مسار إصلاح التعليم الثانوي يتخذ منحى ترقيعيا في تونس

تربويون تونسيون يعتبرون أن التحديث والرقمنة لا بد منهما، لأنهما يقلصان من إنفاقات كثيرة وهدر في المال والجهد.
الثلاثاء 2018/07/17
أجيال تاهت وراء الإصلاح

فنّدت الإجراءات التي أعلنت عنها وزارة التربية والتعليم في تونس مؤخرا أي مسعى لتناول ملف الإصلاح التربوي بعمق، فيما وصفها خبراء التربية بـ”الترقيعية”وأقروا بأنه لا يمكن تصنيفها سوى في خانة الفعل السياسي أكثر منه فعلا واقعيا يروم النزول إلى واقع الطلاب والمدرسين وما يدور بينهم من تقييم جدي للبرامج والمناهج والكتب المدرسية.

تونس - أعادت الإجراءات التي أعلن عنها وزير التربية والتعليم في تونس حاتم بن سالم حول العودة إلى نظام التقييم الثلاثي، الجدل الدائر حول برنامج إصلاح التعليم إلى نقطة الصفر، ووضعت الفاعلين التربويين ووزارة الإشراف في مواقف محرجة. ودفعت هذه الإجراءات العديد من الخبراء والمهتمين بقطاع التعليم إلى التساؤل: هل هناك إدراك فعلي لحقيقة ملف إصلاح التعليم الإعدادي والثانوي في تونس؟ متى يتفطن الفاعلون إلى أن وضع قطاع التعليم يحتاج هدما وإعادة بناء؟ وما الجديد بين هذه الإجراءات التي تلامس أطراف المنظومة التعليمية ولا تهتم بعمق المشكلة؟

وقررت وزارة التربية العودة إلى اعتماد نظام التقييم الثلاثي بمختلف مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي بدءا من الموسم الدراسي القادم 2018 - 2019 بحسب ما أعلن وزير التربية، الذي أشار إلى أن هذا القرار جاء بناء على الاتفاق المبرم مع الفاعلين في التعليم الأساسي والثانوي ومن منطلق التغيير الاستراتيجي في قطاع التعليم.

وقال بن سالم إن “التقييم الذي أجرته وزارة التربية ومختلف الأطراف المتدخلة أثبت فشل نظام السداسي وعليه تم إقرار العودة إلى نظام التقييم وملاءمة روزنامة العطل المدرسية مع العطل الجامعية بداية من سبتمبر 2018”.

سلوى العباسي: لا يوجد منهج واضح ومنطق التعاقب غلب على سياسات التعليم
سلوى العباسي: لا يوجد منهج واضح ومنطق التعاقب غلب على سياسات التعليم

وأثارت هذه الإجراءات العديد من نقاط الاستفهام وتساؤلات خبراء قطاع التعليم في تونس. وانقسم المتابعون بين منتقدين لما أعلن عنه الوزير بن سالم ومرحبين بالفكرة رغم أنها لا تحمل الجديد.

وقالت الأكاديمية والدكتورة سلوى العباسي، المتفقدة العامة للتعليم الثانوي في تصريح لـ“العرب” في تقييمها لتلكؤ وزارة التربية وعدم جديتها في برنامج الإصلاح التربوي، إن “القضية ليست قضية جدية الوزارة أو عدمها، بل قضية عدم نجاعة العمل وثبات الإجراءات ووضوح السياسات وخاصة توفير الأرضية الملائمة للحوار مع الأطراف المعارضة للإصلاح والقدرة على إقناعها وإشراكها بلغة علمية بيداغوجية واقعية منطقية هادئة تقوم على الالتزام والمسؤولية وتقاسم الأدوار”.

وأضافت “رغم أن مشروع إصلاح المدرسة التونسية كان من أجل الملفات التي طرحت قبل الثورة وبعدها مع أكثر من وزير، إلا أن مساره اتسم بالتقطع والذبذبة وعدم وضوح الرؤية، رغم أنه يفترض أن يصبح من الاستراتيجيات الكبرى التي يجب الاشتغال عليها بانسجام تام”.

وعلق الأستاذ بالمعهد الثانوي بالمنيهلة من محافظة أريانة الهادي الخميري على قرار الوزارة بقوله لـ“العرب”، “بعد تجربة السداسي التي لم تنجح لسلبياتها كان لا بد من العودة إلى نظام الثلاثي كأضعف الحلول التي يتم اللجوء إليها، فهي تعطي الفرصة لمزيد التكوين وتُنظم إجراءات التقييم (الامتحانات) وتعطي الفرصة أيضا لتحسين نسبة النجاح التي باتت ضعيفة بنظام السداسي”.

ويطرح نظام التعليم بالمدارس الإعدادية والثانوية في تونس منذ عقود أزمة بنيوية تتعلق أساسا بضعف كفاءات التدريس وإشكالية الزمن المدرسي وضعف المناهج وتقادمها وغيرها من المشكلات التي أرقت الخبراء والمهتمين الذين ينادون بإصلاحات جذرية وعميقة.

