مساء فائض عن الحاجة

السبت 2017/02/25

كانت الساعة المزروعة على سارية عالية بأخير الشارع تشير إلى التاسعة ولبطة دقائق، وهو تمام موعدي الشهيّ مع جمال الأفنص. في أثناء صعودي الدرج الطويل المؤدي إلى حلق الحانة، تزحلق أحد السكارى الهابطين ووقع بين قدميّ. انحنيت عليه وعاونتُهُ على النهوض، فحضنني بما تبقى من قوته الخائرة وتوسّد كتفي المهدول باكيا.

كانت رائحته خلطة عشوائية من شراب العرَق واليوريا، وبقايا قيء غير متجانس تركه على ردن قميصي.

سوء الحظ هو الذي جعلني أدلف إلى ألحان في تلك الدقيقة اللعينة، فلو أنني مررت قبلها بدكان مسعود الغبيّ وابتعتُ منه علبة دخان، لَما وقع لي هذا الحادث المنفّر.

مازال السكران المسكين ممسكا بي كما لو أنني شبّاك وليٍّ صالح. سأكون واضحا وشفافا ومنصفا ودقيقا وشهما، وسأصف لكم رائحة هذا الكائن المرتعش بدقّة. هي تشبه تلك الشمّة الأولى التي بمقدورك أن تشفطها بمنخريك، وأنت تضع قدمك بباب مرحاض جند هاربين من معركة شرسة. عرضتُ عليه المساعدة، فأنتج وجهُهُ عشر ابتسامة كتلك التي يصنعها عزيزَ قومٍ ذلَّ، وقال بصوت يكاد يكون مقموعا، إنه بحاجة إلى ليرة واحدة فقط. دسستُ بيده الدبقة ليرتين فردَّ عليَّ ببوسةٍ طويلة، قد تكون سببا ممتازا في تسخيم ما تبقى من ليلتي المنتظرة.

في الحانة كان جمال قد انتبذ مائدة هي الأقرب إلى المطبخ، والأبعد عن عيون الزبائن.

لجمال المفلس نظرية جميلة في هذا الاختيار، وسيعيد عليك بمفتتح الجلسة، أنه بكمونه بباب المطبخ، سوف لن يحتاج إلى فقرة العشاء، فهو الأكول النهم الذي سيكتفي بعطر الشواء الهاب من المنقل، الذي سيغمسه بربطة خبز مجانية قد صارت جزءا من علامات الحانة الرحيمة. سلّمتُ عليه ولم أعتذر عن تأخري، لأنّ صاحبي وسهيري الليلةَ هو من صنف الكائنات التي لا تشعر بالوقت. في اللحظة التي زرعتُ فيها عجيزتي على الكرسي، كانت المائدة موحشة إلاّ من علبة عيدان نبش الأسنان. قلت لجمال إنّ خمرتك الليلة ستكون من خراج جيبي، فردّ عليَّ بابتسامة ضخمة مثل تلك التي يصنعها معطوبٌ دخل المستشفى بشبهة سرطان، وخرج منها بسعالٍ ديكيٍّ لعين.

جلسنا في الحانة خمس ساعات. جمال الخبل يشرب العرق ويدندن مع أم كلثوم دندونة على بلد المحبوب ودّيني، أما أنا فمازال منظر صعلوك الدرج يرفس دماغي بقوة.

24