مسار الإصلاح يعزز القوة الاقتصادية والسياسية لإثيوبيا

باريس تتبنى سياسة مغايرة في شراكتها مع أديس أبابا الصاعدة.
الثلاثاء 2019/12/10
المستقبل من هذه الجهة

أديس أبابا - تتحول إثيوبيا من دولة أفريقية ضعيفة إلى دولة ذات حضور إقليمي ودولي. ظهرت ملامح هذه السياسة منذ عهد رئيس الوزراء الأسبق ملس زيناوي، لكن الأخير ركز فقط على محيطه القريب وارتبط اسمه بسد النهضة، في حين اختار رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد أن يتوسع أكثر ويستفيد من موقع إثيوبيا الجغرافي ويفتح اقتصاد البلاد الثقيل أمام الاستثمارات الخارجية، بعد عقود من التنمية المغلقة والصراعات الداخلية.

وتسيل الفرص الاقتصادية التي تكشف عنها إثيوبيا لعاب مختلف القوى الدولية، خاصة وأن البلاد أثبتت أنها تسير في طريق التحرر الاقتصادي والإصلاحات لتعزيز القطاع الخاص باعتباره المحرك الجديد للاقتصاد، وبغض النظر عمن سيفوز في انتخابات مايو 2020 في إثيوبيا.

وترصد دراسة نشرها مركز ستراتفور للدراسات الأمنية والإستراتيجية، أن دولا عديدة تتطلع إلى الشراكة مع هذه القوة الاقتصادية والسياسية الصاعدة في القرن الأفريقي. من بين هذه القوى، فرنسا، التي تعمل بنشاط على وضع شركاتها الرائدة لتحقيق الفوز الكبير في البلاد في السنوات المقبلة.

فرنسا، ليست هي القوة الخارجية الوحيدة التي تمتلك طموحاتها الخاصة بها في إثيوبيا وبقية شرق أفريقيا. فقد قامت دول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة الإمارات والسعودية، بتوفير الدعم المالي للمنطقة.

وبينما تستفيد الإمارات والسعودية من موقعهما الجغرافي وعلاقتهما الجيدة مع رئيس الوزراء آبي أحمد، ودعمهما لمساره الإصلاحي، تتطلع فرنسا إلى الفرص التجارية الناشئة في إثيوبيا، وتعرب عن رغبتها في استغلالها بفضل العديد من شركاتها التنافسية.

وبالنسبة لإثيوبيا، فإن العلاقة الناشئة هذه أعمق من التجارة، حيث تتوافق مع رغبتها في تنويع علاقاتها السياسية والاقتصادية إلى ما وراء الاعتماد على الصين في البنية التحتية والخليج وتركيا في مجال الاستثمار، والولايات المتحدة في مجال الأمن.

وعلى مدى قرون، ناضل زعماء إثيوبيا لتجنب الوقوع في دائرة نفوذ قوة أخرى، حتى أثناء الهيمنة شبه الاستعمارية لأوروبا على أفريقيا في القرنين التاسع عشر والعشرين. وقد أجبرت هذه الضرورة الجيوسياسية أديس أبابا على البحث عن ممثلين أجانب متعددين للحفاظ على خياراتها مفتوحة، والمساعدة في تأمين بقائها وتزويدها بمزيد من الموارد وسط المنافسة.

وهذا ما تبحث عنه قوة متوسطة مثل فرنسا. في الماضي، على سبيل المثال، لم يكن لفرنسا وجود كبير في الدول غير الناطقة بالفرنسية في أفريقيا، حتى في القوى الكبرى مثل نيجيريا وإثيوبيا، لكن مع تآكل الهيمنة الفرنسية في مستعمراتها السابقة وظهور الفرص في أماكن أخرى، تتطلع باريس إلى تحفيز مجال الأعمال في دول مثل إثيوبيا التي تقع خارج نطاق نفوذها التقليدي.

وتطوعت فرنسا هذا العام للتمويل والإشراف على أعمال الترميم في كنيسة سانت جورج في مدينة لاليبيلا، أحد أقدم المواقع وأكثرها قداسة في إثيوبيا. وبالإضافة إلى هذا العرض للقوة الناعمة، أبرمت باريس اتفاقية تعاون دفاعي طموحة مع أديس أبابا في مارس لتطوير قطاع البحرية الإثيوبي.

Thumbnail

وقد أثارت الصفقة مع دولة لم يكن لديها ساحل بحري منذ حصول إريتريا على استقلالها قبل ثلاثة عقود بعض الاندهاش، لكن الصفقة توضح مدى ثقة إثيوبيا في قوتها الاقتصادية في المستقبل (والحاجة إلى حماية طرق التجارة البحرية الخاصة بها) وتظهر أن صناعة الدفاع في فرنسا ترى عقودا مربحة في طور الإعداد، حتى لو كانت هذه الصناعة في البحرية الإثيوبية بعد سنوات عديدة، إن لم تكن عقودا.

