للأمراض النفسية شيّدت على أنقاض قرية دير ياسين في عام 1951، لمعالجة الناجين من مذبحة الهولوكوست التي ارتكبها النازيون ضد اليهود، وكان من نزلائها أحد أقارب الفنان.

هذا المستشفى يجسد حالة من التناقض والازدواجية، كما يقول الفنان والتي يتعامل بها الكيان الصهيوني مع الجرائم التي ارتكبت في حق الفلسطينيين، ففي الوقت الذي تتنكر فيه قوة الاحتلال لمسؤوليتها عن هذه المذبحة، يتم التباكي على ضحايا المحرقة فوق أنقاض القرى الفلسطينية.

تناول لحظات مظلمة في تواريخ الأماكن والأحداث من خلال تجارب الأشخاص الذين تعرضوا للعنف والاحتلال والحبس

يمزج الفنان السويسري في عمله بين الصور الأرشيفية والمشاهد المصورة، كما يستعين بوسائط عدة كالرسوم والكتابات وغيرها محاولا عرض تداعيات المذبحة عن طريق تتبع تأثيراتها النفسية والسياسية ودورها في تغيير خارطة الأحداث في الشرق الأوسط.

وعلى وقع مقتطفات من فيلم “بئر الحرمان” (أنتج عام 1969) للمخرج المصري كمال الشيخ يطالعنا الفنان محمد حسن بعمل (فيديو) تحت عنوان “كومبوس منتيس”، وهو عنوان ملتبس يعكس طبيعة الفيديو الذي لا تزيد مدة عرضه عن عشر دقائق، تتوالى خلالها مشاهد لمروضي أسود وحيوانات حبيسة داخل الأقفاص بالتبادل مع مشاهد الفيلم، مع التركيز على ملامح التوتر المرسومة على وجوه أبطاله، خاصة في ذلك المشهد الذي يجمع بين الطبيب النفسي (محمود المليجي) والمريضة (سعاد حسني) وما يوحي به الحوار الدائر بينهما حول معنى العزل والإحساس بالحصار.

تتخذ الأعمال المشاركة في معرض “مزمن” من المرض النفسي مدخلا لقراءة الواقع السياسي والاجتماعي المعاصر، في محاولة للاشتباك مع مشاعر الصدمة التي يسببها النزاع والعزل الجبري، إذ يتم هنا تناول لحظات مظلمة في تواريخ الأماكن والأحداث من خلال تجارب الأشخاص الذين تعرضوا للعنف والاحتلال والحبس.

17