مسؤولية نظام الأسد عن التدخل الخارجي

الثلاثاء 2013/09/03

على أي أساس يبني معارض لأفعال النظام السوري ومستنكر لأساليبه في قتل السوريين، رفضه مسألة التدخل الخارجي؟ طالما أن الغاية منها إنهاء تلك الحالة المنافية للقيم والمنطق الإنساني؟

من الناحية العملية لم تكن هناك إمكانية للقضاء على مثل هذا النمط من الأنظمة دون تدخل خارجي، ليس استخفافا بقدرات السوريين، على ما يحلو للبعض جلد أنفسهم، ولا لأن هذا النظام يملك قدرات أسطورية على ما يزعم مؤيدو النظام وأتباعه، بل لأن هذا النظام يرتبط بقوى خارجية، بل أنه يجري تشغيله من قبل هذه القوى لدرجة صار معها مجرد منفذ لأمر تلك القوى، التي بدا أنها استخدمته لأجل خدمة ملفاتها في الصراع الدولي، مقابل ذلك أمّنت تلك القوى طوال الفترة الماضية أسباب صموده في مواجهة الثورة السورية، ودافعت عن استمراره بارتكاب كل الجرائم بحق السوريين وإيجاد التبريرات المناسبة لها.

ولاشك بأن هذه الوضعية تفوق قدرة السوريين الثائرين على تحقيق الخلاص من هذا النظام، إذ صار من المستحيل كسر حلقة التوازن الدموية المستمرة، والتي كلفت السوريين أثماناً باهظة، والتي تنذر أيضاً بمزيد من التفكك والتدمير للعمران الوطني السوري، الإجتماعي والمادي، طالما أن هذا النظام تقف وراءه أطراف على استعداد دائم لتدعيم قوته النارية وحاجته البشرية من المقاتلين، فقد تكشّف تماماً أن هذه الدائرة الخارجية لا يمكن أن تكسرها سوى قوى خارجية مثلها، فيتحقق بناءً عليها شرط إسقاط النظام. دع عنك كل ما يقال عن الخسائر التي يتسببها استمرار مثل هذا النظام على سوريا من موارد اقتصادية وأرواح بشرية، على أهميتها، بل لأنه بدأ يحول سوريا إلى أرض للفوضى ويرعاها ويصنعها أحيانا كثيرة، بل إنه لم يكتف بذلك، وإنما راح يتطاول بالعبث في العيش المشترك لدول الجوار ويهدد بتفجيرها وكأن المنطقة كلها ملك يديه وتحت أمره. ثم ماذا ينتظر رافضو التدخل الأجنبي من مثل هذا النظام لو أنه تجاوز هذه المرحلة، هل يحمل غير الوعد بالموت الدائم؟

من الناحية الأخلاقية، لا يستند مثل هذا الاعتراض لأي مبرر أخلاقي بقدر ما يبدو أنه رضوخ لتهويمات أيديولوجية وقوالب كلامية يفترض أن الثورة السورية قد عرّتها وكشفت ضعف أسانيدها ومقدرتها الواقعية على الصمود، ولعل ضعف هذا الاعتراض أنه يقوم في الغالب على اعتبارات ذاتية محضة وليست موضوعية، كأن لا يتهم الشخص بالظهور بمظهر محالفة الغرب الاستعماري الطامع بثروات أوطاننا والضامر دائما وأبدا لنوايا سيئة تجاهنا، بغض النظر عن واقع المتغيرات الدولية والعلاقات الاعتمادية وتبدل التحالفات والعلاقات، وكأن الأنظمة المراد تغييرها لم «تعتش» على الخدمات القذرة التي يقدمها لهذا الغرب الإستعماري، وخاصة النظام السوري الذي ما انفك يحمل مصائب المشرق ويبحث عمن يوكله إدارتها، بل أن في سجلاته الكثير من التفاخر بهذه الوظيفة القذرة ورهان دائم على عدم استغناء الغرب عن قيامه بهذه المهمة.

