مساحات عاطفية مهدورة

حياتنا المعاصرة أصبحت حلقة مفرغة وانقرضت منها الكثير من الطقوس الجميلة بشكل غير مسبوق.
الجمعة 2018/11/09
لشرب القهوة طقوس

نشأ البشر وتطوروا عبر مجموعة من الطقوس والعادات، جعلت للعالم دلالة وأعطت لحياتهم معنى، وتجاوزت في دلالتها وقيمتها المنظور الضيق، الذي قد يصنفها على أنها أشياء بلا أهمية.

ثمة طقوس فردية يمارسها الشخص الواحد مع ذاته وأخرى جماعية، تشترك فيها حياة مجموعة من الأفراد وحتى المجتمعات، إنها عبارة عن رابطة حسية تنعش فينا بطريقة ما مشاعر عميقة وتشعرنا بالارتياح، وقد تتجاوز في مفعولها الإحساس الداخلي بالنشوة، ليتمخض عنها الكثير من الفوائد الصحية الفردية والجماعية. ومن ضمن هذه العادات مثلا، شرب القهوة في توقيت معين أو الذهاب للسينما أو الاستماع للموسيقى بشكل دوري، أو ارتداء القميص المفضل، أو حتى استخدام نفس لون أو حجم وريقات الملاحظات الصغيرة.

طقوس كهذه، على بساطتها وعدم أهميتها الظاهرة، يمكن أن تكون مفتاحا أساسيا لتحسين مستوى الأداء الوظيفي والأكاديمي، وتكون دافعة على النجاح والإبداع مقارنة بمن لا يميلون إلى التعود على مثل هذه الأمور، أو ليسوا محكومين بالعادة كما هو حال البعض.

أستحضر هنا طقسا اعتاد عليه الشاعر الإنكليزي جون ميلتون، وكان ملهما له لكتابة معظم ملحمته الشعرية “الفردوس المفقود” وهو الاستلقاء على فراشه البسيط وترك المجال لقريحته الشعرية لتتفتح، والأمر نفسه كان يروق كثيرا لرئيس الوزراء البريطاني الراحل، ونستون تشرشل، أثناء كتاباته عن الحرب العالمية الثانية.

ويبدو أن الكاتب الأميركي ترومان كابوتي كان أيضا لا يستطيع التفكير بشكل صحيح، إلا إذا كان مستلقيا على فراشه، فيبدأ يومه فيه، محتسيا القهوة ثم الشاي بالنعناع ثم الكحول، وكأن سريره قد تحول إلى حانة مع فارق كبير لم يدركه إلا كابوتي.

النصيحة التي يقدمها الخبراء تقول إنه كلما حافظنا على ممارسة البعض من طقوسنا وعاداتنا اليومية، تحسن مستوى صحتنا الذهنية وشعرنا بتغيير مزاجي ونفسي للأفضل.

لكن حياتنا المعاصرة أصبحت حلقة مفرغة وانقرضت منها الكثير من الطقوس الجميلة بشكل غير مسبوق. فمن منا مازال يحفل بالذهاب إلى السينما لمشاهدة أحد الأفلام أو يفتح المذياع صباحا للاستماع لآخر المستجدات أو احتساء قهوته على أنغام “سيدة الصباح” فيروز، أو يتناول عشاءه بصحبة أفراد عائلته؟

ربما لم نكن يوما أكثر حاجة مما نحن الآن عليه لهذه المساحات العاطفية التي يمكن أن توفرها هذه العادات والطقوس البسيطة بشكل عام، وقد أثبتت الأبحاث العلمية بشكل متزايد أن ما نقوم به من أنشطة وعادات يومية له فوائد غير مرئية على صحتنا ورفاهيتنا، لكنني شخصيا لم أعد النظر في أسباب انقطاعي عن ارتياد قاعات السينما، كما لم أحاول تخصيص موعد دوري للذهاب إلى النادي من أجل ممارسة الرياضة، بغض النظر عن نبل مقاصدي.

مسألة “كيف أبدأ” مهمة جدا، ففي كل مرة، أضع توقعات ومواعيد لذلك وأفشل في تحقيقها أصبح متوترة ومنفعلة، لكن من حسن الحظ أنني لست من أولئك الذين يعتبرون هذه الممارسات من المحرمات، فيحرصون على تجنبها وبإرادتهم، وقد تمكنت بالفعل من تخصيص بضع دقائق يوميا لممارسة الرياضة ونهاية الأسبوع سأعيد النظر في علاقتي مع السينما.

21