مسارات التسوية في سوريا

السبت 2014/02/01

مع بداية أعمال مؤتمر جنيف2، بدا النظام مشدوهاً وغير مصدق لما يجري من حوله، إذ وجد نفسه في مكانٍ غير مألوف، حيث يفترض أن تنشغل جميع الأطراف الدولية والإقليمية في البحث عن آليات تشكيل “هيئة حكم انتقالية”. ومن بين تلك الأطراف كان النظام السوري نفسه، وقد توجب عليه أن يبحث مع معارضة “خارجية وغير وطنية ولا تمثل أحداً” كما يردد منذ ثلاثة أعوام، تسليم السلطة.

حالة الإنكار والمماطلة التي يعيشها النظام السوري منذ اندلاع الثورة، انعكست على خطابه الإعلامي، بل حتى في جلسات التفاوض، فهو لا يرفض بنود “جنيف1“ لكنه لا يقبلها أيضاً. ذاك أنه يقبل فقط بأن “يقرر الشعب السوري مستقبله دون صيغ مفروضة”. وتستمر المماطلة عندما يرفض مناقشة تشكيل هيئة الحكم الانتقالية قبل “إعادة الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، والتزام دول الجوار ولاسيما السعودية وتركيا بوقف التمويل والتسليح…”، أي قبل استسلام موصوف للمعارضة وحلفائها.

استمر ذلك طيلة أيام المؤتمر، فاستغل النظام كل فرصة لتعطيل التفاوض وهدر الوقت، ما أشاع جواً من التشاؤم لدى بعض المتفائلين بوجود اتفاق روسي- أميركي سابق على المؤتمر، سوف ينعكس من دون شك على الطرفين المفاوضين ويتوج بحل سياسي. وبدا أن روسيا، وباستثناء دفعها النظام لحضور المؤتمر، لم تمارس ضغوطاً يعتد بها لقبول بيان “جنيف1“ بصورة مباشرة وعلنية لا لبس فيها. تماماً كما امتنعت عن ممارسة أية ضغوط على إيران من أجل حضور “جنيف2“، إذ كان على إيران الاعتراف باتفاق “جنيف1“ فحسب من أجل المشاركة في أعمال المؤتمر الدولي، لكنها رفضت ذلك بصلف وعنجهية معهودة، ولم تلق من روسيا بعد رفضها إلا المديح والثناء على محورية دورها، والتحذير من عواقب عدم حضورها.

وهنا عاد السؤال الجوهري إلى الواجهة مجدداً: هل يوجد اتفاق محدد بين روسيا وأميركا للحل السياسي في سوريا؟ لا يمكن وفق المعطيات القائمة إلا أن نشكك في ذلك، سواء بسبب سلوك النظام وإيران والصمت المطبق لروسيا، أو بسبب طريقة عقد المؤتمر، إذ يبدو غريباً جداً أن يتم جمع طرفين يتحاربان منذ ثلاثة أعوام في صراع بات إقليمياً ودوليا بامتياز، ويمسك أحدهما بالسلطة بحماية جيش جرار وقوى إقليمية طائفية، ليتم مطالبتهما بمناقشة كل شيء والتوصل إلى حل. حتى أن وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف، وصف تلك الآلية في حديث لقناة روسيا اليوم ثالث أيام التفاوض بأنها “ساذجة”، وأردف قائلاً: “لكن لا يوجد حل آخر، على أطراف الصراع التوصل إلى حل توافقي”.

كان ذلك يعزز من احتمالات فشل مؤتمر “جنيف2“، ويدفع بسؤالٍ آخر ليطفو على السطح: لماذا دفعت روسيا وأميركا لعقد المؤتمر إذا كان كل منهما سيمتنع عن بذل مجهود كافٍ يؤدي إلى نجاحه؟، ويذهب البعض إلى القول بأن الهدف الوحيد للمؤتمر هو الإقرار المباشر من قبل الجانبين السوريين بوجود “حرب أهلية” تحتاج إلى حل سياسي توافقي. وكانت تصريحات الإبراهيمي قبل نهاية أعمال المؤتمر ملفتة في هذا السياق، إذ أكد على أن المجتمع الدولي لم يتوقع “نتائج ملموسة” من المؤتمر، وأن هنالك “كسر للجليد ببطء، لكنه ينكسر”، واعتبر ذلك نجاحاً بالنسبة إلى رعاة المؤتمر.

وفي خضم عملية كسر الجليد التي قد تستمر أشهر، يبرز سيناريوهين اثنين. في الأول يراهن الحلف المساند للنظام السوري تتقدمه روسيا على استمرار تغيير مجريات المعركة على الأرض، في ظل لا مبالاة “أصدقاء” المعارضة السورية في الأعوام الماضية. وهو رهان يتمسك به النظام السوري بحماس وبعلنية واضحة، ويعتبر أنه الطرف الأقوى اليوم في ميدان المعركة، ومن الظلم واللاعقلانية بمكان مطالبته بتقديم تنازلات كبرى كتشكيل “هيئة انتقالية” تشارك فيها معارضة مفتتة ومشتتة وتنحدر يومياً حتى كادت تغرق في مستنقع حرب أهلية داخلية ستزيدها تفككاً وضعفاً. ولا يعرف بالضبط إن كان ذلك أيضاً هو رهان روسيا، الذي تخفيه باتفاقيات عامة مع أميركا، تحتمل الخلاف في التفسيرات أكثر مما تحتمل التوافق. في هذا السيناريو، الحل مؤجل ولم ينضج بعد.

في سيناريو آخر، يعتقد البعض أن الظروف الدولية والإقليمية وحتى الداخلية في سوريا باتت تدفع باتجاه الحل السياسي أكثر من أي وقتٍ مضى، فالصراع خرج عن كونه صراعاً محصوراً بالأرض السورية، ودعوة أمين عام حزب الله “التكفيريين” لقتال الحزب في سوريا بعيداً عن لبنان، لا يبدو أنها وجدت آذاناً صاغية، فأعلنت كل من جبهة النصرة و”داعش” أن لبنان بات مسرحاً لعملياتهما الإرهابية. فيما يوشك العراق على الانزلاق إلى حرب صريحة بين مكوناته السياسية والطائفية وبتفاعل واضح مع الأزمة السورية. يضاف إلى ذلك الضغط الكبير الذي تسببه مشكلة النازحين إلى دول الجوار، وربما الإنهاك الذي أصاب أطراف الصراع والداعمين لهم.

هكذا، يذهب البعض إلى أن الاتفاق الروسي الأميركي لحل المسألة السورية وتنفيس الاحتقان في المنطقة بات ناجزاً، وأن الطرفين المجتمعين في جنيف عليهما التوصل إلى آلية محددة لتنفيذ بنود “جنيف1″ في وقت لا يجب أن يطول، وإلا انهالت الضغوط على كلٍ منهما. ويبدو أن هنالك ما يعزز من هذه الفرضية، خصوصاً بعد التسريبات الأخيرة التي تحدّثت عن لقاءات سرية في العاصمة السويسرية بيرن، ترسم تفاصيل الحل القادم بعيداً عن “كسر الجليد” في مفاوضات الجولة الأولى في جنيف، وكتمهيد ربما للجولة الثانية، التي ينتظر منها وفق هذا السيناريو أن تكون حاسمة.


كاتب فلسطيني- سوري

8