مساحات اللعب المرتجل

معرض فوتوغرافي  للفنان الإسباني نيكولا كومبارو يكتشف احتمالات الفن في المكان عبر توظيف النحت والتجهيز والتشكيل، لخلق مساحات فنّية تغيّر الطبيعة الأصلية للفضاء.
الأحد 2018/07/08
ظل لكيان مجهول

يختزن أي فضاء معماري في داخله مجموعة من السياسات والجماليات التي تؤثر في تشكيله بصريا، إلى جانب تأثيره على طبيعة الموضوعات التي تشغله، وآلية ظهورها وحركتها، ما يجعل كل مساحة معمارية مضبوطة بسلسلة من القواعد، تحدد أدوار من هم داخلها، سواء كانت هذه الأدوار جديّة أم لا، ليأتي العمل الفنيّ لاحقا بوصفه جهدا “للعب” ضمن الفضاء، وإعادة تكوينه، وارتجال مقاربات جديدة تغيّر من طبيعته، ما يتيح لمن يشغله أو يشاهده اكتشاف احتمالات أهملتها المخططات الأصلية ونفت إمكانيّة حضورها.

يستضيف المنزل الأوروبي للتصوير الفوتوغرافي في العاصمة الفرنسية باريس، معرضا فرديا بعنوان “تدخلات” للفنان والمصور الإسباني نيكولا كومبارو، والذي يلتقط بعدسته التدخلات التي يقوم بها ضمن الفضاءات المعمارية المختلفة، عبر توظيف النحت والتجهيز والتشكيل، لخلق مساحات فنّية، تغيّر الطبيعة الأصلية للفضاء، ليتحول إثرها إلى جزء عضوي من العمل الفني،  بحيث تتلاشى الحدود بين مكان العرض والعمل الفني، ليكون الواحد منهما نتاج الآخر، إذ لا إطار يحدد “اللوحة” المنفصلة عما حولها، وكأن الجهد الفني هنا أشبه بـ”حدث” يعيد تكوين ما حوله.

التقطت المجموعة الأولى من الصور في المعرض خصيصا لمناسبته، وذلك إثر إقامة كومبارو الفنيّة في باريس، إذ نشاهد صورا لأعمال تجهيز مختلفة، تبدو مجرّدة للوهلة الأولى أو دون معنى.

إطارات من ضوء
إطارات من ضوء

إلا أن المثير للاهتمام أن على المشاهد أن يتعامل معها بداية بوصفها صورا فوتوغرافية مجردة، بعيدا عن التعريفات المسبقة للفضاء وخصائصه الوظيفيّة، كمجموعة الأعمدة التي تحضر ضمن فراغ بين جدارين، هي ليست درجا، بل يمكن اعتبارها ضربات ريشة، تملأ المساحة القابلة للتشكيل، وهذا ما يجعل التصوير الفوتوغرافي وطبيعة الزاوية التي تلتقط منها الصورة مسؤولة عن تكوين العناصر الجماليّة، فما هو تجهيز بالأصل يتحول إلى لوحة تشكيلية بعد التقاط الصورة.

تحضر في المعرض أيضا سلسلة من الصور بعنوان “عمارة عفويّة”، والتي توثق مجموعة التدخلات التي قام بها الفنان ضمن الفضاءات المهجورة والمحكوم عليها بالدمار، محولا إياها إلى أعمال فنيّة، إذ نشاهد في أحدها كيف جعل من الضوء إطارا، مستعيدا مفهوم البارغرون بوصفه الخط الفيزيائي الفاصل بين المحتوى الفنيّ وما حوله، فهشاشة الضوء تعكس وهمية مفهوم الإطار والسياسات المرتبطة به، بوصفه يعزل العمل الفنيّ عن محيطه، مكسبا إياه هالة، وهنا تبرز القيمة النقديّة لهذه التدخلات، كونها تضيف إلى ما هو محكوم عليه بالنفي قيمة فنيّة، تعكس السياسات التي يخضع لها “الفن” ذاته والتي تحدد قيمته ونوعيته.

يُحفّز المعرض الزائر على طرح تساؤلات عمّا حوله، والاحتمالات التي تختزنها الفضاءات التي يتحرك ضمنها يوميا أو تلك التي يتجاهلها، فكومبارو لا يسعى للإتقان أو المثاليّة، بل يتدخل في الفضاء كطفل صغير يبني لعبة من مجموعة من الأخشاب، أو يطلي نصف جدار، أو يقرر أن يلطّخ الجدار ذاته، إلا أن هذه “الألعاب” تختزن مرجعيات واقعية وفنيّة كصورة باسم “خط الظل”، والتي رسم فيها باستخدام الطلاء ظلا لجسم وهمي، لا نعرف ماهيته، إلا أنه ترك أثرا خفيا بعد تلاشي الأصل، وهنا تبرز خصوصية تدخلات كومبارو، بوصفه يبحث في ما هو ممحي، ويحاول تعيين ما هو غائب، والتقاط آثار ومعالم تكوينات منفية من المخططات الرسميّة.

الجدير بالذكر أن كومبارو أخرج فيلمه الوثائقي الأول “Shadow line” العام الماضي، والذي يتحدث عن سيرة المصور الفوتوغرافي الإسباني ألبيرتو غارسيا أليكس، إذ رافقه كومبارو في رحلته إلى تشيلي، متتبعا إياه وهو يكتب ويصور ويصنع الأفلام، ليكون الفيلم نفسه أشبه باحتفاء بصري بألبيرتو، صاحب الصور السوداء والبيضاء، التي تتناول بسخرية موضوعات الجنس والعنف والمخدرات.

15