مساحات إبداعية في باريس للمهاجرين والمنفيين

شهد شهر سبتمبر الماضي من هذا العام افتتاح “ورشة الفنانين في المهجر” في العاصمة الفرنسية باريس وهي مساحة فنية تفاعلية تستقبل الفنانين والكتّاب المنفيين من مختلف الجنسيات، إيماناً من مؤسسيها وأعضائها بأهميّة وجود فضاء يدعم الفنانين المحترفين ويتيح لهم فرصة متابعة مشاريعهم الفنية والأدبيّة وتأمين قنوات للتواصل مع المنظمات والجهات الفنيّة الأخرى في فرنسا وأوروبا ليكونوا جزءا من الحراك الفنيّ والثقافي. “العرب” اللندنية التقت مؤسسي الورشة أريل سيبيل وجوديث ديبول للحديث عن هذا المشروع ورؤيته السياسية والثقافية.
الخميس 2017/11/23
الورشة تكسر الصورة النمطية عن المهاجرين

باريس - اختتمت ورشة الفنانين في المهجر مؤخراً فعاليات المهرجان الفنيّ “رؤى المنفى” الذي نظمته في باريس في “المتحف الوطني لتاريخ الهجرة”، والذي امتد على مدار تسعة أيام استقبل فيها المهرجان فنانين وكتّابا ومؤدين من مختلف أنحاء فرنسا وأوروبا، حيث قدّموا العديد من العروض المسرحيّة والمناظرات والحفلات الموسيقية، ليكون المهرجان ثمرة جهود أشهر من العمل مع الفنانين في سبيل إيصال أصواتهم إلى المجتمع الفرنسي، ومحاربة الصورة النمطيّة المرتبطة بالمنفيين واللاجئين.

منشأ الفكرة

بدأت فكرة تأسيس الورشة العام الماضي، إثر لقاء أريل وجوديث بعدد من الفنانين السوريين في مسرح الكونفليوناس وحديثهم عن الصعوبات التي يواجهونها في فرنسا، كونهم كباقي اللاجئين يواجهون مشاكل إدارية واقتصادية وأخرى تتعلق بالسكن وبعوائق اللغة.

يقول أريل “يواجه الفنانون صعوبات خاصة ترتبط بمهنتهم، كالتواصل مع الفنانين المحترفين العاملين في ذات مجالهم إلى جانب التعرّف على آليات عمل النظام الفرنسي، ويمكن القول إننا أوّل منظمة فرنسية وربما أوروبية لمساعدة الفنانين في المنفى”.

رغم الجهود التي تبذلها الورشة إلا أن مؤسسيها ما زالوا يسعون إلى توسيع نشاطاتهم والحصول على المزيد من الدعم

عملت وسائل الإعلام والكثير من السياسات الثقافية على تحويل اللاجئين والمنفيين إلى كائنات إكزوتيكيّة وغرائبيّة وكأنها تحمل وسماً يجعلها جذابة من جهة وتحمل قيمة دونيّة من جهة أخرى، وفي سبيل الوقوف بوجه هذه الصورة النمطية يرى مؤسسا الورشة أنه في البداية يجب فهم منشأ هذه الرؤية المرتبطة بالمتخيل الاستعماري الموجود في المجتمعات الأوروبية والتي لم تتمكن حتى الآن من التحرر منه، والأسوأ من ذلك هو العدوانيّة التي يواجه بها اللاجئون نتيجة هذه الصورة المتخيّلة، هذه العدوانية موجودة عند الدولة والبعض من المؤسسات الإدارية بل ولدى فئة سياسية محددة لا تمتلك الجرأة على الإقرار بأن المجتمع الفرنسي لديه كل الوسائل اللازمة لاستضافة اللاجئين الموجودين هنا، بل والآلاف غيرهم دون أي شكّ، وفي ما يخص هذه السياسات العدوانيّة والصورة النمطيّة يقول مؤسسا هذا المشروع الثقافي “ورشة الفنانين في المهجر هي جزء من حركة كبيرة في فرنسا تتألف من المئات من المبادرات التي يقوم بها المواطنون ومن النسيج المؤسساتي الفرنسي وكلاهما يمنعان النظام السياسي من التداعي”.

