مسؤولون من واشنطن وهافانا يجتمعون لأول مرة منذ عقود

الثلاثاء 2015/01/20
أوباما يتقرب من كوبا لتغطية فشله في ملف التطرف

هافانا - استئناف العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وهافانا يعد مثالا فريدا في العلاقات الدولية، فكوبا التي تقع في النطاق الجغرافي المباشر للأمن القومي الأميركي شكلت مصدر قلق بالغ لأميركا منذ ولادة ثورتها أواخر خمسينات القرن الماضي ومن ثم جنوحها إلى المعسكر الشرقي المتمثل في الاتحاد السوفيتي السابق، وعزم البلدين الجلوس على طاولة المفاوضات بعد عقود من العداء يجسد هذا التقرب التاريخي.

يعقد مسؤولو الولايات المتحدة وكوبا أول جولة من المباحثات الرسمية المرتقبة بينهما، الأربعاء، وذلك على مستوى دبلوماسي رفيع لتجسيد تطبيع علاقاتهما بشكل رسمي، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

وبعد خمسة أسابيع تقريبا من إعلان ذلك التقارب التاريخي المفاجئ من قبل الرئيسين الأميركي باراك أوباما والكوبي راوول كاسترو، يجتمع الوفدان يومين في العاصمة هافانا في جلسة مغلقة، تمهيدا لمفاوضات ماراثونية هذا العام قد تتوج بفتح سفارتيهما في كلا البلدين، وذلك وفقا لمصادر أميركية مقربة من العملية.

وأشار المسؤول الأميركي الذي رفض الكشف عن هويته، إلى أن المباحثات ستتناول مسألة الهجرة التقليدية التي كانت في الماضي موضع تفاوض بين البلدين وخصوصا تحديد برنامج إعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة منذ 1961.

وتقود الوفد الأميركي مساعدة وزير الخارجية المكلفة بشؤون المناطق الغربية، روبرتا جاكوبسون، أما الجانب الكوبي فتترأسه مديرة قسم الولايات المتحدة في وزارة الخارجية، خوسيفينا فيدال.

ولم تعلق كل من جاكوبسون وفيدال على هذه المفاوضات قبل انعقادها، لكن من المرجح أن تخرج باتفاقات ثنائية بالرغم من شحة التسريبات في هذا الخصوص، ربما حفاظا على إجرائها في كنف السرية، بيد أن رئيسة الوفد الأميركي ستبقى في الجزيرة حتى الجمعة القادم، حيث ستعقد مؤتمرا صحفيا بعد غداء مع منشقين كوبيين.

وأعرب هؤلاء المعارضون الكوبيون عن قلقهم من هذا التحول الدبلوماسي لأن الولايات المتحدة كانت لعقود طويلة أكبر سند لهم ومصدر تمويل ضد النظام الشيوعي في كوبا.

خوسيفينا فيدال: مديرة قسم الولايات المتحدة بوزارة الخارجية الكوبية ستقود وفد بلادها في المفاوضات

وقبل أيام أكملت السلطات الكوبية الإفراج عن 53 سجينا سياسيا، وذلك في إطار الاتفاق بين البلدين، كما بدأ العمل فعليا بقواعد حرية التنقل والسفر وأخرى تجارية بين البلدين.

ويأتي التغيير في السياسة الأميريكية تجاه كوبا عقب إطلاق كوبا سراح السجين الأميركي آلان غروس الذي قضى نحو خمس سنوات في السجون الكوبية وذلك بعد أن تم الحكم عليه بالسجن لمدة 15 عاما لاتهامه بإقامة شبكة اتصالات في كوبا بدون إذن من السلطات الكوبية.

وعلى الرغم من هذه الخطوات الحثيثة التي على ما يبدو أثارت حفيظة الدب الروسي حليف كوبا الأزلي، إلا أن المحلل بيتر شيشتر من المعهد الأميركي لمركز الأبحاث اللاتيني الأميركي، وصف رحلة جاكوبسون إلى هافانا بـ”التاريخية” وأنها ستفسح المجال أمام تغييرات، لكنه قال إنه “لا يجب أن نتوقع فجأة معجزات”.

