"مسألة شاذة".. طائرة تتوه في الزمن ويتحول كل راكب فيها إلى شخصين

رواية "مسألة شاذة" للكاتب هرفي تيليي تنسج حبكتها انطلاقا من عدة خيوط سردية تمنح كاتبها فرصة تنويع الثيمات والأساليب الأدبية.
الجمعة 2020/11/13
هل لكل شخص منا أشخاص شبيهون به؟ (لوحة للفنان غسان العويس)

ثيمة الشبيه أو المثيل ليست حكرا على أدب الخيال العلمي، إذ سبق أن تناولها جيرار دو نرفال في “أوريليا”، وغي دو موباسان في “الهورلا”، وأوسكار وايلد في “بورتري دوريان غراي”، وألان مابانكو في “مذكّرات شيهم”، فهي ظاهرة متخيلة تتأرجح فيها الذات بين الالتحام والانفصال، وتولّد الانبهار أو الخوف.

من الصعب أن نتخيل حياتنا لو أن شخصا آخر يتقمص هويتنا كاملة ويعيش حياتنا بكل جزئياتها. فما البال إذا حدث هذا الأمر لعشرات البشر في مكان واحد ولحظة واحدة، كما هو الشأن مع أبطال “مسألة شاذة” للفرنسي هرفي تيليي، وهي الرواية المؤهلة بقوة للفوز بغونكور هذا العام.

تسرد الرواية حادثة غريبة: في جوان 2021 لم تسمح سلطات مطار كينيدي بنيويورك لطائرة بوينغ 787 تابعة للخطوط الجوية الفرنسية قادمة من باريس في الرحلة 006 بالنزول، وحوّلت وجهتها نحو قاعدة عسكريّة، حيث خضع طاقمها وركابها للتفتيش والتحقيق على أيدي خبراء مكتب التحقيقات الفيدرالي، ووكالة الاستخبارات الوطنية، ووكالة الدفاع الجوي لأميركا الشّمالية.

كلهم قدموا ليعرفوا ما إذا كان ركاب تلك الرحلة مخادعين، أو مستنسَخين، أو أرواحا عادت إلى الحياة، ذلك أن نفس الرحلة ونفس الطائرة ونفس الطاقم ونفس الركاب حطّوا بمطار كينيدي قبل ثلاثة أشهر، أي في مارس 2021. وانتهى الخبراء إلى ضرورة التكتم على المسألة، ريثما يتوصلون إلى حلّ هذا اللغز، وقد عبّر أحد رجال الـ”سي.آي.أي” عن استغرابه بقوله “لا أفهم شيئا. هل حطّت نفس الطائرة مرتين؟”.

تماثل طبق الأصل

رواية الكاتب هرفي تيليي"مسألة شاذة" مؤهلة بقوة للفوز بغونكور هذا العام
رواية الكاتب هرفي تيليي"مسألة شاذة" مؤهلة بقوة للفوز بغونكور هذا العام

أما الركاب فلم يفهموا في البداية سبب استقبالهم بتلك الكيفية، وكأنهم ناجون من عملية احتجاز رهائن، وكلّ ما يتذكرونه أن رحلتهم تخللها اضطراب، حيث واجهت الطائرة، وهي تحلق فوق المحيط الأطلسيّ، عاصفة من البرَد قبل أن يعود الزمن إلى سيره الطبيعي، غير أن الزمن هنا هو زمن الرصد الجوي، أما الزمن الحقيقي فقد تغيّر، إذ كانوا يعتقدون أنهم في شهر مارس والحال أنهم مرّوا مباشرة إلى شهر يونيو. المشكل أنهم سبق لهم أن نزلوا جميعا في مطار كينيدي بنيويورك منذ شهر مارس، ومضى كل واحد منهم إلى غايته.

من يكون إذن هؤلاء الذين نزلوا هذه المرة بنفس المطار ونفس المدينة؟ وها أنّ لكل مسافر مثيلا يشبهه في كل شيء، بل لعله هو شبيه الشخص الذي سبقه إلى هذه المدينة، أو نسخة منه. أمام هذا اللغز المحيّر، بادرت السلطات الأميركية بتفعيل بروتوكول 42، ذلك الذي عهدت به قبل عشرين عاما، مباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر، لمجموعة من نوابغ الطلبة من أجل مراجعة سلسلة التحكم عند حلول كارثة، وتعديلها على نحو يسمح باستعمالها لمواجهة حدث طارئ أو وضع غير مسبوق. وهو ما ينطبق على هذه الحالة.

