مساجد نسوية في الغرب.. نحو إسلام متصالح مع العصر

كاهنة بهلول ستكون أول امرأة إمام على التراب الفرنسي حيث ستتولى الإشراف على مسجد فاطمة بباريس الذي تريده "أن يكون ليس ككل المساجد".
الجمعة 2019/01/18
حان وقت النساء في أمكنة العبادة

بدأ المسلمون يتكيفون شيئا فشيئا مع حياتهم في الغرب، فبدل محاولة تكييف العالم ليتوافق مع عقائدهم، كما يفعل عبثا الإخوان المسلمون والأصوليون عامة، بدأوا يكيفون معتقداتهم مع متطلبات العيش في مجتمعات الحداثة والحرية بإعادة قراءة دينهم بنظارات جديدة. وكثيرا ما تأتي المبادرات التجديدية من المسلمات. فبعد آمنة ودود التي أصبحت مثالا يحتذى به كأول امرأة يصلي خلفها مسلمون في الولايات المتحدة والدنماركية شيرين خانخام، عرفت ألمانيا أول تجربة تقوم فيها امرأة بدور الإمام وستلحقها فرنسا في الأيام القادمة.

 حينما يجتمع عظيمان كابن رشد وغوته لا بد أن تكون النتيجة متميزة، ذات نكهة، يمتزج فيها عطر الشرق والغرب: مسجد فريد من نوعه في برلين تصلي فيه النساء بلا حجاب وتتولى فيه امرأة الإمامة.

منذ أكثر من سنة يؤدي الصلاة في مسجد ابن رشد-غوته ببرلين النساء والرجال معا ويعمل مؤسسوه السبعة على نشر إسلام حداثي متحرر من تابوهات الماضي. وعلى عكس ما يجري في مساجد برلين الأخرى الثمانين، هنا تصلي المحجبات وغير المحجبات جنب لجنب وكذلك الشيعي والسني. وكل الأقليات والطوائف والتيارات المسلمة مرحب بها بما فيها فئة المثليين، ما عدا مرتديات النقاب والشادور. أما الوعظ فيتم باللغة الألمانية.

“أردنا أن نرسل إشارة ضد الترويع الإسلاموي وتحريف ديننا” كما “نحن في أمسّ الحاجة لقراءة حداثية للنصوص الإسلامية من أجل الكفاح ضد التمييز ضد المرأة وتشجيع الاختلاط واحترام حرية المثليين، فلا يمكن حسبها أخذ النصوص الدينية التي تعود إلى القرن السابع حرفيا في العصر الحديث”، هكذا تعرّف سيران أتاش إمامة المسجد بالمبادرة.

لكن هذه المناضلة الحقوقية والنسوية من أصول كردية لا تخفي التهديدات المحتملة ولا الأخطار المحدقة منذ أن تعرضت لمحاولة اغتيال رميا بالرصاص، فهي تعيش تحت الحماية البوليسية منذ أن دافعت عن النساء ضحايا “جرائم الشرف” وانتقادها لتزويج الصغيرات والزواج القسري للمهاجرات المسلمات وفرض ارتداء الحجاب وخاصة بسبب دعوتها لثورة جنسية بين المسلمين في كتابها “المسلمون في حاجة إلى ثورة جنسية”.

وعلاوة على كل ما سبق، فالهدف من افتتاح هذا المسجد وفق سنان أطيش هو بدء حوار بناء بين الطوائف الإسلامية المختلفة بغية تغيير الصورة النمطية عن الإسلام في ألمانيا وفي الغرب بصفة عامة وإظهار الجانب المعتدل في تفسير النصوص.

المسجد حسب القائمات والقائمين عليه إجابة عملية على الغربيين الذين يتساءلون دوما وهم يرون التشدد والارهاب أين هم المسلمون العصريون الليبراليون؟ وكان من المنتظر أن تستقبل الدوائر الإسلامية المحافظة المشروع بالرفض والاستنكار، ولم تتردد دار الإفتاء المصرية على صفحتها على فيسبوك في القول إن ارتداء الحجاب يتفق مع الشعائر التي سنها الله وأن الإسلام يمنع الاختلاط الجسدي بين الرجال والنساء أثناء الصلاة وأن ذلك متعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية كما أنه غير مسموح للمرأة في الإسلام أن تتولى الإمامة في حضرة الرجال.

أما “ديانات” أو رئاسة الشؤون الدينية التركية فقد أعلنت أن مسجد “ابن رشد غوته” في برلين يحتقر قواعد الدين الجليل ويهدف إلى تقويض وتدمير الدين الإسلامي. ويبقى الصراع مستمرا بين هذا التوجه التقليدي المتزمت والاجتهاد الذي يصبو إلى تحقيق إسلام منفتح ومتسامح وعصري.

يبقى الصمت سيد الموقف بالنسبة لممثلي الإسلام الرسمي
يبقى الصمت سيد الموقف بالنسبة لممثلي الإسلام الرسمي

وستكون كاهنة بهلول أول امرأة إمام على التراب الفرنسي. ستتولى الإشراف على مسجد فاطمة بباريس، الذي تريده “أن يكون ليس ككل المساجد”، فهي تريده منفتحا على الجميع، تصلي فيه النساء والرجال جنبا لجنب ويساهم في إبراز الإسلام الليبرالي الذي يحلم به الكثير من المسلمين في الغرب.

