مسألة العراق بعد عزل قطر

الأربعاء 2017/07/12

كانت فكرة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الإبقاء على المشروع الشيعي والتقارب مع إيران وعدم العجلة باقتلاع تنظيم داعش والتعاون مع قطر مخابراتيا لنشر الخطاب الإخواني والإسلام السياسي والسلاح حتى تنفجر السعودية من الداخل.

هذا المشروع فشل لسببين؛ أولا لأن السعودية أبدت مرونة ومهارة دبلوماسية كبيرتين أذهلتا العالم. ثانيا وزير الخارجية السعودي عادل الجبير هدية الزمان الباهي وأحد منقذي بلاده الأسطوريين. فصمدت المملكة حتى مجيء الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب الذي رفض عقيدة أوباما ومشروعه، وأعاد التحالف الأميركي التاريخي مع السعودية.

صدرت أوامر ترامب مباشرة إلى وزير الدفاع الرافض العنيف لسياسة طهران الجنرال ماتيس باقتلاع داعش فورا وطالبه بوضع خطة لذلك خلال وقت قصير. على اعتبار داعش تركة أوباما الثقيلة التي يجب كنسها فورا دون تهويل إعلامي ولا ردح مبالغا فيه.

سحب الرئيس البساط من “السي أن أن” لتورطها سابقا مع سياسة الرئيس السابق وبيعها الخرافات. ترامب هو الرئيس المذهل الذي قال لمنافسته هيلاري كلينتون علنا “أنتم صنعتم داعش”.

بعد قمة الرياض اتفق الطرفان على اقتلاع الإخوان وتأديب قطر، وهذا كله يعتبر تمهيدا للمعركة المصيرية الحقيقية التي يعرفها ساسة العراق قبل غيرهم.

لا يمكن السماح ببغداد إيرانية. ربما يجري التساهل في الشأن السوري بالاتفاق مع روسيا شريطة قطع علاقة النظام السوري مع حزب الله الإرهابي وطهران بضمانة موسكو، لكن العراق قضية مصيرية بالنسبة إلى العرب.

لماذا لا تترك كل من المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة العربية السعودية العراق وشأنه؟ أي يتركانه لإيران؟ هذا غير ممكن. المملكتان العربيتان مجبرتان على الاحتكاك لأن العراق الإيراني مصدر خطر وتهديد أمني.

الحكم الشيعي العنصري يولّدُ الإرهاب السني، وكلاهما مصدر خطر أمني على العرب، وحتى في حالة القضاء على شوكة سنة العراق نهائيا وتمكن الشيعة من الحكم المطلق ببغداد، فهذا يؤدي إلى تشيع السنة سياسيا. المال والقوة والنفوذ بيد الشيعة في هذه الحالة سيعمل السنة جنودا لديهم. وهذا سيشكل خطرا أكبر على المنطقة.

إضافة إلى أن المشروع الإيراني طموح وحيوي وبغداد تعتبر قلب هذا المشروع النابض، حتى إسرائيل وبصراحة تشعر بالقلق من التمدد الشيعي والنفوذ الإيراني. هذا واقع حال نراه في تصريحاتهم. في النهاية لا بد من حدوث احتكاك.

في بلد مثل العراق إذا كنت تحاول قلب الحكم الإيراني الشيعي ستصادفك مشكلة جوهرية؛ سيقولون عندنا دستور وحكمنا ديمقراطي. نعلم بأنها مجرد خدعة وقد خدعوا بها أميركا نفسها من خلال الائتلاف والأغلبية والبيت الشيعي.

إذا كانت الديمقراطية حكم الشعب فهي أيضا حكم الأغلبية، والأغلبية شيعة عندهم مرجع إيراني وتحالف مع ولاية الفقيه. في النهاية ترجع الحكومة العراقية عنصرية طائفية عميلة لإيران.

الجنرال قاسم سليماني هو المالك الحقيقي لبغداد، وقد رأينا كيف جاء بنفسه وخلع نوري المالكي ونصب حيدر العبادي في اجتماع سري. مع ذلك عندهم إطار يبدو شرعيا في الظاهر فقط، من خلال نظام الأغلبية والمحاصصة والأحزاب الشيعية ومرجعية النجف. بغض النظر عن حقيقة كونهم أغلبية، وهل الأغلبية شيعية أم عربية في العراق؟ هذا موضوع آخر.

المهم إذا تريد أن تقلب نظام الحكم ببغداد فإن الصواريخ وحدها لا تكفي، حتى لو كان لدى العرب مبرر قوي هو وجود ميليشيات إيرانية ضخمة تهدد أمنها وتقف على حدود الأردن والسعودية.

لا تستطيع في النهاية أن تجند الناس بالمال فقط، ولا تستطيع أن تقول لهم شعارنا الحداثة والعلمانية وحماية البيئة فهذا ليس الشعب الفرنسي. لا مفر من خطاب مقبول ومؤثر. وهنا سنقع مرة أخرى بالقدر القومي والعروبة من جديد.

دعم القبائل العربية ومساندة ضباط عروبيين. ولا بد من عزل بغداد كمدينة عربية عباسية، ونهمل حقيقة أن بغداد قد حكمها الأتراك لخمسة قرون، وحكمها البويهيون والصفويون لقرون أيضا. تقفز ببغداد إلى بُناتها العرب العباسيين وإلى كونها عربية يسكنها العرب الذين هم شركاء في النهضة القومية للوطن العربي. لا يوجد حل آخر.

