مسألة الوطنية والموقف منها

الأربعاء 2013/09/11

تكرّست الوطنية، كمفهوم ضد العدو، ورافق ذلك اجتثاث الحياة السياسية وتعقيد كامل للحريات السياسية؛ وقد طالت معركة الوطنية تلك، فكانت أحد أسباب ظهور سلطة شمولية، مارست أعلى أنواع النهب والفساد ودمرت الزراعة والصناعة وخاصة منذ عام 2000، ووصلت البطالة قرابة الأربعين بالمئة، ولم تترك الشمولية تلك شتلةً واحدةً تنمو خارجها.

إنها وطنية الطبقة الحاكمة الهشة بإنتاجيتها، فتشكل نظاماً سياسياً موازياً لهشاشتها وهامشيتها، وبالتالي المفهوم يتطابق مع الواقع، ويدل على مشروع طبقة حاكمة. نعم، لقد أقصيَ الإنسان، وتحددت الوطنية بالأرض وضد الآخر. ولكن، ما المفهوم السليم للوطنية، أم أنها مجرد مفهوم تخص تلك الشموليات، ومنبع شموليات جديدة.

بداية، ليس من مفهوم لا يرتبط بمشروع طبقي، فالمفاهيم تعبر عن حقل صراع فكري، وليس فوق الواقع، والبشر بمصالحهم يتبنون المفاهيم التي تناسبهم. الوطنية هي مفهوم يعبر فعلاً عن المواجهة مع الآخر، ولكنها لا تكتمل دون أن يكون الأفراد أحراراً في الداخل، وفق مفهوم المواطنة، وبالتالي حتى تكون الوطنية حقيقية لا بد أن تستند إلى مفهوم المواطنة والنظام الديمقراطي وحقوق أغلبية الشعب.

إذن لا يمكن لمن يخوض معركة الحرية أن يفرط بمعركة الوطنية، ولا يمكن أن أسعى لنظام ديمقراطي، وأن أغمض العين عن أراضي بلادي المحتلة، ولا بد أن أحدد موقفاً منه، وحتى بغياب ذلك، لا بد من رفض لكل شكل من أشكال التدخل، بما يفقد الثورة تحكّمها بنفسها وبالأرض التي تعمل عليها.

بعد الثورة في 2011 والحقيقة قبل ذلك الوقت بأكثر من عقد، سيد الليبراليون موقفا انتهازيا منسجماً مع هشاشة مشروعهم ذاك لقضية الوطنية، فتمّ التشنيع بها، واعتبرت من مفردات الشمولية، وكثير منهم أسقطوها تماما، ومن تكلم كان كلامه يختصرها بالمواطنة، أي لا يوجد وطنية إلا كمواطنة، وبالتالي لا علاقة للسوريين بما هو خارج حدودهم وسايكس بيكو بداية ونهاية سوريا، وعلينا أن نقيم صلات مع العالم، بعيداً عن مفاهيم الوطنية والإمبريالية والصراع وغير ذلك، متوهمين أن تلك عدة اعتمد عليها النظام، وكانت سبباً رئيسياً في تكريس الشمولية ولا بد من إسقاطها دفعة واحدة؛ مع الثورة تمّ تغييب ليس مفهوم الوطنية، بل لم تقدم أية رؤية للثورة تتجاوز عبارة إسقاط النظام، وصارت هي هي، عبارة تقييم الشخص والحزب وكل شيء، فإن كنت مع إسقاط النظام فأنت ثوريٌ وكل ما تقوله صحيح، وإن كنت مع تغييره أو إصلاحه، أو مع إسقاطه ولكن برؤية عميقة للثورة وللنظام ولما بعد إسقاط النظام فأنت لا تزال ملوثاً بأفكار النظام.

هذه العقلية، تم تظهيرها عبر الإعلام وفتحت لها كافة القنوات، واستقبلت في دول العالم الإمبريالي كشخصيات وقوى تمثل الثورة والحرية؛ والحقيقة كانت هذه بداية الثورة المضادة، فمعها بدأت مرحلة تشويه الثورة، وحرفها نحو خيارات أخرى، ساهم في الدفع نحوها النظام بذاته، ونقصد اتجاهات العسكرة والتطييف والتبعية للخارج وسيطرة الخارج الدولي والإقليمي عليها، عدا عن إتاحة كل الممكنات لفتح الحدود لصالح قوى جهادية من جهات الأرض الأربعة.

