مسؤولون جزائريون يراهنون على ماكرون لتطوير العلاقات مع فرنسا

الاستقبال الذي حظي به إيمانويل ماكرون خلال زيارته للجزائر من طرف شخصيات هامة، جعل المتابعين يرجحون فرضية مراهنة المسؤولين الجزائريين على شخص المرشح للرئاسة الفرنسية، لإحداث تحولات محتملة في العلاقات الفرنسية الجزائرية، خاصة بعد تصريحاته المثيرة للجدل، والتي قال فيها إن استعمار فرنسا للجزائر جريمة ضد الإنسانية.
الخميس 2017/02/23
مواقف داعمة للجزائر

الجزائر - لا يزال الاستفهام يحوم حول زيارة مرشح اليسار الفرنسي المستقل للانتخابات الرئاسية، إيمانويل ماكرون للجزائر، ولقاءاته المتعددة مع مختلف الجهات الرسمية والسياسية والمالية. وعلاوة على تصريحاته غير المسبوقة، حول اعتبار مرحلة استعمار بلده للجزائر “جريمة ضد الإنسانية”، فإن ماكرون يحمل في خطابه رسائل ستشكل منعرجا حاسما في مستقبل فرنسا وفي العلاقات الثنائية بين البلدين.

وتضاربت ردود الفعل في الجزائر حول التصريحات التي أطلقها مرشح حزب “إلى الأمام” للانتخابات الرئاسية الفرنسية خلال زيارته للجزائر. وشدد الطيب زيتوني، وزير المجاهدين (قدماء المحاربين)، على ضرورة الاعتراف والاعتذار بقوله “بيننا جبال من الجماجم وأنهار من الدماء يستحيل تجاوزها إلا باعتراف فرنسا بجرائمها الاستعمارية في الجزائر، وتقديم الاعتذار عنها للجزائريين”.

وذهب عمار غول، الوزير السابق ورئيس حزب “تجمع أمل الجزائر (تاج) الموالي للسلطة، إلى وصف تصريحات ماكرون بـ”الإيجابية لأنها غير مسبوقة في الحياة السياسية الفرنسية”.

وفي حين هوّن أحمد أويحيي، مدير ديوان الرئاسة ورئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، من أهميتها واعتبرها “حملة انتخابية” تستهدف استمالة مليونين من الجالية الجزائرية وحوالي 700 ألف من ذوي الجنسية المزدوجة.

وكانت تصريحات ماكرون قد أثارت ردود فعل قوية لدى مختلف التيارات السياسية الفرنسية، لا سيما اليمين الفرنسي، حيث وصفتها المرشحة المنافسة وزعيمة أقصى اليمين، مارين لوبان بـ”الخيانة”، وأنها الزلة التي ستسقط ماكرون في الاستحقاق الانتخابي القادم.

وتضع استطلاعات الرأي الفرنسية ماكرون من بين المرشحين الأوفر حظا للفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة، حيث أعطاه أحد استطلاعات الرأي نسبة 58 بالمئة من أصوات الفرنسيين.

ويرى مراقبون أن المرشح، الذي يسير في نسق تصاعدي منذ تفوقه على منافسيه في تيار اليسار، سيكون منعطفا في مستقبل فرنسا السياسي، وما أبداه الآن حول ماضي بلده تجاه الجزائر، ستكون نتائجه أكثر إيجابية بشكل يكفل لباريس نفوذا ناعما فيها ويجعلها واحدة من الدول الدائرة في فلكها، بعد التخلص من عقدة رهنت كثيرا علاقات البلدين.

وحظي ماكرون باستقبال رسمي في الجزائر حيث التقى بعدد من المسؤولين السامين في الحكومة، على غرار وزير الخارجية والتعاون الدولي رمطان لعمامرة، فضلا عن رئيس أكبر تجمع مهني لرجال المال والأعمال (منتدى رؤساء المؤسسات)، وتحدث طويلا مع رجل الأعمال المقرب من السلطة علي حداد.

ولا يستبعد مراقبون، بغض النظر عن المسائل الاقتصادية التي تم تناولها، أن تكون اللقاءات مع المسؤولين تعكس توجهات جزائرية لدعم المرشح الفرنسي، ورهانها عليه لبناء مرحلة جديدة من العلاقات الندية والثقة المتبادلة، رغم استقبال مرشحين آخرين في الانتخابات الفرنسية، في وقت سابق.

ورغم ردود الفعل التي أبداها اليمين وأقصى اليمين في باريس ومنظمة “الحركي” (مجندو الجيش الفرنسي من الجزائريين أثناء ثورة التحرير)، فإن متابعين للشأن الجزائري- الفرنسي، يعتبرون ماكرون خليفة لمؤسس الجمهورية الخامسة شارل ديغول، الذي فضل الجلوس إلى طاولة التفاوض مع جبهة التحرير الجزائرية من أجل الاستقلال، بغية تجنيب بلاده المزيد من الخسائر مع ضمان نفوذ دائم عبر آليات مختلفة.

وظلت مسألة اعتراف الفرنسيين بماضيهم الاستعماري في الجزائر من الطابوهات العصية على أي محاولة للكسر، إلى أن أطلق إيمانويل ماكرون تصريحا لصحيفة محلية، قال فيه “أعتقد أنه من غير المقبول تمجيد الاستعمار، البعض أراد قبل ما يزيد عن 10 سنوات، فعل هذا الأمر في فرنسا، لكن لن يتناهى إلى مسامعكم أبدا أنني سأدلي بمثل هذه التصريحات، فلطالما أدنت الاستعمار كفعل وحشي، فعلت ذلك في فرنسا وأفعله هنا”.

وأضاف “إن الاستعمار يدخل ضمن ماضي فرنسا. إنه جريمة بل جريمة ضد الإنسانية وعمل وحشي، وهي (فرنسا) جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نشاهده أمامنا ونقدم اعتذاراتنا للذين ارتكبنا بحقهم هذه التصرفات”.

وبحسب مختصين فإن جرأة ماكرون باتت تثير إعجاب طيف واسع من الفرنسيين، فهذا السياسي الشاب (39 عاما) لطالما بعثر التوقعات، وخرج عن قانون الأرقام الصارم الذي ينتمي إليه أكاديميا لتخصصه في المالية.

ففي أبريل من العام 2016 أسس حركته السياسية “إلى الأمام” قبل أن يستقيل في أوت من العام نفسه من منصبه كوزير للاقتصاد في حكومة مانويل فالس الثانية، ليعلن في 16 نوفمبر عن ترشحه للرئاسية بصفة مستقل، رافضا المرور بالانتخابات التمهيدية للحزب الاشتراكي (يسار) الذي ينتمي إليه، ووصفه حينها الرئيس فرنسوا هولاند بـ”الخائن”.

وفي إطار التفاعل مع تصريحات ماكرون أظهر استطلاع للرأي، نشر السبت، أجرته شركة فرنسية متخصصة أن 51 بالمئة من الفرنسيين يؤيدون آراء المرشح في ما يتعلق باستعمار بلادهم للجزائر، ما يعني أن تصريحات ماكرون لن تقلص من شعبيته وإنما قد تحسم المسار الانتخابي برمته، وتكبح صعود اليمين المتطرف في فرنسا.

4