خصوصية الفنان

تشكل الورشة في باريس حاليا فضاءً إبداعيا وثقافيا أبوابه مفتوحة للجميع، كما أنها تتابع الشؤون الإدارية لكل واحد من الفنانين الأعضاء في ظل ضغوطات البنية الرسميّة الإدارية المعقدة في فرنسا، كما تتعاون الورشة مع مساعد اجتماعيّ ومتطوعين مختصين بالطب النفسي ومجموعة من المحامين الذين يتابعون الشؤون القانونيّة لبعض الفنانين، ويرى أريل وجوديث أنّ مهمة الورشة الأولى هي خلق حلقة الوصل بين الفنانين في المنفى والأشخاص المناسبين لمساعدتهم في معاملاتهم المختلفة وخصوصاً أنه من الصعب على الفنان أن يتابع نشاطه الإبداعيّ إن كان محاطاً بالصعوبات الاجتماعية والاقتصاديّة.

بالرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها الورشة إلا أن القائمين عليها ما زالوا يسعون إلى توسيع نشاطاتهم والحصول على المزيد من الدعم الاقتصادي في سبيل متابعة عمل الورشة، فلإيجاد مقرّ مناسب وبمساعدة منظمة إيمايوس التقى أريل وجوديث بمالك العقار الذي يحوي الورشة والذي كان متفهماً لمشروعهم ومنحهم المكان الممتد على مساحة ألف متر مربع بصورة مؤقتة، كما يأملان أن يتم إيجاد مساحات شقيقة في لندن وبرلين وأمستردام وغيرها من العواصم الأوروبية في سبيل خلق مساحات أكثر ملاءمة للنشاط الفني والأدبي للمنفيين واللاجئين.

التقت “العرب” أيضا السوري محمد حجازي، المخرج ومسؤول عمليات ما بعد الإنتاج، الذي قام بتقديم البعض من الفنانين والعاملين في الإنتاج الفني إلى الورشة، كما شارك في تنظيم وتوثيق مهرجان رؤى المنفى، ويرى حجازي أن الورشة وفرت له مكاناً مناسباً للعمل والبعض من المعدّات البسيطة التي تتناسب مع إمكانياتها الماديّة، كما وفرت الفضاء المناسب لتأسيس فريق عمل ضمن بقعة جغرافية واحدة وساهمت بخلق مناخ للقاء الفنّانين والعاملين في المجال الفني من سوريا ومختلف الدول العربية وغير العربية، كما أنها سعت إلى عرض أعمل الفنانين في العديد من المهرجانات ومنصات النشر الفرنسية والأوروبية وفي بعض الحالات توفير إقامة مؤقتة للبعض ريثما يتوافر لهم سكن خاص.

ويضيف “تختلف الورشة عن المؤسسات الحكومية والبُنى الرسمية، هي تُعنى بشكل خاص بالفنانين ما يسهل لغة التواصل مع القائمين على الورشة وخصوصاً في ما يتعلق بالشؤون المهنيّة، كما أن أبواب الورشة مفتوحة للجميع ما يخلق جواً أسرياً بين الموجودين، كما تقوم الورشة أيضاً بالتواصل مع بعض المؤسسات الحكومية والجامعات لتوفير المنح الدراسية وبرامج تعليم اللغة”.

يتابع حجازي أن الورشة بحاجة لدعم مادي لتطوير عملها وتطوير الطاقم الإداري من حيث مهارات التنظيم والتواصل إلى جانب السعي إلى زيادة عدد الموظفين وتأمين كمّ أكبر من البنى اللوجستية اللازمة لزيادة الإنتاجية سواء من حيث عدد المكاتب وأجهزة الكمبيوتر أو من حيث متطلبات العمل الفني والإداري.

15