مسارات الحل في ليبيا تقترب من مرحلة الاختبارات الصعبة

الاثنين 2017/11/06

قد لا يكون التصعيد العسكري الذي تشهده مناطق متفرقة من ليبيا، وخاصة في محيط جنوب العاصمة طرابلس، الذي يشهد عمليات متصاعدة تحت مُسمى “بشائر الأمان”، مجردا من دلالاته السياسية، وإن جاء بلغة صواريخ الغراد وقذائف المدفعية والدبابات.

لا يمكن النظر لهذا التصعيد على أنه الحالة المستجدة الوحيدة في سياق المشهد الليبي بأحداثه وتطوراته، لا سيما وأنه جاء للاستدلال على وضع يوجز إلى حد بعيد ما يجري في الكواليس كما هو على الملأ، ليكشف الأدوار المُريبة لبعض الأطراف المُرتبطة بأجندات إقليمية وأخرى دولية.

ويبدو أن تلك الأطراف تسعى من وراء هذا التصعيد، إلى محاولة تقديم محاكاة سريعة لما أنتجته الأجندات الإقليمية والدولية على طول مساحة التعاطي مع مأزق الملف الليبي الذي تحوّلت أوراقه إلى مجموعة من الألغاز جعلت مسارات الحوار الليبي-الليبي توغل في متاهة مُعقدة.

وتنطوي مسارات ذلك الحوار على أهداف صادقة ونبيلة في جوهرها، تستهدف الخروج من حالة الانقسام والتشرذم، وتتراكم على هوامشها التي تمتد في عمق المشهد السياسي والعسكري بأبعادهما المختلفة، لترسم خرائط جديدة على حدود ومساحة العبث الراهن.

لكن ذلك لم يشفع للأطراف التي انخرطت في مسارات الحوار، حيث جاء توقيت هذا التصعيد ليُبعثر تلك الاستهدافات، وسط كمّ لا ينتهي من الأسئلة المشروعة، ومخاوف مُتصاعدة من تداعياته وتأثيراته على مجمل التوازنات السياسية والعسكرية في البلاد.

وتزامن هذا التصعيد الذي بدأ يجرّ خلفه جملة من التداعيات الموازية إلى لائحة طويلة من الاحتمالات المفتوحة على مصراعيها، مع الجولة الثالثة من المشاورات حول توحيد الجيش الليبي التي جرت أعمالها في العاصمة المصرية القاهرة، ومع بدء الاستعدادات للجولة الثالثة من الحوار الليبي-الليبي التي يُتوقع أن تنطلق أعمالها قريبا في تونس.

ويتقاطع هذا التزامن مع تسريبات قادمة من عواصم غربية حول توجّه جديد للتعاطي مع الملف الليبي يُنتظر أن يحظى بحيّز واسع ومتزايد من النقاش خلال الأسابيع القادمة، خاصة أنه سيشمل إعادة ترتيب الملف الليبي بما يتجاوز كل ما سبق طرحه أو تبنيه خلال السنوات الماضية.

وتشير تلك التسريبات إلى أن عملية المراجعة المُنتظرة ستتم على قاعدة المُتغيّرات التي عرفتها المعادلة السياسية والعسكرية الليبية بعد بروز لاعبين جدد، وذلك في إشارة إلى عودة أنصار العقيد الراحل معمر القذافي إلى المشهد الليبي الذين تنامى دورهم منذ الإعلان عن الإفراج عن سيف الإسلام القذافي في يونيو الماضي.

وترى أن هذه العودة بتشعباتها ومحاورها سيكون من الصعب تجاهلها، خاصة وأن مفاعيلها تراكمت على الميدان حتى بات لا يمكن نزع صواعق انفجارها على خرائط الأجندات الإقليمية والدولية.

وبدا حضور أنصار القذافي في المشهد السياسي والعسكري الليبي الراهن، لافتا وصاخبا في أحيان كثيرة، حيث وجّهت أطراف ليبية من الزنتان، اتهامات مباشرة لـ”الجبهة الشعبية” التي يقودها سيف الإسلام القذافي بـ”التورط” في أعمال عسكرية في “العزيزية” بجنوب طرابلس، وهي اتهامات رفضها العقيد العجمي العتيري القائد السابق لكتيبة أبوبكر الصديق (أبرز قوة عسكرية في الزنتان)، وقلل من تداعياتها.