وقال شيشتر إن “المناقشات ستركز أولا على القضايا العاجلة أكثر من أجل إقامة العلاقات الدبلوماسية ثم المضي قدما إلى مواضيع أكثر مركزية”، فمن هذه القضايا تخفيف القيود المفروضة على الحريات الفردية في كوبا ومستقبل قاعدة غوانتانامو الأميركية وربما الأكثر تعقيدا تعويضات الممتلكات الأميركية التي أممها الرئيس الكوبي السابق، فيدل كاسترو، خلال ستينات القرن الماضي.

ومن المتوقع أن تؤدي المفاوضات إلى شطب كوبا من لائحة البلدان الداعمة للإرهاب، فواشنطن تحاول جاهدة توحيد صف حلفائها وجيرانها من الأميركيين من أجل مواجهة الخطر الأكبر المتمثل في توسع نشاط الحركات الأصولية المتطرفة المتمثلة في تنظيم داعش والقاعدة وغيرهما.

وكان الرئيس الكوبي قد أشاد في وقت سابق، بإزالة ما وصفه بـ”العقبة” في طريق العلاقات الأميركية الكوبية، وقال إنه مستعد لمناقشة أي مسألة مع واشنطن بعد التقارب التاريخي بين البلدين.

ويبدو أن واشنطن تسعى من خلال خطوتها غير المتوقعة باتجاه هافانا عبر نافذة إنهاء الحصار على كوبا إلى قطع الطريق أمام هافانا من العودة إلى روسيا، وذلك بسبب خلافها مع موسكو على خلفية تباين المواقف في التعاطي مع الأزمة الأوكرانية.

ويشير مراقبون إلى أن صحوة روسيا الجديدة وتحالفاتها مع عدد من دول أميركا اللاتينية القوية وفي مقدمتها دول البريكس وعلى رأسها البرازيل، وبقاء كوبا معزولة ومعرضة لعقوبات، أمر لا يفيد إلا أعداء واشنطن الجدد، في حالة الحرب الباردة الجديدة التي باتت تخيّم على العلاقات بين الولايات المتحدة وأميركا.

وعلى الرغم من هذا التحول المفاجئ في العلاقات بين البلدين، إلا أن موسكو رحبت بهذا التقارب دون أن يتضح ما إذا كان ذلك موقفا نهائيا أم أنه في سياق اللعبة السياسية المعقدة، حيث قال نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف: “نحن نرى في ذلك التطبيع خطوة في الاتجاه الصحيح، ولا نعتقد أن فرض الأميركيين عقوبات أحادية الجانب له أساس شرعي وأسس قانونية على الإطلاق”.

وقد خطت الولايات المتحدة، الأسبوع الماضي، خطوة هامة بتحريرها سلسلة من القيود، غير أن ذلك الحظر الأميركي المفروض على الجزيرة الشيوعية منذ 1962 ما زال قائما ولا يمكن أن يرفعه سوى الكونغرس الذي يهيمن عليه حاليا الجمهوريون الرافضون لأي تراجع إلى الوراء.

وقد أشارت تقارير في وقت سابق إلى أن أوباما وافق العام 2013 على إجراء محادثات سرية مع كوبا، وبلغت تلك المحادثات التي أقيمت في كندا والفاتيكان ذروتها العام الماضي، وقال مسؤول في الإدارة الأميركية حينها إن “بابا الفاتيكان لعب دورا أساسيا في التقارب بين الجانبين، مشيرا إلى أنه في صيف العام الماضي بعث البابا رسائل شخصية منفصلة إلى أوباما وكاسترو داعيا إياهما إلى تبادل السجناء وتحسين العلاقات.

وشهدت العلاقات الكوبية الأميركية انفراجا نسبيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أكبر شريك سياسي واقتصادي لهافانا، أواخر عام 1991.

ويظل صانع الثورة الكوبية فيدل كاسترو أكبر الغائبين عن هذه المصالحة التاريخية، لا سيما أنه لم يظهر إلى العيان منذ أكثر من سنة ولم يعلق على هذه الأحداث التاريخية.

5