إذن عدم تشكل رؤية وطنية للثورة، فتح المجال واسعاً لتشويهها، عدا عن موقف قومي ويساري عربي نظامي وانتهازي وبرؤية فكرية قاصرة ومهزومة وعاجزة وقادمة من رؤية ستالينية بائسة شمولية، اصطف إلى جانب النظام، فيما دُفع الساسة الانتهازيون الليبراليون خاصة، لتبرير كل أشكال التدخل ضد الثورة، وهؤلاء فتحت لهم كل القنوات الإعلامية كما ذكرنا، فعملوا على تشويه الثورة، وتم حصر الثورية ببضع كلمات، وبطلب وقح وبطريقة استجدائية رخيصة للسلاح وللمال وسواه من الخارج. فكيف يمكن لمن يتبنى هكذا موقف أن يتخذ موقفاً من مسألة الوطنية غير إسقاطها؟

مجدداً نقول، مسألة الوطنية يجب أن تكون واحدة من قضايا الثورة، وأن يعاد لها الاعتبار استناداً إلى مفهوم المواطنة بالتحديد، وحينها لا بد من معالجة كل رؤية الثورة ومشكلاتها، وأزعم أن تغييب هذه القضية كان لصالح النظام، الذي احتكرها بمعناها الشمولي، وكان مقابل تغييب الوطنية استحضار البنى ما قبل الوطنية، أي المناطقية والمذهبية والاثنية، والانفتاح على دول العالم، وعلى الحركات الجهادية.

إذن تغييب هذه القضية لا بد أن يكرس فهماً ورؤية سلبية لعلاقة الوطن والمواطنة والثورة بالخارج أو بالداخل بشكل خاطئ. وهو ما أتاح المجال واسعاً لتكريس التشوه في الوعي الثوري والاغتراب عن الواقع نحو التدين والطائفية والاحتراب القومي، وكرّس رؤية النظام، في أن ما يحدث في سورية، مؤامرة إمبريالية وعصابات سلفية.

إذن العقلانية المنسجمة مع الثورة، تقتضي الخلاص من العقلية البائسة والانتهازية، وكل يوم تتأكد هذه الضرورة، فالثورة في تقدم ولكنها في خطر؛ الثورة لم يعد من الممكن دحرها، ولكن كذلك تترافق معها كل إمكانيات الانفلات نحو كوارث اجتماعية وسياسية، نظراً لقوة الثورة المضادة فيها، أي الاتجاهات الجهادية والانتهازية السياسية والفكر الطائفي.

نقد اتجاهات الثورة ضرورة، تقابل تكريس النقد لممارسات النظام، وبالتالي لا بد من العمل على رؤية للثورة ولمشكلاتها وللصراع مع النظام انطلاقاً من مصالح الشعب في الثورة، ونزع التمثيل عن المعارضة الانتهازية، وانتخاب معارضة تمثل الثورة، وإعطاء كل السلطة للمجالس المحلية، وإبعاد كل الكتائب العسكرية عنها، والاتجاه نحو الجبهات، وإخراج كل الجهاديين غير السوريين، وإنهاء تشكيلاتها السورية المستقلة ولا سيماد داعش وجبهة النصرة، وتوحيد العمل العسكري بقيادة الجيش الحر، وفصل الأخير عن العلاقة المباشرة مع الخارج الإقليمي والعالمي، وأن تمثل سوريا فقط المعارضة السياسية المنتخبة من الشعب، وأن تكون من القيادات الميدانية والسياسية الداخلية، وأن تطرح رؤية واضحة لسوريا المستقبلية، بأنها ستكون فعلاً لصالح كل السوريين بغض النظر عن قومياتهم وعن طوائفهم ومناطقهم، ومحاكمة كافة من ارتكب جرائم بحق الآخرين لاعتبارات دينية أو قومية أو مناطقية أو جنسية.

وبالتالي لا بد من إعادة تعريف الوطنية بدلالة المواطنة، والمواطنة بدلالة الوطنية، حينها سيتكرس فهمٌ ينطلق فعلاً من الشعب السوري والأرض السورية، وسيكون من أجل نظام لكافة السوريين.

إذن فشلت المعارضة في تبني مفاهيم تتجاوز فيها مفاهيم الشمولية، واستطاعت الأخيرة دفع المعارضة لفهم مشوه، مما جعلها تتبنى رؤية تخدم النظام بالتحديد، وجعلها تتحالف مع دول وقوى تشبه النظام بالتحديد وحلفه، وهو ما أفقدنا التواصل مع شعوب العالم، وحول الثورة السورية إلى ثورة يتيمة عالمياً.


كاتب سوري

9