وفي إشارة إلى التقدم في المشروع، ذكرت وسائل الإعلام الإثيوبية في 2 ديسمبر أن مصادر حكومية قالت إن قوات البحرية ستتمركز في جيبوتي. قد يكون ذلك منطقيا بالنظر إلى الروابط الاقتصادية، حيث تعتمد إثيوبيا بالكامل تقريبا على ميناء جيبوتي للاستيراد والتصدير. بالإضافة إلى ذلك، تستضيف جيبوتي العديد من القواعد العسكرية الأجنبية، بما في ذلك قاعدة كبيرة تابعة لفرنسا، مما سيسهل على إثيوبيا وفرنسا التنسيق في تطوير مجال البحرية.

أيضا، في أوائل الشهر الماضي، كشفت وسائل الإعلام الفرنسية أن رئيس وزراء إثيوبيا طلب في يوليو مليارات الدولارات من الأسلحة الثقيلة وغيرها من المعدات العسكرية من فرنسا. وتلبية طلب آبي أحمد يمكن أن توفر فائدة عظيمة لصناعة الدفاع الفرنسية التي حققت مبيعات قليلة لإثيوبيا، أحد عملاء الأسلحة التقليديين في الاتحاد السوفييتي أو روسيا، بل وتصارع في دخول منافسات على مبيعات أكبر في السنوات القليلة الماضية.

إلى جانب البعد الأمني، ترغب فرنسا في الاستفادة من العديد من الفرص التجارية مع تقدم حملة تحرر الاقتصاد في إثيوبيا إلى الأمام. وبينما تتصارع السوق الأوروبية مع الركود الاقتصادي، تنمو منطقة شرق أفريقيا، خاصة إثيوبيا، بوتيرة سريعة وسط الانفتاح في القطاعات التي تم إغلاقها سابقا.

الشركات الفرنسية ستستفيد من تحرر إثيوبيا في قطاعي الاتصالات والسيارات وغيرهما
الشركات الفرنسية ستستفيد من تحرر إثيوبيا في قطاعي الاتصالات والسيارات وغيرهما

على سبيل المثال، ستنهي إثيوبيا قريبا احتكار قطاع الاتصالات في شركة “إثيو تليكوم”، مما دفع الشركة الفرنسية “أورانج” الموجودة حاليا في العديد من الدول في أفريقيا وغيرها إلى التمسك بواحدة من اثنتين من رخصتي الاتصالات الدولية التي وعدت أديس أبابا بتقديمها في عام 2020.

ومن بين المجالات الواعدة الأخرى قطاع السيارات، الذي ستسعى شركتا بيجو وأوبل (الفرع الألماني لمجموعة شركات فرنسية) بلا شك إلى استغلاله. وتشير التقارير إلى أن شركات صناعة السيارات الفرنسية تعمل بنشاط لإقامة مصانع التجميع في إثيوبيا. وإلى جانب الشروط المواتية التي من المؤكد أن الحكومة الإثيوبية، التي يئست من نمو القطاع الخاص وفرص العمل، ستعطيها، فإن المستقبل الاقتصادي للبلاد والمنطقة الأوسع يبشران بالخير، وهو النمو الذي سيتيح لأعضاء الطبقة الوسطى المتنامية شراء المزيد من السيارات في المستقبل.

ومن المتوقع أن ينمو قطاع الطيران في إثيوبيا في السنوات المقبلة، حيث تضيف شركة الخطوط الجوية الإثيوبية خطوطها الجوية عبر أفريقيا والعالم. وفي أعقاب الانهيار المميت لرحلة الخطوط الجوية الإثيوبية الرحلة 302 في مارس والجدل الذي دار حول طائرات بوينغ، اقترحت فرنسا استبدالها بإيرباص كبديل لشركة الخطوط الجوية الإثيوبية. وإذا خرجت إثيوبيا سالمة من انتخاباتها وعززت تماسكها الداخلي، فلن يكون أمام قادتها المقبلين، بغض النظر عمن سيفوز، خيار سوى المضي قدما في التحرر الاقتصادي.

إن مسار التحرر هذا سيعزز بقوة القوة الاقتصادية لإثيوبيا في العقد المقبل. في الواقع، بما أن البلاد تستعرض عضلاتها الاقتصادية والسياسية على نحو متزايد تماشيا مع اقتصادها المتنامي، سيكون لديها المزيد من الموارد والثقة لتكوين نفسها في مركز تجاري إقليمي جذاب.

ومع استيقاظ اللاعبين الأجانب على هذه الفرص المتنامية، فإن قلة منهم يستعدون مثل فرنسا للاستفادة من إمكانيات إثيوبيا العميقة.

6