الحكم الشيعي العنصري يولّدُ الإرهاب السني، وكلاهما مصدر خطر أمني على العرب، وحتى في حالة القضاء على شوكة سنة العراق نهائيا وتمكن الشيعة من الحكم المطلق ببغداد، فهذا يؤدي إلى تشيع السنة سياسيا

العراق وقع في مطحنة عثمانية صفوية منذ الاحتلال الأميركي عام 2003. هذا الملخص المفيد. المشكلة هي أن العرب قد استهلكوا أنفسهم بالهجوم على صدام حسين والقومية العربية عموما. بالغوا في احتواء ودعم المثقفين المسمومين والشعوبيين. كان الخليج يروّج إلى أن العروبة والقومية مجرد أكذوبة فاشية، بل كان المشايخ يشتركون في تكفير القومية ويمجدون “المجاهد” التركي رجب طيب أردوغان. صارت الحالة فوضى.

دخل علينا الأتراك والفرس وذكرونا كيف بدأت القومية العربية مع الهاشميين مطلع القرن العشرين في صراع العرب مع الأتراك الذين استعبدوا فقراء العرب خمسة قرون، وكيف تطورت لتكون نوعا من الحصانة ضد التوسع الفارسي التركي. ربما الوقت متأخر لعودة العراق إلى العروبة، مع ذلك لا يوجد حل آخر سوى إحياء التضامن العربي.

الجدل الأيديولوجي لا قيمة له في السياسة، ولكننا نطرح العروبة كقدر وحلّ لا بديل عنهما اليوم. السياسة لا تكترث للأيديولوجيات بطبيعتها، وإلا كيف دعم الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وهو القومي العربي العلماني، نظام الخميني الفارسي الإسلامي في الحرب العراقية الإيرانية ضد نظام عربي علماني قومي عراقي؟ هذه قضية تجد تفسيرها في السياسة ولا تفسير لها في الجدل الفكري.

لهذا السبب يعيش العرب اليوم في حالة تشوّش وعليهم الابتعاد عن الخوض في أمور سياسية أصبحت صعبة على تفكيرهم. خصوصا بعد الصدمة التي تكشفت عن قدرة قناة الجزيرة القطرية على التلاعب بعقولهم. كيف يفهم الإنسان البسيط أن أردوغان الذي يحكم بلدا يدر عليه 40 مليار دولار سنويا من السياحة الأجنبية والترفيه، وفيه المراقص والسفور والملاهي والبارات يدعم الإسلام السياسي والتطرف في منطقتنا. بينما الدولة التي تعيش حياة ملتزمة وطقوسا روحية كالمملكة العربية السعودية تدعم العلمانية في المنطقة وترفض تسييس الدين؟ كيف تشرح للإنسان العادي أن الإيمان الحقيقي يرفض خلط الدين بالسياسة والاتجار بدماء الأبرياء.

العراق بحاجة إلى موقف عربي. نساء الموصل بالعشرات من الآلاف مصابات بحالات نفسية، والأطفال يعانون حالات الصدمة. شعب بأكمله تم سحقه، والمدينة تدمرت بيتا بيتا وما هي النتيجة؟ فإما الهرب إلى تركيا حيث المجرم أردوغان يجند المهاجرين في حزب الإخوان سوسة البلاء الإسلامي، أو العودة إلى المدينة المدمرة حيث تعيش ذات التمييز العنصري والطائفي والسيطرة والاعتقالات والمداهمات.

رجل عراقي كتب لي لو نتابع أحداث سقوط الموصل والفلوجة والرمادي وتكريت تباعا واحتلالها من داعش ثم تدميرها بحجة التحرير. البداية لجلاوزة الحزب الإسلامي والإخوان المسلمين وقناة الجزيرة حيث الترويج لربيع عراقي بالمظاهرات والاعتصامات وصلاة الجمعة في الشوارع بدفع من قطر وتركيا، بغية تهيئة الشارع السني وتعبئته للانضمام إلى داعش تحت ضغط متواصل من منابر ساحات الاعتصام وتحشيدهم ضد السلطة والمالكي.

والنتيجة ركوب داعش الموجة وتقديم قطر وتركيا للعالم بأن الإخوان هم النموذج المنقذ للإسلام السياسي السني المعتدل، بدلا من حكم داعش الظلامي الدموي. متناسين دور تركيا في دخول متطوعي داعش بالآلاف إلى العراق وسوريا، ودعم قطر لمظاهرات ساحات الاعتصام التي أصبحت في ما بعد المفرخة لجنود داعش المحليين.

نفذ الرئيس دونالد ترامب وعده للعالم وقضى على داعش دون ردح إعلامي كبير. نحن على بعد ساعات من نهاية تلك الحكاية الأردوغانية المشبوهة “قيامة أرطغرل” العثمانية في الموصل.

بقيت مساحة صغيرة تقدر بأقل من كلم مربع واحد يتحصن فيها الدواعش حيث الكثافة السكانية العالية. تقول الأمم المتحدة أنه ماازال هناك 2000 إلى 3500 مدني يهربون من منطقة القتال يوميا. وهناك 870 ألف نازح من الموصل وحدها خلال الشهور الثمانية الماضية للحرب.

الصفويون غير فرحين بتحرير الموصل فقد أجبرهم ترامب على العمل. كانوا يقصفون الموصل وعينهم على الرياض، لم يكن الصفويون ليكتفوا بدموع الموصليات وتوسلاتهن فالهدف هو دموع السعوديات وتوسلاتهن. هذا هو المخطط القذر الذي ساهمت فيه قطر والتي تدعي أنها دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي، ولا تعرف سبب غضب السعودية.

كاتب عراقي

9