مسائل فقهية

الأربعاء 2015/02/18

أذكر أن عام 2012 حمل لتونس بوادر الفتح من جديد، ومن تمظهراته حملة إعلانية عن وصول فقيه متخصص في غسل الأموات ودفنهم حسب الشريعة الإسلامية، ليقوم بعدد من المحاضرات ويشرف على ورشات عمل في هذا المجال الحيوي والاختصاص النادر الذي كان غائبا على التونسيين منذ 1400 عام.

طبعا ما يعتقد ويرى الجيل الجديد ممن تعلموا أصول الدين عن الفضائيات ومواقع الإنترنت، وحسبوا أن أباءهم وأجدادهم وأقرباءهم وجيرانهم وأبناء مجتمعهم، هم ممن يحق فيهم التكفير القطبي الذي انطلق إخوانيا قبل أن ينتهي داعشيا.

وقد حدث أن التقيت رجلا مسنّا قال لي إنه ذاهب إلى مدينة المهدية، لحضور محاضرة الفقيه الوافد حول غسل الميت وتكفينه ودفنه، وعندما سألته عن دوافع الرحلة والفوائد التي يرجوها من حضور المحاضرة، صمت ربما لأنه يعرف أنه مدفوع فقط بتلك النزعة التي رسخها إعلام النكبة منذ عقود، مدفوع بفكر ديني متشنّج سرعان ما تحوّل إلى طاعون يتجاوز في خطره الإيبولا بكثير، وطبعا لم يذهب في ظني أن الرجل سيحصل على معلومات يحملها معه إلى أسرته، حتى نستفيد منها في غسله وتكفينه ودفنه إذا انتقل إلى ذمة الله.

وفي تلك الأجواء جاء إلى تونس فقيه آخر، قيل إنه صاحب علم غزير وعقل مستنير، قبل أن يتضح لحكومة بلاده، أنه متطرف ومتشدّد وإخواني متعاطف مع كل مشروع إرهابي سواء كان تابعا للقاعدة أو داعش أو جبهة النصرة أو أنصار الشريعة أو أجناد بيت المقدس أو أحرار الشام، فقررت سحب جنسيته.

أما لماذا زار تونس؟ فليشرف على إطلاق تظاهرة وطنية وإقليمية وعالمية في ذات الوقت، تستهدف تحجيب البنات الصغيرات ممن لا يزلن في الرياض أو الكتاتيب أو في التعليم الابتدائي، حتى يصبحن نساء صالحات فيما بعد، وفق تعبير المروجين لمشروعه.

ومما يذكر هنا أمر قد لا يبدو مهما للكثيرين، وهو أن زعيما سياسيا تونسيا انتقد الفقيه ومشروعه في برنامج تلفزيوني واسع الانتشار، وبعد أقل من أسبوعين تم اغتيال شكري بلعيد، وعند القبض على بعض المتورطين في الجريمة، قالوا ببساطة إن فتوى اغتياله صدرت بسبب تصريحه ذاك، وانتقاده لصاحب مشروع تحجيب الصغيرات قبل أن يصبحن كبيرات.

اليوم تجاوزنا قضية غسل الميت ودفنه وتحجيب الصغيرات، لنصل إلى مرحلة البحث في أصول الذبح والحرق وسفك الدماء وما قال فيها العلماء والفقهاء، وسر اللون البرتقالي والساعة الباذخة وسكاكين المارينز وملابس الكوماندوز في أفلام داعش الدموية.

24