مسارح الفضائيات تهدد مستقبل مسرح الدولة في مصر

منذ انطلاق تجربة “تياترو مصر” عام 2013 بمبادرة من نجم الكوميديا أشرف عبدالباقي، جرت الكثير من الدماء في عروق المسرح المصري، التي كانت قد وصلت مرحلة ميؤوسا منها في السنوات الأخيرة، خاصة في المسارح التابعة للدولة.
الأربعاء 2016/04/06
الكوميديا تفرض سطوتها

نجح الفنان المصري أشرف عبدالباقي من خلال تجربتيه الأولى “تياترو مصر” مع قناة الحياة المصرية، ثم “مسرح مصر” مع مجموعة “أم بي سي” السعودية في استعادة روح المسرح المصري بدرجة أثارت غيرة البيت الفني للمسرح (مسرح الدولة)، فبادر المسؤولون بحملات لتجديد المسارح وتوفير الميزانيات المطلوبة لتقديم عروض تستقطب كبار النجوم.

انتفاضة عبدالباقي المسرحية، شجعت قنوات فضائية أخرى على دخول السباق، بعد نجاح عرضها أسبوعيا بشكل منقطع النظير، وقرر أصحاب بعض الفضائيات خوض نفس التجربة، إما بتقديم مسارح بأسماء هذه القنوات وإما حتى عن طريق برامج “التوك شو” التي أقحمت فقرات مسرحية متواكبة مع الظاهرة.

هذا الإقبال الفضائي على إنشاء فرق مسرحية خاصة بكل قناة، طرح تساؤلات ومخاوف عن آثاره على حركة المسرح المصري، وتأثيره على مسارح الدولة، وما إذا كان داعما لها أم منافسا يمكن أن يقضي عليها.

الفنان فتوح أحمد رئيس البيت الفني للمسرح في مصر، أكد لـ”العرب” أن الأمر مرتبط بنوع المسرح الذي يقدم، فالنوع الذي يعرض بالفضائيات هدفه الأساسي الضحك فقط من خلال مجموعة الاسكتشات الكوميدية المقدمة، وهذا لا يقلل من قيمة المجهود الذي يقدمه القائمون عليه، لأن الكوميديا ليست أمرا سهلا، لكن مسرح الدولة يختلف عن ذلك حتى لو كانت بعض نصوصه كوميدية.

أوضح فتوح أن الجمهور أصبح أكثر وعيا عما كان عليه في السابق، ضاربا المثل بمسرحية النجم يحيى الفخراني الأخيرة “ليلة من ألف ليلة” التي حققت نجاحا كبيرا رغم أنه سبق عرضها عام 1968، لكن حين أعيدت بنفس صياغتها، اجتذبت قطاعات كبيرة من الجمهور من مختلف الأعمار.

انتفاضة عبدالباقي المسرحية، شجعت قنوات فضائية أخرى على دخول السباق

ولفت إلى عدم صحة مقولة “الجمهور عاوز كده” والتي قد توحي بأنواع دون المستوى من الفنون، والدليل على ذلك الإقبال على عرض “ليلة من ألف ليلة” وغيره من العروض الجادة.

حول تأثير فرق الفضائيات المسرحية على مسارح الدولة، وقدرتها على المنافسة، لا سيما في مجال جذب النجوم، قال فتوح “الكثير من الفنانين لديهم حماسة كبيرة للتعاون لأنهم يعرفون جيدا أن المسرح له رد فعل صادق، وعملهم فيه نوع من الخدمة الوطنية”.

وقال “هناك مفاوضات تجرى حاليا مع نجوم مثل الفنانة ليلى علوي، والفنان حسين فهمي، والمطرب هشام عباس، وآخرين، للمشاركة في بطولة أعمال مسرحية على مسارح الدولة”.

مواكبة الموجة

سيطرة الكوميديا على مضمون العروض المسرحية المقدمة بالفضائيات ربما تؤثر بشكل غير مباشر على العروض التي تقدم بمسارح الدولة، كنوع من مواكبة “الموجة”، وهو ما علق عليه يوسف إسماعيل مدير المسرح القومي بقوله “هناك قطاع مسرحي حكومي يسمى ‘المسرح الكوميدي’ وظيفته الرئيسية الكوميديا، لكن المسرح القومي على سبيل المثال لا يمكن أن يقدم عروضا كوميدية، ربما يكون الضحك وسيلة مكملة للعرض المقدم، لكنه ليس الأساس، وعموما فكل مسرح له هدفه، لذلك لا خوف من أن تفرض الكوميديا سطوتها على مسارح الدولة”.