على هذه القاعدة التخييلية بنى الكاتب حكاية مذهلة عن تماثل طبق الأصل طالما أثار جدل رجال الدين والسياسة والعلماء والفلاسفة، فالأشخاص الذين يتبع القارئ مسارَهم انقطعوا بادئ الأمر عن كل اتصال إعلامي، ثم اكتشفوا أن لوجودهم مصيرا لا يعرفون هل عاشوه أو هم يعيشونه، فهم أصغر من أعمارهم بثلاثة أشهر من هويتهم التي سوف يطبق عليها بروتوكول 42.

سوف يعلمون، وهم يواجهون أنفسهم بأنفسهم، أن حياتهم تغيرت في تلك الأشهر الثلاثة، في الاتجاه الأحسن أو الأسوأ. أحدهم مثلا انتحر، ولكن مثيله لا يزال يعيش، وأخرى صارت حاملا، في حين أن مثيلتها لم تحمل، وزوجان انفصلا في شهر يونيو، ولكنهما في شهر مارس لم يكونا منفصلين، طفلتان هما في الأصل طفلة واحدة تتحدثان مع بعضهما بعضا عن سرّ لم يكشف بعد، طفل يجد نفسه أمام أمَّين… فهل يمكن ترميم ما تقوض وإعادة ما انخرم وإنجاح ما فشلنا في تحقيقه؟ وهل نريد ذلك حقّا؟

والكاتب لا يكتفي بوضع تلك المصائر جنبا إلى جنب، وتصوير ملامح تلك الشخصيات الواحدة تلو الأخرى بشكل عابر، وإنما يخلق روابط بينها، ويغوص في سرد كثير منها، ولو أن كل شخص يتبع قوسه السردي الخاص، حتى أنه لو تمّ عزله لشكّل نسيج رواية على حِدة. مثل بلاك، القاتل المحترف الذي يمارس حياة مزدوجة، وفكتور ميزل صاحب المؤلفات العديدة، الذي كتب آخر كلمة في مؤلف قصير يتحدث عن طائرة ومسألة شاذة، مثلما يتحدث عن التنوع، وأراد أن يكون عنوانه “لو أن مئتين وأربعة وأربعين مسافرا”، في إشارة إلى رواية إيطالو كالفينو “لو أن مسافرا في ليلة شتوية”.

الإمساك بلحظة هاربة

رواية تمزج المعقول باللامعقول
رواية تمزج المعقول باللامعقول 

شخصيات الرواية من عوالم وأوساط مختلفة، رجال ونساء بأنماط حياة متباينة وجدوا أنفسهم مرتبطين بمصير غامض لا يعرفون أوله من آخره، ليس لهم ما يجمعهم غير ركوبهم نفس الطائرة، في نفس الرحلة، وواجهوا نفس العاصفة، ووصلوا إلى نفس الوجهة دون مشاكل. فما الذي حدث؟ هم لا يعرفون. وما الذي تغير في حياتهم؟ كل شيء، تقول الرواية.

لقد استطاع هرفي تيليي أن يمسك بلحظة هاربة من لحظات مرحلتنا المتسارعة، من خلال سؤالين راهنين هما سؤال الهوية “من أكون؟”، وسؤال الإدراك “هل يمكن أن أثق في حواسّي؟”، لاسيّما بعد ظهور عوالم افتراضية أوجدتها الإنترنت، وصاغتها بكيفية تجعل المرء أحيانا عاجزا عن التمييز بين الأصل والصورة، الحقيقة والخيال، المحسوس والوهميّ، عن طريق حكاية يمتزج فيها الواقعي بالخيال العلمي، وتتناسل داخلها حكاياتٌ بعضُها راجحٌ وقوعُه، وبعضها الآخر يتحدى مداركنا العقلية.

“مسألة شاذة” رواية تنسج حبكتها انطلاقا من عدة خيوط سردية تمنح كاتبها فرصة تنويع الأساليب الأدبية والثيمات وحتى النقد اللاذع والساخر.

وقد استفاد هرفي تيليي كثيرا في ترتيب أحداث روايته اللاهثة من الروايات البوليسية، مثلما استفاد في تحليل الظواهر والحقائق العلمية من تكوينه العلمي، فهو حائز على شهادة الدراسات المعمقة في الرياضيات، وماستر في الفيزياء الفلكية، إضافة إلى ولعه بالأدب والنقد.

رواية

14