وشرحت المتفقدة التربوية أزمة النظم المعتمدة بقولها إن نظام الثلاثي بمنظومة مراقبته المستمرة القائمة على كثرة الأسابيع المغلقة وقبل المغلقة يختبر المتعلم في عدد محدود من الدروس وقد أثبت فشله لأنه هدر للتكوين والتحصيل مقابل التفخيم من شأن الجزاء والعدد، أما السداسي فقد كان أيضا قرارا متسرعا لأنه جعل السنة الدراسية قائمة على فترتين مطولتين غير متوازنتين لا تكوين فيهما ولا دعم ولا علاج مع الإبقاء على برامج مرهقة مملوءة بالتفاصيل غير المجدية، فيما مقارباتها صورية ومعلوماتها مفتتة هُندست في الأصل لتوافق نظاما ثلاثيا.

لكن الخميري استدرك القول بالإشارة إلى النقائص التي يعاني منها التعليم عوض هذه الإجراءات التي يراها مجانبة لتشخيص الواقع، وقال لـ“العرب” “طرق وظروف تعليمنا الآن هي نفسها منذ الاستقلال ولا أظن أن هذا الجيل له نفس جدية وقابلية التأقلم مع الظروف مثل جيل الثمانينات الذي كان يعيش أوضاعا اجتماعية صعبة لا يرى سوى العلم هو الحل الوحيد للخروج منها”.

وأضاف أن “الإصلاح يكون جذريا لا سطحيا”، ورأى أن “بن سالم يجانب المشكلات دون أن يلامسها حتى. نحن لا ننتظر حلولا سطحية مثل الترسيم عن بعد أو إدراج شعبة الآداب في النموذجي بل حلا جذريا يمكّن من تحسين المستوى أو يفتح آفاقا لمستقبل زاهر”.

وذهبت العباسي إلى نفس ما طرحه الخميري بقولها “كلّ هذا لا وجود له بعد سبع سنوات من الثورة لأنه لا يوجد ‘منهج دولة للتربية والتعليم الوطني’ وتغاير السياسات والوزراء كان بمنطق التعاقب ليس فيه استمراريّة عمل ونجاعة مراجعة وتقويم، وبناء عليه اتخذ قرار السداسي مدة سنتين ثم اتّخذ قرار العودة إلى الثلاثي، دون بلوغ عمق الإصلاح ومقتضياته الجوهرية”.

الهادي الخميري: لا ننتظر حلولا سطحية بل حلا جذريا يمكن من تحسين مستوى الطلاب
الهادي الخميري: لا ننتظر حلولا سطحية بل حلا جذريا يمكن من تحسين مستوى الطلاب

وحول مستجدات العودة المدرسية خلال العام الدراسي القادم، قال بن سالم إنه سيتم اعتماد التسجيل عن بعد سواء عبر الهاتف الجوال أو عن طريق الإنترنت بالنسبة إلى تلاميذ المرحلتين الإعدادية والثانوية، كما أنه سيقع الاستغناء عن مضامين الولادة والظروف والطوابع البريدية، موضحا أنه سيتم بدءا من السنة القادمة إرسال بطاقات الأعداد عبر الإرسال البريدي مباشرة إلى الولي.

لكنّ مراقبين لقطاع التعليم يشككون في نجاح هذا الإجراء خصوصا في ظل ما تعانيه غالبية المدارس من ضعف في التجهيزات والحالة المتردية لبعضها الآخر الذي يفتقر لأبسط المرافق الضرورية مثل الماء والكهرباء، فما بالك بالشبكة الإلكترونية.

ووصف الخبير البيداغوجي بوزارة التربية حسان غانم في تصريح لـ“العرب” هذه الإجراءات بـ“الترقيعية”، معتبرا أنها لا ترقى إلى تطلعات العديد من المهتمين ببرنامج الإصلاح التربوي الذي أعلنت عنه وزارة التربية منذ ثورة 2011.

غانم شخّص مكمن الداء، واضعا إصبعه على نقطة أساسية وهي مشكلة القرار الجريء على حد تعبيره، قائلا في هذا السياق “ما ينقص أزمة الإصلاح التربوي في تونس هو القرار المسنود باستراتيجية بعيدة المدى يمكن البناء عليها للنهوض بالبرامج والكتب المدرسية”.

وعلل الخبير التربوي التونسي كلامه هذا بالقول “بعد تولي الناجي جلول الوزارة تم عقد اجتماع حضره خبراء التعليم خرج بقرار ألا وهو أن النظام الثلاثي لا يتماشي مع واقع التعليم في تونس، وما أشبه اليوم بالأمس، نفس المجلس فقط الوزير من تغير يخرج بقرار ينسف الأول ويعتبره غير مجد ولا يتماشى مع واقع التعليم في تونس.. ندور في حلقة مفرغة”.

ولفت الوزير إلى التوصل إلى مشروع قرار يتيح توحيد جداول الأوقات التي سيتلقاها الطلاب عبر إرسالية قصيرة أو عبر البريد الإلكتروني، مؤكدا أن مختلف إجراءات رقمنة المنظومة التربوية ستضفي عليها المزيد من النجاعة وستوفر على الولي والطالب الوقت وجزءا من المصاريف.

وعلقت متفقدة التربية على ما قاله بن سالم إن “خيار التحديث والرقمنة خيار لا بد منه إن أحكم إرساؤه واستخدامه يعتبر وجيها في هذه المرحلة لأنه يقلص من إنفاقات كثيرة وهدر في المال والجهد وخاصة في الموارد”.

17