مسؤولو الإعلام المصري يبرّرون ضعف المحتوى بالديون

الصحافة المصرية فشلت في الموازنة بين دعم الحكومة وصوت الناس.
السبت 2021/01/23
تطوير الإعلام يحتاج رؤية أعمق

يتذرع رؤوس الهيئات الإعلامية في مصر بالديون الضخمة التي تثقل كاهل مؤسسات الإعلام الرسمي، وتعوق مهمة الإصلاح. وهذا الأمر يكرس بقاء الوضع الراهن دون تغيير، طالما أنه يتم التعامل مع التطوير من وجهة نظر إدارية ومالية بعيدة عن الشق المهني.

القاهرة – عكست تلميحات الهيئات المعنية بإدارة منظومة الإعلام الحكومي في مصر عن عرقلة الديون لخطط تطوير التلفزيون والصحف الرسمية، عدم وجود خطة لانتشال المؤسسات الإعلامية الحكومية من أزماتها المتراكمة، التي وضعتها في مرتبة متدنية من حيث المنافسة والقبول الجماهيري.

وقال وزير الدولة للإعلام أسامة هيكل أمام مجلس النواب الثلاثاء، عندما كان يدافع عن تأخر تطوير المؤسسات الحكومية، “إن الهيئة الوطنية للإعلام المالكة للتلفزيون الرسمي، تعاني من تراكم الديون، حتى بلغت 40 مليار جنيه (نحو 2.6 مليار دولار)”.

وأعاد كلام هيكل الصدام الذي هدأ مع دوائر إعلامية مختلفة، حول الجهة التي لها سلطة تطوير المنظومة، وسارعت الهيئة الوطنية للصحافة إلى تكذيب الوزير، وقالت الأربعاء “إن كلامه عن الديون غير دقيق، ولا تتجاوز 13.9 مليار جنيه (أقل من مليار دولار)، لكنها ما زالت ملفا شائكا توارثته المؤسسات منذ فترة طويلة”.

ليلى عبدالمجيد: بداية حلّ الأزمة الاعتراف بوجود مشكلات مهنية خطيرة
ليلى عبدالمجيد: بداية حلّ الأزمة الاعتراف بوجود مشكلات مهنية خطيرة

وأظهر الصدام الجديد، حجم إصرار المسؤولين عن تطوير الإعلام الحكومي على التحجج بتراكم الديون، لتخفيف الضغوط الواقعة عليهم لتأخرهم عن اتخاذ خطوات ملموسة من شأنها تغيير الصورة الذهنية السلبية لدى الشارع عن المنابر الرسمية، وتبرئة أنفسهم أمام دوائر صناعة القرار عن أي تقصير.

وأوحى حديث هيكل وباقي الهيئات الشريكة في إدارة المنظومة، بأن أزمات الصحف والقنوات الحكومية تقتصر على الشق الاقتصادي، وهي قناعات خاطئة مقارنة بالأسباب الواقعية التي صار يلمسها الشارع نفسه، وتتعلق بسوء الإدارة وضعف المحتوى وتجاهل نبض الناس لحساب الحكومة.

وأكدت عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقا ليلى عبدالمجيد، على أنه “لا يمكن حل أزمات الإعلام الحكومي دون السير في مسار يشترك فيه الشقان الاقتصادي والمهني، لأن الاهتمام بشق واحد يعجل بالسقوط في دوامة يصعب الخروج منها، والجمهور لن يصبر على أي مؤسسة تهتم بالموارد على حساب تحسين المحتوى”.

ولدى أغلب أبناء المهنة شعور بأن هناك شبهة تعمد لاستمرار الإعلام الرسمي على نفس الحالة، بحيث تكون هناك حجج لإمكانية التوسع في دمج الإصدارات وإلغاء أخرى أو خصخصة بعضها بإدخال مستثمرين طرفا في ملكية أصولها وإدارتها، وهو ما سبق الترويج له بقوة، وبدأ العمل على الدمج باستحياء.

ويرى متابعون أن الحكومة لو كانت تريد إنهاء الأزمات الاقتصادية لإعلامها، باعتبارها العائق الرئيسي أمام عودته للريادة كما تروج الهيئات الإعلامية، لكانت أقدمت على خطوة جريئة بإسقاط الديون المتراكمة على المؤسسات، خاصة وأن أغلبها عبارة عن ضرائب قديمة وفواتير كهرباء ومياه، مطلوب دفعها لوزارة المالية.

وما يبرهن على أن الأزمة المالية ليست عائقا أمام تطوير المؤسسات، أن جميع الإصدارات الصحافية الحكومية لها مواقع إلكترونية، وباتت لها مطبوعات رقمية وليست ورقية تحتاج إلى طباعة وأحبار وتوزيع وأموال، ورغم ذلك ما زالت غير قادرة على المنافسة وجماهيريتها محدودة مقارنة بالخاصة.