ولدت بهلول في باريس ولكنها ترعرعت في منطقة القبائل بالجزائر. وتلقت تعليما أكاديميا في القانون ولها تجربة مهنية طويلة في مجال التأمينات، لكنها تركت كل شيء وولجت عالم الإسلاميات وهي اليوم تحضر رسالة دكتوراه حول الشيخ محي الدين ابن عربي.

أثار هذا المشروع الذي تقدمه مع فاكر قورشان أستاذ الفلسفة الفرنسي من أصل تونسي والمهتم بتجربة المعتزلة، تساؤلات وردود أفعال كثيرة تراها بهلول دليلا على وجود حاجة حقيقية لمبادرة من هذا النوع من طرف الكثير من المسلمات والمسلمين في فرنسا.

بهلول نفسها كانت تبحث منذ سنوات عن مكان تمارس فيه بحرية الإسلام الذي ورثته عن أبيها، ذلك “الممزوج بالنزعة الإنسانية والتقدمية، ذلك الدين الذي لا يخنق التفكير حيث يمكن الجمع بين التقاليد والحداثة”.

وتقول بهلول إنها لم تعد تهضم منذ مدة ما يحدث في المساجد الموجودة في فرنسا خاصة تلك التي تتبنى السلفية. ولأنها لم تجد مسجدا يلبي حاجتها التعبدية، قررت كاهنة بهلول فتح مكان عبادة مختلف لتحقيق رغبتها ورغبة من هم في وضعها. يهدف المشروع إلى خلق فضاء يسمح للنساء بتأدية صلواتهن إلى جانب الرجال، لكن في مرحلة أولى ستقسم قاعة الصلاة الكبرى إلى قسمين من أجل تجنب الاختلاط والاحتكاك القريب بين الرجال والنساء أثناء الركوع والسجود. أما الدروس والخطب فيلقيها رجل وامرأة بالتعاقب.

لم يطلق اسم “فاطمة” على المسجد عبثا، وإنما للتأكيد على أنه قد حان الوقت لاستقبال النساء في أمكنة العبادة كما ينبغي وأنه على النساء المسلمات أن يسمعن أصواتهن وأن يكن لديهن المكانة التي يستحققنها في الإسلام حيث تقول بهلول إنه “منذ زمن طويل ينظر إلى القرآن بنظارات الرجال ويفسره الرجال دون النساء”، مؤكدة على إمكانية مساءلة النصوص وتفسيرها بطريقة مختلفة.

وتقترح القناة التي تديرها كاهنة بهلول على اليوتوب تحت اسم “حدثني عن الإسلام” محاضرات متنوعة تمس حياة المسلمين المعاصرة كالحجاب والحرية والاختلاط بغية تقديم وجه آخر للتراث الثقافي والديني الذي خلفه الأولون.

النجاح الذي نالته القناة هو الذي شجع بهلول لتذهب بعيدا في مبادرتها. كما عزّز فكرتها في إنشاء مسجد ليبرالي يحقق تطلعات الكثير من المسلمين الفرنسيين ذلك الاستحسان الذي لقاه نداء 3 يناير الذي تم من خلاله الإعلان عن المشروع.

وتؤكد كاهنة بهلول أن المقصود من “إسلام ليبرالي” هو ببساطة حركة دينية إصلاحية تنظر إلى المعتقدات نظرة حداثية. ويشرح فاكر قورشان فكرة كاهنة قائلا إن “مسجد فاطمة سيقترح مقاربة تاريخية نقدية لتعاليم رسول الإسلام. ولا يعني الأمر رفض هذا الإرث وإنما المقصود هو التعامل معه بطريقة معاصرة”. ويتأسف قورشان الذي أسس ويرأس جمعية “من أجل إحياء الإسلام المعتزلي” على النظر إلى العقل دائما كأنه مناقض للدين، حيث يقول إن “الكثير من المتخصصين المتنورين يتعاملون مع النصوص الدينية من وجة نظر حداثية، لكن فكرهم لم يتخط أسوار الجامعات بعد ونحن نريد أن ننقله إلى المساجد”.

وترى كاهنة بهلول أن اضطلاع المرأة بمهمة الإمامة لا يطرح أي مشكلة لاهوتية في الإسلام، فهو أمر مكتسب منذ القرن الثاني عشر وكتابات محي الدين ابن عربي لا تمنع ذلك.

ويضيف فاكر قورشان أنه ينبغي فقط هدم حوالي ألف عام من الخطاب المعادي للمرأة إذ حتى وإن كانت النصوص لا تمنع إمامة المرأة، لا تزال فكرة صعود المرأة إلى المنبر تصدم الكثير من المؤمنين.

وفعلا ذلك ما يلاحظ على مواقع التواصل الاجتماعي حيث نقرأ ردود فعل رافضة وأخرى مستهزئة وأحيانا مهددة، ولكن يبقى الصمت سيد الموقف بالنسبة لممثلي الإسلام الرسمي في فرنسا باستثناء طارق أوبرو إمام مسجد بوردو وصاحب “نظرية فقه الأقليات في أوروبا” الذي صرح أن الرسول لم يمنع تولي النساء الإمامة.

فماذا سيكون موقف مسجد باريس والمنظمات الإسلامية المتشددة في فرنسا حينما تعتلي كاهنة بهلول المنبر في أول صلاة جمعة تقام في مسجد فاطمة؟

13