مسابقة عصر السرعة

في عصر السرعة نلهث ونسابق الزمن لنقع في الإسراع والتسرع فنخسر السباق ومعه الكثير من نكهات الحياة.
الأربعاء 2018/04/18
السرعة في تنفيذ المهام ضرورية

هل تعني تسمية عصر السرعة أنه وقت القيام بكل شيء على عجل؟ تبدو السرعة في تنفيذ المهام ضرورية، لكن السرعة التي أصبحت اليوم أحد معايير مواكبة العصر قد تتحول إلى حمل يفقدنا رونق الحياة.

اكتظاظ اليوم بالمهام يجعل العقل مكتظا بالأفكار وحائرا في توزيعها عبر الزمن، تزاحم الأفكار يربكه فتتداخل رسائل المخ إلى الأعضاء المنفذة وتكون النتائج غير محمودة.

ربة البيت نسيت وجبة الطعام على النار فاحترقت لأنها باشرت في الوقت ذاته مهمة أخرى مستعجلة ساعية لربح الوقت فإذا بها تخسر المهمتين لتعاودهما من جديد.

والموظف الذي وضع حقيبته على ظهر السيارة ليفتح الباب وهو يجيب على مكالمة هاتفية، ينطلق بسيارته وينسى المحفظة التي بها أهم ما لديه فوق سطح السيارة، يصل إلى العمل في الوقت المحدد لكنه لا يجد محفظته وهو متأكد من أنه أخرجها معه ثم لم يلتق أحدا، ولم ينزل من سيارته وبالتالي لم تسرق. يحتار فيمضي يومه مشتت الأفكار ضائعا مثل حقيبته.

الإسراع ومحاولة القيام به يوقعان الشخص في مواقف مضحكة وأحيانا خطرة، لكن لا يمكن تجنب الإسراع في عصر السرعة، وقد ننسى أثناء اللهث وراء الوقت والمواعيد أن نتمتع بكل ما هو جميل أو لا نجد الوقت لذلك، الأم التي توقظ ابنها بسرعة ليذهب إلى المدرسة تقتلعه من فراشه الدافئ ليجد وجهه مبللا بالماء، وبعدها يجد فمه ممتلئا بالطعام ثم تقلبه وتديره يمنة ويسرة ليرتدي ثيابه بسرعة وقد يجبر على وضع قدمه في حذاء فيه جوربة فلا يستطيع ارتداءه ليسمع صرخة تطالبه بالإسراع وتكاد تثقب طبلة أذنه.

الشاب الذي يريد أن يلفت أنظار الجميلات يسارع صباحا إلى حلاقة ذقنه ويتعطّر بعطره باهظ الثمن فلا ينتبه إلى بقايا شعر تركها متفرقة في أشكال لا هندسية تجعل شكل ذقنه مثل سطح البحر الذي تنتأ فيه حجيرات من هنا وهناك، مثلما لا ينتبه إلى بعض صابون الحلاقة العالق في شعيرات أنفه، غير أنه يمشي في الشارع واثقا من وسامته رافعا رأسه وصدره آملا أن يحظى بنظرات الإعجاب ولِمَ لا المعاكسة.

والعجوز التي خرجت بدورها مسرعة من البيت لتصل في الموعد إلى المستشفى المكتظ بالمستعجلين تكتشف في شباك التسجيل بعد أن انتظرت دورها في الطابور طويلا أنها نسيت وثائقها، فتراها من هول المفاجأة عاجزة عن الكلام، هذا نموذج للسرعة المضرة بالصحة أصلا. في عصر السرعة نلهث ونسابق الزمن لنقع في الإسراع والتسرع فنخسر السباق ومعه الكثير من نكهات الحياة.

24