التبرير السابق يبدو متورطاً في الانتهازية إلى أبعد الحدود، وتفنيده ممكن من قلب الوجع السوري وليس بعيداً عنه، إذ أين البديل لوقف القتل والتدمير بسوريا، وهل ترحيب السوريين بالتدخل الخارجي ترفا خيانيا وحبا بالأجنبي فقط؟ أم أن هذا النظام لم يترك وسيلة للموت إلا ومارسها على الجسد السوري، ولم يشبع نهمه بالقتل اكتفاءه بما تنجزه ميليشياته، بل جلب لسوريا آلاف القتلة من الخارج وفوضهم احتلال مناطق كاملة وأعطاهم الحق بتجريب كل أنواع الممارسات الإجرامية وأن يتدربوا على الرماية في سوق اللحم السوري ويمارسوا كل أنواع الرياضات الذهنية في التفنن والإجرام، وهو ما لم يحصل بتاريخ أي نظام مسؤول عن حماية شعبه.

من باب التندر، أن نظاماً تطفح منظومة قيمه بسلوكيات النهب والقتل، ولا يوجد ما يؤشر على نيته مغادرة هذه المنظومة القيمية، يجري الدفاع عن استمراره بحجة الوطنية ومعاداة الاستعمار، دون التساؤل عن الفرق بينه وبين الإستعمار، اللهم أن شعوب المستعمرات لها الحق بالتمتع بشكل قانوني بما اسمه قانون المستعمرات.

المنطق الطبيعي يقول أن التدخل الدولي بات يحمل صفة التدخل الإنساني وهو لم يحصل إلا بعد أن اكتملت شروط هذه الحالة، بعد نزوح الملايين وقتل وإعاقة ما يربو على المليون إنسان، وهي حالة لم تحصل في التاريخ البشري المعاصر، كما أن هذا التدخل من شأنه توفير المزيد من سفك الدماء السورية بلا مبرر، ويفترض أنه يتيح فرصة لمختلف الأطراف، وخاصة تلك التي كانت تقع تحت الهيمنة المباشرة له أو ما يسمى مؤيدوه أو بيئته والتي كانت مضطرة إلى مجاراته في ممارسة خياراته الانتحارية، يتيح التدخل لها فرصة الانتقال إلى مواقع أفضل والخروج من دوامة الصراع المدمر.

لا يستقيم أبداً فهم حالة رفض جرائم الأسد وزمرته، مع رفض إمكانية التدخل للخلاص منه، كما لا مبرر للخوف من عودة الاستعمار، فالمزاج العالمي بعيد تماماً عن هذه الحالة، الحالة الليبية تبدو أقرب إلى التطبيق في سوريا، فبعد إنجاز مهمة المساعدة الإنسانية لم يبق عسكري واحد داخل الأراضي الليبية، والسلطة لم تذهب إلى الإسلاميين كما تخوف الكثيرون.

لعل المشكلة في هذه العقلية، عقلية رفض إجرام النظام ورفض المساعدة للتخلص منه، أنها مصابة بلوثة الازدواجية في كل القضايا المصيرية، ومن خلال قراءة الكثير من النصوص التي أنتجها العقل العربي على مدار مرحلة الربيع تبين المساحة الرمادية الهائلة وفائض اللامعقول التي يملكها العقل العربي، والتي غالباً ما يكون مصدرها المشاعر اللاعقلانية من غرائز ما قبل آدمية ومحاكمات ساذجة يتم صبها في سياقات فكرية معينة وتصديرها بوصفها مواقف عقلانية وهي ليست سوى مجرد تهويمات.

أيها السوريين، لا داعي لأن تجلدوا أنفسكم، لستم أنتم سبب هذا التدخل، ولا الآخرين جاؤوا لمجرد إنقاذكم، لقد تركوه يفتك بكم حتى غاص لأذنيه بدمائكم، بل هو من استدعى هذا التدخل، عندما تأكدوا أن لديه سلاحاً يفتك بأعداد كبيرة من البشر دفعة واحدة، صحيح أنهم يعرفون أنه لن يتجرأ في تاريخ سلالته على استخدامه ضدهم، ولكنهم لا يضمنون أن يصل هذا السلاح لأيدي سوريين آخرين لهم طريقة تفكير مختلفة.


كاتب سوري

8