وأشار إسماعيل إلى أن جميع التجارب المسرحية التي تحاول القنوات تقديمها حاليا “تقليد بعد نجاح أشرف عبدالباقي الذي سيبقى النموذج الأفضل بينهم”.

وأضاف “لا بد من تذكير الناس بأن العروض التي يقدمها مسرح مصر تهدف إلى المتعة والتسلية، وهذا جهد مشكور يحسب لصاحب الفكرة الفنان أشرف عبدالباقي، لكنه لا يغني عن أن هذا المسرح ينقصه الكثير مما يقدم على خشبة مسارح الدولة من ذوق راق وعروض ترقى إلى المستوى الوجداني للمشاهد، الهدف منها طرح القضايا التي تهم الناس، وتقديم عمل تتوفر فيه معايير المستوى الاحترافي، مع الاهتمام بكل تفاصيل العرض المسرحي”.

وقال “مسارح الفضائيات لا يمكن أن تفسد حركة مسرح الدولة لكون الجمهور أكثر وعيا بالفروق بين ما يقدم في الناحيتين، فضلا عن اتساع رقعة الأعمال المقدمة بهذه المسارح واختلاف متعة المشاهدة بين رؤية مسرح التلفزيون ومشاهدة العرض على أرض الواقع”.

بسؤال مدير المسرح القومي حول إمكانية تسجيل العروض التابعة لمسرح الدولة وتسويقها للقنوات الفضائية كنوع من زيادة المنافسة وتحقيق عوائد مادية، أكد لـ”العرب” أن لديه خطة بالفعل لتحقيق ذلك، ومن المقرر أن تبدأ بمسرحية “ليلة من ألف ليلة” للنجم يحيى الفخراني، حيث سيجري تسجيلها تلفزيونيا، ليس من أجل الربح، لكن للتوثيق والأرشفة التاريخية.

منافسة تعيد الجمهور إلى المسرح

ووعد إسماعيل بتسجيل العروض المسرحية بعد أن تستنفد وقتها مع الجمهور، لأن مسرح الدولة لا يهدف إلى الربح، مثل مسارح الفضائيات التي بدأت كتجربة جادة وهادفة، ثم تحول الأمر إلى وسيلة للربح من قبل الفضائيات.

وربما تساهم هذه المنافسة في عودة الجمهور إلى المسرح بكثافة، والمساعدة في اختيار نصوص قيمة، تعيد لهذا الفن مكانته التي تأثرت بحكم الظروف الأمنية والتطورات السياسية التي مرت بها مصر بعد أحداث 25 يناير 2011.

قلق وريبة

المخرج المسرحي ياسر صادق الرئيس الأسبق لمسرح السلام التابع للدولة، من القلة التي انتابها قلق من تجارب مسارح الفضائيات.

وفسر ذلك بقوله “الأمر يختلف إذا كانت التجربة مقصورة على أشرف عبدالباقي فقط، خاصة أن مشروعه كان بمثابة محاولة لإنقاذ مسرح القطاع الخاص، واكتشاف شباب واعدين من مسرح الدولة، وقدم تجربته التي تضمنت مسرحية تحتوي على مجموعة من الاسكتشات و”القفشات”، مما جذب الفضائيات الأخرى إلى الفكرة”، مشددا على أن هذا الاتجاه سوف يؤثر على مسرح الدولة بعد أن بدأ في استعادة عافيته.

وفي اعتقاده أن القيمة الحقيقية للمسرح تتمثل في لقاء الفنان والمتلقي، والتأثير اللحظي الذي يحدث بينهما، لكن التجارب التي تقدمها الفضائيات لا تصل إلى هذا التأثير، بل هناك الكثير من النجوم الكبار أخطأوا في الإقدام على هذه الخطوة، مثل محمد صبحي (على قناة سي بي سي) بقيمته المسرحية الكبيرة، ومحمد سعد الذي قوبل بهجوم شديد، عندما بدأ تقديم مسرحه “وش السد”.

شدد صادق على ضرورة تغيير سياسة مسرح الدولة لضمان الاستمرار في المنافسة، من خلال عدة خطوات، منها افتتاح دور عرض جديدة، والاهتمام بالكيف وليس بالكم في العروض التي يقدمها، والقيام بعمل دعاية جيدة وتسويق أعمال مسرح الدولة، أسوة بما تقوم به الفضائيات.

16