وفي المقابل، لم يتردد العقيد العجمي العتيري، في حديث مع الصحافية الإيطالية فينيسيا توماساني، في التأكيد على أن سيف الإسلام “هو الشخص الوحيد الذي بإمكانه جمع معظم الليبيين على طاولة واحدة ورأي واحد”.

واعتبر أن سيف الإسلام، هو “رمز وطني لكل الليبيين”، لافتا إلى أن ما وصلت إليه ليبيا من دمار وخراب لا يحتمل المزيد من الحروب والمواجهات العسكرية إلا مع الإرهابيين، و”هذا ما يجعل مهمة سيف الإسلام هي جمع الفرقاء، ورأب الصدع، لما يمتلكه من شعبية واسعة وقدرة على ذلك”.

وقبل ذلك، تواترت التقارير الغربية التي تؤكد أن أنصار القذافي أصبحوا يشعرون يوما بعد يوم أن فرصتهم قد حانت للعودة إلى المشهد السياسي الليبي من الباب الكبير خاصة بعد فشل تجربة الإسلام السياسي في ليبيا وتضاعف أعداد الميليشيات ودخول البلاد في حالة حرب لا نهاية لها.

وأكدت أن أنصار القذافي شاركوا ويشاركون في قتال التنظيمات والجماعات الإرهابية، كما تمكّنوا من السيطرة على مناطق واسعة من ليبيا، الأمر الذي حوّلهم إلى رقم فاعل في المعادلة السياسية.

وترى أوساط سياسية عربية مُتابعة لتطورات الملف الليبي أن التغييرات التي طرأت على الخارطة السياسية والعسكرية الليبية خلال الأشهر الماضية، جعلت القوى الغربية تُعيد حساباتها بعد أن وصلت إلى لحظة أيقنت فيها أن دورها سيواجه تحديات كبيرة ما لم يتم تعديله على وقع هذه المستجدات.

ودفعت تلك التطورات بعض الأطراف التي مازالت ترتهن للأجندات الإقليمية والدولية إلى تحريك أدوار البيادق التي نراها تتحرك اليوم نحو رفع منسوب التصعيد السياسي والعسكري.

وتربط بعض القراءات السياسية التي تناولت هذه المستجدات بالنكوص على الكثير من التفاهمات المعلنة منها أو تلك التي بقيت طيّ الكتمان الذي تسبب في تعثر الجولة الثانية لتعديل الاتفاق السياسي.

ولم يتجاوز الحوار الليبي-الليبي حول تعديل الإتفاق السياسي الذي استضافت تونس جولته الأولى والثانية برعاية المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، نقاط الخلاف الرئيسية، ليعود إلى نقطة البداية، وربما إلى أخطرها بسبب هذا التصعيد العسكري المتواصل.

ويعكس هذا التصعيد أن تطوّرات الوضع في ليبيا قد اقتربت كثيرا من مرحلة الاختبارات الصعبة على خطوط المواجهة العملية للحل، الأمر الذي يُوحي بطبخة سياسية جديدة تتطابق خيوطها مع رغبات لا تخفيها القوى الإقليمية والدولية التي عملت طيلة الفترة الماضية على إطالة أمد الأزمة الليبية بأدوات محلية تعددت مُسمياتها، وتنوعت ارتباطاتها.

وفي المقابل، مازالت تلك الأدوات التي تنظمت في شكل ميليشيات مُسلحة استباحت البلاد طيلة السنوات الماضية، تراهن على الاستفادة من التجاذب على خطوط الطبخة السياسية المُرتقب إنضاجها قريبا، حتى لو اقتضى الأمر انزياحا في تموقع بعضها، أو تخلّي بعضها الآخر عن دورها الوظيفي في سياق لعبة تقاسم الأدوار التي جعلت ليبيا دولة فاشلة تتصارع فيها ثلاث حكومات.

كاتب تونسي

4