وتعزز هذه الشواهد، أن معضلة الإعلام الحكومي تكمن في المحتوى قبل أي شيء آخر، فالجمهور ينتظر منابر متحررة عن هيمنة الخطاب الرسمي على سياستها التحريرية، بحيث تكون مستقلة ومتناغمة مع الشارع وليس السلطة، أو على الأقل توازن بين دعم الحكومة ونقل صوت الناس إلى صانع القرار.

وأشارت ليلى عبدالمجيد في تصريحات لـ”العرب”، إلى “أن بداية حل أزمات المؤسسات الرسمية، بالمصارحة والاعتراف بوجود مشكلات مهنية خطيرة، وغلق الباب أمام العقليات الشبابية التي تدرك جيدا ما يحتاجه الشارع، وحتى لو كانت هناك مشكلات اقتصادية، يمكن جذب الناس بأقل الإمكانيات، وهذا قمة الاحترافية”.

وتسيطر على أغلب المنابر الحكومية فكرة الالتزام الحرفي بالبيانات الرسمية، خشية المجازفة بنشر معلومات عن قضايا وملفات تثير غضب جهات رسمية، وهذه أمور ليست لها علاقة بالنواحي الاقتصادية التي تتحدث عنها الهيئات الإعلامية، بل تتعلق بغياب الجرأة في الاختلاف والاستقلالية.

Thumbnail

وقال وزير الدولة للإعلام أمام البرلمان “إن المؤسسات الرسمية تمر بظروف صعبة للغاية شغلتها عن ملاحقة التطور الدولي في وسائل الإعلام والاتصال الدولية، لأنها منشغلة بمشكلات مالية وإدارية، حتى انصرف المجتمع لمنابر حديثة وإلكترونية ووسائل تواصل اجتماعي لا تحكمها أي قواعد”.

ويقود هذا الاعتراف، إلى أن اهتمام الإعلام الحكومي بمعالجة أزماته الاقتصادية قبل الحلول المهنية، يصب في صالح المنابر المنافسة، ويعزز هجرة الجمهور للشبكات الاجتماعية للحصول على المعلومة، باعتبارها أكثر حرية واستقلالية وسرعة في نقل الأحداث بعيدا عن القيود والتدخلات.

معضلة الهيئات الإعلامية في مصر، أنها بلا صلاحيات كاملة تجعل لها الكلمة العليا في تطوير المحتوى أو زيادة الحرية الممنوحة للمؤسسات، فهناك دوائر وجهات مختلفة تتحكم فيها، بالتالي من الطبيعي أن تعتاد الهيئات الاحتماء في الأزمة الاقتصادية لتبييض وجهها والتماس الأعذار لها.

ثمة أزمة أخرى أكثر تعقيدا، ترتبط بنظرة الحكومة نفسها لإعلامها، ففي الماضي القريب كانت الصحف والقنوات الرسمية بالنسبة للدولة، المنابر الأكثر اعتدالا واتزانا وتتعامل معها باعتبارها الأكثر قدرة على مخاطبة الداخل والخارج بلسان السلطة، وبشكل دبلوماسي وعقلاني محترف.

تغيرت هذه النظرة، وصارت هناك منابر غير حكومية تؤدي ذات الغرض تقريبا، وبطريقة أكثر احترافية، ودون تحميل الدولة فواتير مالية وأزمات إدارية، بالتالي فوجود البديل المناسب للإعلام الرسمي على المستوى المقروء أو المرئي، ضاعف إهماله طالما أن وجوده كالعدم.

حتى لو كانت معضلة الإعلام الحكومي اقتصادية بحتة، فإن التمعن في الأسباب الحقيقية، يفضي إلى أن الأزمة أيضا مهنية، بدليل أن الإعلانات التي كانت تمثل أهم مورد مالي للمؤسسات أصبحت نادرة، ويبرر أغلب المعلنين سبب هجرتهم للصحف والقنوات الرسمية بتراجع الجماهيرية أمام تحولها إلى نشرات إخبارية لا تجذب الناس، وفقدت بريقها وأهميتها عند صانع القرار نفسه.

يصعب فصل الإخفاق عن محاولة المسؤولين عن المؤسسات الإعلامية الحكومية تغييب الكوادر القادرة على المشاركة في إصلاحها وانتشالها من أزماتها، سواء المهنية أو المالية، حتى لا يكون لهذه العقليات التي تدرك متطلبات المرحلة وآليات التطوير جيدا، أي دور مستقبلي على حساب أهل الثقة، بحكم أن دفن الكفاءات يجنب أصحاب المناصب والمصالح الإقصاء في أي وقت.

18